مقالات

علي أبو هميلة يتذكر: أصعب ليلة في ثورة يناير

 لقد انتهت كل السبل مع الوضع القائم ونحن مستمرون حتى النهاية، انتهت أصعب ليلة في حياة ثورة 25 يناير، لكن يبدو أن هناك من كان أكثر قدره على التخطيط

مشاركة:
حجم الخط:

1فبراير 2011

ثلاثة ايام مرت علي جمعة الغضب لم يكن هناك فيها جديد كنت وعصام سعيد نتواجد في الميدان من الصباح حتى ما بعد منتصف الليل، و في نهاية اليوم يتجه عصام إلى شبرا واتجه  إلى الطوابق بفيصل مشيا على الأقدام،اما نهارات الايام الثلاثة فكانت سيرا في الميدان وماحوله، نترقب الناس نلاحظ ملامحهم كنا نبحث عن الطريق في أفكار الكبار ( او ما كنا نظنهم كبار في ذلك الزمان) التقينا أصدقاء كثيرة من أيام الجامعة وما بعدها مره قابلت صبري السماك المنتج السينمائي الكبير وكان صديق من أيام الجامعة.

صاح بي قائلا : أيه يا أبوهميلة أنتوا جايين تركبوا الثوره؟ ضحكت كثيرا جدا قهقهت، وقلت له : ياريت يا صبري عموما الناصريين متبعثرين “ومش بيعرفوا يركبوا” ياللا ياسيدي اركبوا انتوا..

وكان صبري وحيدا يجلس على طرف حديقه بميدان التحرير، أما أنا فلم أكن أعول كثيرا على الناصريين فجميعهم جاء فرادى والغريب فيهم أنك أن وجدت مجموعات منهم ستجد كل مجموعة في ناحية.

خمس او عشره او 15 على الأكثر وبينهم وبين الأخرين مسافات ومساحات ورغم كثرتهم وكثره كوادرهم إلا أنهم مشتتين ( لازلت أراهم كذلك كوادر كثيرة لكن فرادى) في كل خطوه كنت تقابل واحدا من قيادات الجامعة او ما بعد الجامعة، كثيرا منهم غيرته الأيام ولكن عندما اقترب الحلم جاء الميدان يبحث عن أصدقاء ورفاق مشوار ولكن لا يبحث في تجميعهم ووحدتهم.

كنت أرى و عصام أن أمامنا أيام طويلة في الميدان والموضوع لن ينتهي خلال أيام قليلة وكان علينا أن نمضي الأيام في تأملات لحالة الناس لم نكن نهتم لهؤلاء الذين ذهبوا والذين عادوا، وخلال تلك الأيام وخاصة بعد جمعة الغضب بدأ استقطاب الكثيرين من أجهزه الدولة و محاولة مساوماتهم على اشياء وظهر على شاشات التليفزيون أناس ما أنزل الله بها من سلطان كنا نعجب من هؤلاء ومن أين ظهروا ولماذا ظهروا على الشاشات وتصديرهم أنهم قادة ثورة.

نعم جاءت الدعوة من شباب على فيس بوك وتويتر ربما تعاطفا مع حالة خالد سعيد أو سيد بلال.. ربما ظهر في الأجواء الداعين ل٢٥ يناير شباب.. لكن مشهد ٢٨ يناير غير الصورة تماما هذا مشهد شعب كامل أرسل ممثلية ليخوضَ معركة كبيرة حتى الوصول للميدان التحرير، لم تكن كمظاهرات كفاية او حتى مظاهرات 21 مارس 2003 مع سقوط العراق، وتلك مظاهرات كانت ضخمة جدا نزلنا الميدان لنرى صورة من صور ميدان التحرير التي رسمها بهاء طاهر في رائعته شرق النخيل عن مظاهرات 72.

لكن ٢٨ يناير كانت حركة شعب ولو كانت مثل المظاهرات السابقة لانتهت مع ساعات النهار، لذا استقر المقام في ميدان التحرير حتى يسقط النظام هذه المره بجد وحق وحقيقي، ليست كمرات سابقة في منتصف الثمانينات مع انتفاضة الأمن المركزي او غيرها في الالفينات مع سقوط بغداد او غيرها من الأحداث التي عاصرناها.

الطريق إلى التحرير
الطريق إلى التحرير

كنا نلتقي شخصيات نعرفها في كل خطوه من الميدان لكننا لم نرى قيادات اختفى البرادعي لم يحضر الا الميدان الا بعد ٥ فبراير، ظهرت ما اطلق عليها لجنة الحكماء وكنا نضحك حكماء فيهم نجيب ساويرس و مش عارف مين ومين.

ندرك ان كل ذلك فارغ فالوقت لم يحن بعد وهؤلاء ليسوا حكماء هذا جيل انتهى مع نهاية هذا النظام، ربما كان الوحيد الذي رايته نائما في صينية ميدان التحرير كان حمدين صباحى. وهذه عادة حمدين و طبعه وهذا جزء من محبتي له لم يكن يغادر إلا مثلنا اخر اليوم أما باقي يومه فهو مواطن مصري يحمل هموم شعبه و يكون مكانه الأمن وسط الناس.
مرت الايام الثلاثة السابقة بالنسبة لنا عادية جدا المشوار لن ينتهي بسرعة و نحن نتابع ما يحدث نقابل الأحباء نأكل كشري، فول وطعميه ناخذ زجاجة مياه نتقاسمها انضم إلينا من ماسبيرو معنا الاصدقاء شريف محمد، محمود خاطر، أيمن عياد، وحسن عبدالعزيز رحمه الله، ومنذ اليوم الأول كنا ثلاثتنا عصام وعبداللطيف أبو هميلة لم نكن نعرف معنى الجلوس إلا عند التعب والإرهاق دائما في حالة تأمل و مراقبة لحالة المتظاهرين.
مضى اليوم الأول من فبراير كالايام السابقة طبعا حصل موضوع المنصات و بدا رويدا رويدا يدخل الميدان أحزاب و كيانات جديده وبدأ في الميدان عدة منصات وعدة تجمعات لاسماء أحزاب و كان لدينا علامات تعجب نعم هناك تنوع بالميدان لكن يجب أن يظل الصوت واحد، كنا نلاحظ دخول شخصيات عامة كثيرة ونرى فرحة الناس بهم، فما بعد جمعة الغضب غير ما قبله كما قلت كان الشعب حاضرا ليسوا مجموعة من الثوار او الطليعة، بينما نسخر من تعلق الناس بشخصيات إعلامية أو كثيرة الظهور كنا نفرح جدا بمجموعات تجئ من الأقاليم وبدء تجمعات إقليمية تحط على ميدان التحرير

مساء عصيب

كانت أصعب لحظاتنا في ميدان التحرير تلك التي اعقبت خطاب مبارك يوم ١ فبراير فقد جاء الخطاب بلغة من يفهم الشعب المصري جيدا و ضغط على أوتار مشاعر المصريين العاطفية، حيث الرجل الذي شاخ و الذي يريد أن يموت في وطنه وانه سيترك الحكم بعد ٦ أشهر ووو.. استمالات عاطفية كثيرة جدا أثرت في عامة المتظاهرين و بدا الميدان يخلوا رويدا رويدا ما بعد الحادية عشر وبدأنا نحس برودة الجو.

جاء إلينا زملاء من ماسبيرو مذيع شهير.. مخرجين شباب مخرجين كبار طالبين منا العودة إلى المنازل فالرجل سيرحل بعد ٦ أشهر وهذا انجاز كبير.. عايزين ايه بقى؟ ( بعد ٤ فبراير انضم هؤلاء وغيرهم كثيرون الي الميدان وتصدروا الصوره كثوار) لكننا كنا ضد ما يقوله مبارك و ما يقوله نظامه.

ندرك ان الهدف سيتحقق وان ما يحدث حالة من التخدير وكما أننا لانثق في هذا النظام وتلك عادته في تبريد الطلبات قليلا،ثم سيتم القبض على معظم الناس الذين كانوا في الميادين أو من يقودوا الميادين، وبعدها سيكون الإعلام جاهزا بكل انواع التشوية، ثم حادث إرهابي و مجموعة من الالهاءات التي يجيدها النظام ومجموعه من المكافأت لبعض الشخصيات وينتهي كل شئ.

الحقيقة أن وجودنا في الميدان حتى الانتصار و إسقاط نظام مبارك لم يعد مطلبا شعبيا بل أصبح انقاذا لنا ثلاثتنا فقد كانت عودتنا تعني أن رقابنا ستعلق على بوابات ماسبيرو فنحن الذين يقودون الثوره في عرف كل قيادات ماسبيرو بدء من أنس الفقي ونهاية لأصغر مخبر من مخبريه سواء قيادات أخرى او مخرجين او مذيعين والجميع على استعداد النفاق و التملق.

هذا شبيه بما حدث في مارس ٢٠٠٩ فقد حملنا كل ماحدث رغم أننا دائما وابدا وكما ترون لا نبرح مكان الجماهير أبدا ولكنها كانت أن يسقط النظام اما رقاب ثلاثتنا على بوابات ماسبيرو لا مفر اذن من أن نستكمل المسيرة تحقيقا لحلم العمر وانقاذا لرقابنا، لكن الحق يقال لقد خلا على الأقل 60٪ ممن كانوا في الميدان حتى أن الذين جاءوا ليطلبوا منا العودة للمنزل كانوا يجدونا بسهولة.. وكان رفضنا قاطعا.

 لقد انتهت كل السبل مع الوضع القائم ونحن مستمرون حتى النهاية، انتهت أصعب ليلة في حياة ثورة 25 يناير، لكن يبدو أن هناك من كان أكثر قدره على التخطيط قائما لاينام هناك في المتحف المصري،فكان اليوم الأخطر في تاريخ يناير، موقعة الجمل، صبيحة خطاب مبارك لتتغير المعادلة مره اخري ويعود الميدان أضعاف مما كان.
ولهذا قصة أخرى فالميدان قبل موقعة الجمل حاجة وبعده حاجة تانية خالص، فقد أيقن الجميع بسقوط مبارك وجمال وشلته وأن هناك قادم أخر، فجاء الجميع يقدمون فروض الولاء َالطاعة على رائ المثل قدم السبت تلاقي الحد، أما من قدموا السبت للقادم فهم كثيرين وهؤلاء مأساة مصر حتى الآن

شارك المقال: