مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

بعيون نازح مصري: قراءة في بيئة المقاومة بين المسافة والالتباس.

في الجنوب، وفي الضاحية، وفي بعلبك ، وفي القرى التي عاشت الاجتياحات والقصف والنزوح، لا تُختبر المقاومة عبر النصوص النظرية فقط، بل عبر الذاكرة اليومية

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: معتز منصور – كاتب وباحث سياسي

في البيئة اللبنانية التي احتضنت المقاومة، لم تكن الحكاية يوماً مجرد علاقة بين جمهور وتنظيم، ولا بين ناس وسلاح. المسألة أعمق بكثير، وأقرب إلى شعور جماعي تشكّل عبر عقود من الخوف والحصار والحرمان والتهديد الدائم بالفقد. هنا لا يُنظر إلى المقاومة كخيار سياسي بارد يمكن تأييده أو رفضه من مسافة آمنة، بل كجزء من معنى الوجود نفسه. ولهذا يخطئ كثيرون حين يقتربون من هذه البيئة بعقلية المتفرج الذي يريد أن يفصل “الفكرة النبيلة” عن البشر الحقيقيين الذين يحملونها.

في الجنوب، وفي الضاحية، وفي بعلبك ، وفي القرى التي عاشت الاجتياحات والقصف والنزوح، لا تُختبر المقاومة عبر النصوص النظرية فقط، بل عبر الذاكرة اليومية. عبر الأم التي كانت تخبئ أبناءها تحت القصف، وعبر العائلات التي عاشت سنوات وهي تشعر أن أحداً في هذا العالم لا يحميها. هناك وُلدت العلاقة مع المقاومة بوصفها شعوراً بالأمان قبل أن تكون مشروعاً أيديولوجياً. وحين يشعر مجتمعٌ كامل أن وجوده مهدد، فإن من يمنحه القدرة على الصمود لا يتحول في وعيه إلى “حزب” فقط، بل إلى جزء من نسيجه النفسي والروحي.

لهذا يبدو بعض الخطاب العربي عن المقاومة غريباً على ناسها. هناك من يتعامل معها كأنها حالة عسكرية يمكن استهلاكها رمزياً، فيحب صور الانتصار والخطابات والعمليات النوعية، لكنه ينفر من البيئة التي أنتجت كل ذلك. يريد مقاومة بلا عاشوراء، بلا أحياء شعبية، بلا أمهات الشهداء، بلا تلك الروح الجماعية الثقيلة بالإيمان والحزن والكرامة. يريدها مبسترة من كل ما جعلها قابلة للحياة أصلاً.

معتز منصور يكتب: حافة التوازن المتصدع

معتز منصور يكتب: ماذا تفعل القوات المصرية في الخليج؟

لكن في الداخل اللبناني المقاوم، المسألة لا تُفهم بهذه الطريقة. هنا تمتزج العقيدة بالتاريخ الشخصي، وتمتزج السياسة بالشعور الديني، وتمتزج الكرامة بفكرة الحماية. ليس لأن الناس تعيش وهماً رومانسياً، بل لأن التجربة نفسها صاغت هذا الوعي. الاحتلال الإسرائيلي بالنسبة لكثيرين لم يكن خبراً على الشاشات، بل تجربة ملموسة عاشتها القرى والبيوت والطرقات. والخذلان العربي لم يكن تحليلاً سياسياً مجرداً، بل إحساساً فعلياً بأن هذه المجتمعات تُركت وحدها في مواجهة آلة عسكرية هائلة. من داخل هذا الشعور تحديداً، تكوّنت الروح التي حملت المقاومة وحمتها.

ولهذا فإن فهم البيئة الحاضنة لا يبدأ من سؤال السلاح فقط، بل من سؤال المعنى. لماذا استطاعت المقاومة أن تتحول إلى جزء من الحياة اليومية؟ لماذا بقي جمهورها متماسكاً رغم الحروب والاغتيالات والحصار والعقوبات والانهيار الاقتصادي؟ التفسير السهل يقول: “التعبئة العقائدية”. لكن هذا جواب ناقص جداً. ما يحافظ على أي بيئة تحت هذا الضغط ليس الخطاب وحده، بل شعور عميق بأن هذه المقاومة تعبّر عن كرامتها الجماعية، وعن خوفها، وعن تاريخ طويل من الشعور بالاستهداف.

في هذه البيئة، الشهيد ليس مجرد رمز سياسي. هو ابن العائلة والحي والقرية. صورته ليست دعاية انتخابية، بل جزء من الذاكرة اليومية للناس. لذلك تبدو العلاقة مع المقاومة أقرب إلى رابطة وجدانية وروحية ممتدة، لا إلى تأييد سياسي عابر يمكن أن يتبدل مع كل أزمة. وحتى حين تظهر التناقضات والضغوط والانتقادات، فإن كثيراً من الناس يتعاملون معها من داخل البيت نفسه، لا من خارجه. أي أنهم قد يغضبون أو يعترضون أو ينتقدون، لكنهم لا يشعرون أن المسألة منفصلة عنهم.

وهنا تحديداً يقع سوء الفهم الكبير لدى بعض النخب العربية. فهي تتعامل مع جمهور المقاومة كأنه مجرد “كتلة مؤدلجة”، بينما الواقع أكثر تركيباً وإنسانية. هذه البيئة ليست جمهوراً آلياً يعيش خارج التاريخ، بل مجتمع كامل تشكّل تحت الحرب والحرمان والتعبئة والخسارات المتراكمة. ولذلك فإن لغته مختلفة، وحساسيته مختلفة، وطريقته في فهم العالم مختلفة أيضاً. من لم يعش تجربة التهديد الوجودي يصعب عليه أن يفهم لماذا تصبح مفردات مثل “الحماية” و”الكرامة” و”الثبات” أثقل من أي نقاشات نظرية أخرى.

المقاومة هنا ليست مجرد وظيفة قتالية، بل حالة انتماء. ولهذا فإن محاولة دعمها مع احتقار ناسها تبدو، بالنسبة لكثيرين داخل بيئتها، نوعاً من التناقض المستحيل. لأنك في النهاية لا تستطيع أن تفصل الشجرة عن تربتها، ولا أن تحب النتيجة وتكره العالم الذي أنتجها. فالمقاومة اللبنانية، بكل ما فيها من قوة وتناقضات وآلام، خرجت من مجتمع حقيقي، من أمهات حقيقيات، من قرى حقيقية، ومن ذاكرة ممتلئة بالفقد والخوف والإيمان. ومن دون الاقتراب من هذا العمق الإنساني والروحي، يبقى فهمها ناقصاً مهما بدا الخطاب السياسي متعاطفاً معها.

شارك المقال: