مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

بين “رفض” أمل و”استحمار” أنس

مشاركة:
حجم الخط:

 صرخة “ابن القلعة” في وجه الزريبة الكبرى!

قبل أن أضع نقطة واحدة في هذا المقال، أعلنها صريحة مدوية: أنا منحاز! نعم، منحاز بالفطرة وبالدم وبالتاريخ لهذا القلم “الدنقلي” الثائر.

أنا منحاز لأخي وبلدياتي أنس دنقل، ليس فقط لأنه شقيق “أمير شعراء الرفض” الراحل أمل دنقل، بل لأنه خرج من رحم “القلعة” بمركز قفط، تلك الأرض التي لا تنبت إلا الصخور الصماء في وجه الظلم، والبراكين الثائرة في وجه الجهل.

لقد قرأت كتاب أنس الجديد “الحياة في حديقة للحيوانات!!” ، فوجدته لا يكتب بمداد، بل يكتب بـ “مية نار” على جلد واقعنا المترهل.

أنس لا يداعب القارئ بمصطلحات أكاديمية “مقعرة” ، بل يصفعه بـ “البلغة” الصعيدية القديمة ليوقظه من نومة “البرسيم” التي أدمنتها الشعوب.كا

أنس دنقل يكتب:انا والحمار وهواك!

1. فلسفة “الفراش” في مواجهة “الباشوات”

يبدأ أنس كتابته باعتراف عبقري في بساطته؛ فهو لا يدّعي أنه عالم اجتماع كجمال حمدان أو خبير اقتصادي كجلال أمين. بل يقدم نفسه كـ “فراش قاعة علوم التخلف”.

هذا الذكاء في اختيار “المنظور” هو ما يجعل الكتاب خطيراً؛ فالأستاذ قد يجمل الواقع، أما الفراش الذي يمسح “بقايا تجشؤ” الأكاديميين وزبالة نرجسيتهم، فهو الوحيد الذي يرى “التخلف” على حقيقته العارية.

أنس يقول لنا: “هل سمعتم صوتي؟ صوت من لا صوت لهم؟”. هو لا يتحدث عن المتخلفين، بل يتحدث باسمهم ومن داخل زنزانتهم.

2. من عصر “الاستعمار” إلى عصر “الاستحمار”

ببراعة الساخر الذي أوجعته الهزائم، ينتقل بنا أنس من نقد “المحتل الأجنبي” إلى فضح “المستحمر الوطني”. يرى أنس أننا شعوب استبدلت لجام الإنجليز بلجام من صنع أيدينا.

يسخر من تقسيم المجتمع إلى “عبدة الكراسي” و”عبدة اللحية والمسبحة”، وكلاهما في نظره وجهان لعملة واحدة تتاجر بعقول “الحمير” الذين يزعلون إذا لم يركبهم أحد!

هذه السخرية السوداء هي “روشتة” تشخيصية لمرض “الحمورية” الذي أصبح سيد الموقف في تعليمنا، وصحتنا، وسياساتنا.

3. “داعشيتنا” الكامنة.. كلنا إرهابيون!

في فصل “لماذا نحن متخلفون؟” يضع أنس يده على منطقة ملغومة.

يجرؤ على القول إن “كلنا داعشيون إلا من رحم ربي”.

فالإرهابي ليس فقط من يحمل البندقية، بل هو الموظف الذي يعطل مصالح الناس، والقاضي الذي يظلم، والوالد الذي يغلق نوافذ عقل ابنه.

أنس يرى أننا “مستوردون” للدين من “بوتيكات واشنطن وتل أبيب” ونترك جوهر المحبة الذي دعت إليه كل الأديان لنغرق في صراعات “سنة وشيعة” و”أرثوذكس وبروتستانت” بينما أطفالنا يبحثون عن كوب حليب.

4. نقد “دولاب النيش” السياسي والاجتماعي

بألم الساخر المتمكن، يشرح أنس ظاهرة “النيش” في حياتنا. نحن شعوب تقدس المظاهر؛ فالنيش في البيت لا يُستخدم، وكذلك “النيش” في السياسة.

لدينا برلمانات “نيش”، ونقابات “نيش”، وأحزاب “نيش”، عينات معقمة تُعرض للأجانب بينما العقل والقرار الفعلي مستأصل تماماً.

هذا الربط بين العادة الاجتماعية والواقع السياسي هو ذروة الإبداع عند أنس؛ حيث يحول “النيش” من قطعة أثاث إلى “منظومة تفكير” كسيحة.

5. “أولاد اللبوة” و”الوطيان”.. حين تنقلب المعايير

في قسم “محيط الوطيان”، يقدم أنس محاضرة قاسية في “علوم الندالة”. هنا نلمس لغة “محمود السعدني” في أوجها.

يرى أنس أن “ابن اللبوة” (بالمعنى الرمزي للانتهازية) لم يعد شتيمة، بل صار تعريفاً لـ “ملوك الغابة” الذين يتسلقون الأكتاف بالتقارير والتمسح في حذاء السلطة.

يسخر من “حزب الكرفتات” و”حزب الجلاليب” الذين يتسابقون لالتقاط صور مع “المسؤول” لتعليقها في الدواوين، بينما هم أول من يهجون هذا المسؤول لحظة سقوطه.

الكاتب الساخر صاحب النكهة الخاصة في كتاباته أنس دنقل
الكاتب الساخر صاحب النكهة الخاصة في كتاباته أنس دنقل

6. الحل عند “ابن القلعة”: المحبة والعقل

رغم كل هذا السواد الساخر، لا يتركنا أنس دنقل دون أمل (وكأنه يستدعي روح أخيه أمل).

يرى أن المخرج هو “الإنسان الإنسان”  ذاك الذي يحمل بذرة صوفي حقيقي، يؤمن بأن “ديني لنفسي ودين الناس للناس”

يطالبنا بـ “تعليم وتدريب وبحث علمي” ، وبـ “عدالة ناجزة معصوبة العينين”.

يطالبنا بأن نحب بعضنا “تكن مصر لكم.. وتكونوا مصريين”

تحسسوا رؤوسكم!

كتاب أنس دنقل ليس كتاباً تقرأه وتنام، بل هو “شكة دبوس” في بالونة غرورنا القومي.

هو دعوة صريحة من ابن القلعة لنتوقف عن عبادة “الزعيم الملهم المعصوم” ونبدأ في عبادة “العقل والعمل”

أنس ينهي سفره الطويل بنصيحة مرعبة: “تحسسوا رؤوسكم.. فرؤوس الناس على جثث الحيوانات، ورؤوس الحيوانات على جثث الناس”
شكراً يا أنس..

لقد أوجعتنا بصدقك، وأضحكتنا على خيبتنا، ونبهتنا أننا “تربية وسخة” (بالمعنى التربوي الذي شرحته في لعبة البالونات) إذا لم نتعلم كيف نعيد الحق لأصحابه.

شارك المقال: