مقالات
د. يحيى القزاز
د. يحيى القزاز

استاذ جامعي وسياسي مصري راحل

من أوراق د. يحيى القزاز: السياحة الحيولوجية

خلق ما يسمى بالسياحة الجيولوجية والاعتراف بها من خلال إيجاد وثيقة مرجعية للسياحة الجيولوجية لجميع الجيولوجيين والمهتمين في هذا المجال، مع تسليط الضوء على التاريخ التعدينى لمصر وثرواتها المعدنية

مشاركة:
حجم الخط:

الجيولوجيا تعنى “علم الأرض”، وهذا العلم ليس علما جامدا جافا كما يبدو من دراسة فك طلاسم نشأة الأرض وتطورها، واكتشاف ثرواتها المعدنية وانتزاعها من باطنها وتصنيعها.

ومن الدراسات الجيولوجية يمكننا أن نستكشف أنماطا ترفيهية وطبية أخرى تنتمي لعلم الجيولوجيا، يمكن ان نطلق عليهما: السياحة المعرفية والسياحة العلاجية في سفاجا وفى كليهما يستمتع السائح بغذاء معرفي فى قالب ترفيهى وصحى.

هذا غير القوة الاقتصادية الناتجة من استكشاف ثرواتها المعدنية، ومصر مازال ينقصها الكثير في هذا المجال لأسباب ليس هنا مكانها.

سياحة مصر 

السياحة فى مصر من أهم الروافد الاقتصادية فى مصر، وإن كانت فى معظم الأحيان تعتمد على السياحة الشاطئية فقط، وترتقي بمستواها بالقدر الذي توليه الدولة اهتماماً بتنشيطها وتطويرها وإنشاء البنية التحتية الداعمة لها والذي يعود بالمحصلة عليها بمحتوى استثماري وشريان اقتصادي داعم لها.

كما هو شائع فى تعريف السياحة بأنها السفر براً وبحراً وجواً لغير أغراض العمل.

تبدو السياحة الجيولوجية كفرع هام لصناعة سياحة ذات مزيج علمي في قالب ترفيهي مميز.

كيف نحصل على سياحة اقتصادية ناجحة

لكى نحصل على سياحة جيولوجية مميزة للحصول على ناتج اقتصادي جيد هو وضع الخطط المناسبة بالتنسيق والتعاون مع كافة المؤسسات ذات العلاقة لتنفيذ مشروع تنشيط السياحة الجيولوجية.

تتمتع مصر بموقع فريد وطبيعة جيولوجية خلابة تفرض فيها التراكيب والتكوينات الجيولوجية نفسها رغماً عن الناظر.

السياحة الجيولوجية هي أحد أشكال السياحة الداخلية إلى جانب السياحة الأثرية والدينية والطبيعية، التي تتواءم معها في جانب الفئة المستهدفة من عملية الجذب السياحي العلمي والتي تعنى بنشر المعلومات الإرشادية وتوفيرها للباحثين الجيولوجيين الراغبين بدراسة التراكيب الجيولوجية أو المعدنية او الصخرية والتمتع بمناظر خلابة تروّح عن النفس.

حيث أن مصر غنية بالعديد من المواقع الجيولوجية والطبيعية ذات النسق البيئي المتميز عالمياً والتي تعتبر حافزاً لإبداع الباحث والسائح على حد سواء، ولا نستثني المظاهر الجيولوجية التي تشكل لوحة فنية فريدة أخاذة للب الدارس والباحث عن المعرفة الجيولوجية ممثلة بالمحتوى الميداني الحقيقي والطبيعي الساحر.

أهداف السياحة الجيولوجية 

تكمن أهداف السياحة الجيولوجية إلى المحافظة على المعالم الطبيعية والتنوع الجيولوجي عن طريق نشر الوعي بأهميتها، والمحافظة على المعالم الجيولوجية، وتوضيح أهمية العلاقة بين التنوع الجيولوجي والتنوع البيولوجي.

خلق ما يسمى بالسياحة الجيولوجية والاعتراف بها من خلال إيجاد وثيقة مرجعية للسياحة الجيولوجية لجميع الجيولوجيين والمهتمين في هذا المجال، مع تسليط الضوء على التاريخ التعدينى لمصر وثرواتها المعدنية والثروات الطبيعية.

عناصر السياحة الجيولوجية 

أهم عناصر السياحة الجيولوجية:

أولا: وادى الحمامات الذى يجرى عليه طريق قفط – القصير ويقع فى منتصف هذا الطريق بين مدينتي قفط من الغرب والقصير من الشرق على ساحل البحر الأحمر، وعلى صخوره نقوش من العصر الفرعونى، وتوجد بجوار النقوش بئر الحمامات المكسوة جوانبها بالحجر حتى سطح الماء.

يحيط بها من الخارج سلم حلزونى يصل بالزائر إلى سطح الماء بالبئر، تضيئه نوافذ فى جسم البئر يصل ضوؤها إلى هذا السلم الحلزونى تشعر الزائر بالأمان وجمال المكان، وعلى الصخور حول هذه البئر، وعلى جنبات الوادى توجد رسوم وكتابات فرعونية منقوشة على صخور أحجار رملية رمادية تسمى جري واكى (Greywacke)، وهو ما اطلق عليه الفراعنة حجر “بخن” (Bechen)

حول البئر والنقوش الفرعونية توجد مواقع استخراج الذهب تتناثر منازل الأقدمين على هيئة مجموعات يوجد ببعض منها “رحى” طحن الذهب من الحجر الصلب المجلوب من أماكن قربية من هذه المنطقة. هذه المنطقة التى بها مواقع استخراج الذهب (التعدين) تسمى حاليا بمنطقة “الفواخير”

أقدم مراكر تعدينية 

تعتبر الفواخير من أقدم المراكز التعدينية فى العالم، وقد رسمت لهذا المركز التعدينى أقدم وأول خريطة فى العالم عثر عليها مرسومة على إحدى البرديات المسماه ببردية تورينو” وهى محفوظة بمتحف “تورينو” بإيطاليا، والتى تظهر بدقة بالغة المعالم الرئيسية لهذه المنطقة من طرق ومعابد لايزال من الممكن التعرف عليها حتى الآن.

يوجد بمنطقة الفواخير أول وأقدم مصنع حديث لاستخلاص الذهب من مناجم مصر القديمة شيده الإنجليز بمنطقة الفواخير عام 1942 وقت احتلالهم مصر وظل يعمل حتى عام 1954.

المصنع الآن متهالك ولا يعمل، ويجب المحافظة عليه كأثر وقيمته فى أنه أثر أهم من بيعه “خردة”

وادي الحمامات 

طريق قفط – القصير الذي يشق منطقة “الفواخير” يجرى على “وادى الحمامات”، وكما يذكر العالم “سليم حسن” فى موسوعته “مصر القديمة”

إن وادى الحمامات لعب دورا عظيما على مدار التاريخ القديم والحديث، كان ممرا للتجارة بين مصر الفرعونية وبلاد بونت (الصومال)، ومستودعا لاستحضار الذهب.

كانت محاجر وادي الحمامات معروفة للمصريين منذ الدولة القديمة، إلا أنها لم تستغل بطرق منظمة إلا في عهد الأسرة الحادية عشرة إبان حكم الملك “منتوحتب الثالث”، الذي أرسل القائد “حنو” في بعثه إلى بلاد “بونت”. واتخذ “حنو” طريقا حفر فيه عدة آبار حتى وصل إلى البحر الأحمر.

وفي العودة إلى البلاد المصرية مر بوادي الحمامات، واستخرج منه الأحجار النادرة التي حملها إلى مصر، وترك على صخور هذه المحاجر نقوشا طويلة عن تفاصيل هذه الرحلة.

التاريخ القديم لوادي الحمامات 

جاء الملك “منتوحتب الرابع” بعد موت “منتوحتب الثالث”، وعثر على نقوش له في وادي الحمامات، والنقوش التي تنسب إلى حكم هذا الملك نحتت بيد وزيره “امنمحات”.

ويذكر الوزير عن بعثته أنه عثر على بئر في وسط الوادي أبعادها 10 x 10 أذرع مملوءة بالماء العذب (هذا البئر موجود ومعروف حاليا بئر الحمامات بالقرب من النقوش الفرعونية).

ومنذ ذلك العهد أصبحت البعثات التي ترسل إلى بلاد “بونت” تخرج من مدينة “قفط” على النيل إلى وادي الحمامات ثم البحر الأحمر، قاصدة ميناء “ساووا” المعروف حاليا باسم “وادي جاسوس” الذي يقع شمال مدينة “القصير”.
تتوالى البعثات إلى وادي الحمامات ولم تتوقف، فيرسل الفرعون امنمحات الأول (الأسرة الثانية عشرة) بعثة إلى وادي الحمامات على رأسها “انتف” حامل الختم الملكي والكاهن الأعظم للإله “مين” ليحضر حجر “البريشيا” الفاخر (حجر البريشا مازال موجودا حتى هذه اللحظة).

وبعد ذلك أرسل الفرعون “رعمسيس الرابع” حملتين إلى محاجر “وادي الحمامات” لإحضار قطع ضخمة من الأحجار لإقامتها آثارا له. وقد نقش رجال البعثة الأولى الذين أرسلوا لقطع الأحجار ما حدث لهم هناك على لوحة في صخور وادي الحمامات لا تزال باقية حتى الآن.

أختاتون وبطليموس الثالث 

واستغل “إخناتون” محاجر “وادي الحمامات” حيث توجد بعض اللوحات المقطوعة في الصخر منقوشا عليها رسمة، ثم جاء بعده الملك “سيتى الأول” الذي سجلته لوحة وهو يقدم إناء خمر للإله “أمون رع”.

وفي عصر البطالمة اقام الملك “بطليموس الثالث” معبدا للإله”مين” بوادي الحمامات بجوار “بئر الفواخير” (التى مازالت موجودة ويستخرج منها الماء حتى تاريخه)

توجد نقوش للملكين “بسماتيك الأول والثاني” علي صخور الحمامات. وتؤكد نقوش الوادي على أن “أحمس الثاني” لم يحكم مصر أكثر من سبع وأربعين سنة.
ونظرا لأهمية منطقة الفواخير بأثارها، ومرور الطريق الإسفلتى فى منتصفها، قمت -باستخدام صور الاقمار الصناعية من “Google Earth”- بتحويل مسار الطريق الأصلى (فقط-القصير) إلى منطقة أخرى تقع جنوب المنطقة الأثرية، لحماية المنطقة الأثرية وزوارها ولجعلها متحفا مفتوحا يتجول فيه الزائرون بأمان.

 

شارك المقال: