مقالات
د. محمود عبد اللطيف
د. محمود عبد اللطيف

القواعد الأمريكية بين وهم الحماية وفخ الاستهداف

صحيح أن هذه القواعد وفرت لدول الخليج غطاءً أمنياً في فترات محددة، وساهمت في تدريب قواتها، لكن النتيجة الإجمالية كانت تفريغ مفهوم "الدفاع الوطني" من مضمونه

مشاركة:
حجم الخط:

لطالما رُوّج للقرار الخليجي بالسماح بإقامة قواعد عسكرية غربية، وتحديداً أمريكية، على أنه قمة “البراغماتية السياسية” و”ذكاء إدارة التحالفات”

لكن بعد عقود من هذا الوجود، ومع كل موجة تصعيد جديدة تجتاح المنطقة، يبدو المشهد وكأن دول الخليج وقعت في فخ الاستراتيجية التي اعتقدت أنها ستحميها. فبدلاً من أن تكون “دولاً ذات سيادة” تدير اللعبة من الداخل، تحولت إلى ساحات مكشوفة، تتحمل التبعات بينما يصنع القرار في عواصم بعيدة.

مغالطة “الحماية المجانية”

الانتقاد الأكبر للسياسة الخليجية يكمن في افتراضها أنه يمكن الحصول على “حماية مجانية” دون ثمن سياسي أو أمني. لقد راهنت هذه الدول على أن الوجود الأمريكي المكثف على أرضها سيرفع كلفة مهاجمتها إلى درجة يستحيل معها المساس بها. لكن هذه المعادلة انقلبت رأساً على عقب:

أولاً، تحولت القواعد من درع إلى هدف ثابت. في أي صراع مستقبلي بين واشنطن وطهران، لم تعد دول الخليج “خلف الجدار”، بل أصبحت هي الجدار نفسه.

القواعد العسكرية الضخمة في قطر والبحرين والكويت هي بمثابة “رهائن استراتيجية” وضعتها الحكومات الخليجية طواعية في يد الولايات المتحدة، لتجد نفسها مجبرة على تحمل تبعات حروب لا تملك قرار إنهائها.

ثانياً، أوهمت النخب الخليجية شعوبها بوجود “جدار ناري” يفصلها عن نيران الإقليم. وعندما تهاوت نظريات الردع، كما حدث في هجمات أرامكو 2019 أو الهجمات على مراكز حساسة في الإمارات، اتضح أن “المظلة الأمريكية” لا تمنع سقوط الصواريخ والمسيّرات، بل تكتفي بالتقاط صور لها وهي تنفجر.

انكشاف التناقض: السيادة أم التبعية؟

الانتقاد الأعمق يتجه نحو مفهوم السيادة نفسه. فالسيادة الحقيقية تعني القدرة على اتخاذ قرار وطني مستقل، خصوصاً في مسائل الحرب والسلم. لكن ماذا يحدث عندما تصبح القاعدة الأمريكية على أرضك تحت تصرف قائد أمريكي، يتحرك وفق مصالح واشنطن وإسرائيل أولاً؟ هنا يبرز التناقض الصارخ:

· غياب “الفيتو” الخليجي: لم تستطع أي دولة خليجية حتى الآن فرض “حق النقض” على استخدام قواعدها في عمليات عسكرية تراها مضرة بمصلحتها. التبرير الدبلوماسي المعتاد بأن “القواعد لا تُستخدم إلا بموافقتنا” يتبخر في اللحظات الحرجة، حيث تفرض واشنطن الأمر الواقع تحت ضغط “الضرورة الأمنية” أو “الرد السريع”.
· تكريس ثقافة الاعتماد على الغير: السياسة الخليجية في هذا الملف خلقت على مدى عقود جيلاً كاملاً من القرارات الأمنية التي لا تُتخذ إلا باستشارة الخارج. حتى في شراء الأسلحة، يتم شراء ما ينصح به الأمريكي أو ما يوافق عليه، وليس بالضرورة ما يبني قدرة وطنية صناعية أو تشغيلية مستقلة.

مكاسب سريعة مقابل خسائر استراتيجية

صحيح أن هذه القواعد وفرت لدول الخليج غطاءً أمنياً في فترات محددة، وساهمت في تدريب قواتها، لكن النتيجة الإجمالية كانت تفريغ مفهوم “الدفاع الوطني” من مضمونه، بدلاً من بناء أنظمة دفاعية خليجية متكاملة تعتمد على الذات أولاً، تم إرجاء هذه المشاريع لعقود، بحجة أن “الدرع الأمريكي” كافٍ.

النتيجة اليوم هي كالتالي:

1. دول خليجية مرهونة لأمن الغير: لا تملك القدرة على حماية أجوائها أو مياهها الإقليمية لساعات دون تنسيق مع القيادة الأمريكية.
2. دول خليجية في مرمى النيران: تدفع ثمن سياسات أمريكية في المنطقة (كالدعم المطلق لإسرائيل أو سياسة الضغط الأقصى على إيران) دون أن يكون لها تأثير حقيقي في تغيير هذه السياسات.
3. شرعية سياسية متآكلة: تتآكل صورة الحكومات أمام شعوبها حين تثبت الأحداث عجزها عن حماية السماء، أو حين تضطر لاسترضاء إيران بالدبلوماسية بينما القواعد الأمريكية على أرضها تهددها.

وأخيرا…

لقد راهنت السياسة الخليجية على “تأجير الأرض” مقابل “شراء الأمان”. لكن التجربة أثبتت أن القواعد العسكرية الأجنبية لا تشتري الأمان، بل تؤجله فقط، وغالباً ما تدفع فاتورته مضاعفة. الدول الخليجية مدعوة اليوم لمراجعة جذرية لهذه الاستراتيجية، ليس بالضرورة بطرد القواعد (فالأمر لم يعد سهلاً)، ولكن بإعادة تعريف شروط الوجود وربطها بمصالحها السيادية بشكل صارم، مع استثمار استثنائي في بناء قدرات ذاتية حقيقية. فـ السيادة لا تمنح، ولا تشترى بقواعد الآخرين، بل تُفرض بقوة الذات.

شارك المقال: