كيف يفكر الرئيس؟ (3)
قبل أن يحدثنا "خدم الملكية والاستعمار" عن إنجازات "الخديوى إسماعيل" سأمر عليها باختصار دون ابتسار.. فهو أضاف إلى شبكة الرى نحو ألف كيلو من الترع والمصارف, وسمح ذلك بزيادة الرقعة الزراعية بنحو 750 ألف فدان

الكاتب الصحفي الكبير نصر القفاص
الخديوى إسماعيل
سلسلة بقلم: نصر القفاص
كانت “الكارثة” أن حاكم مصر – سعيد باشا – قد ابتلع الطعم, وأسقط مصر فى “مصيدة الديون” فقط.. ثم جاء “الخديوى إسماعيل” ليذهب بالبلاد إلى “أم الكوارث” لأنه تعاطى الديون لدرجة الإدمان.. أنهت هذه المخدرات – الديون – مستقبله.. هذا لا يهم فى قليل أو كثير.. لأن المهم والخطير أنه سلم البلاد للاستعمار, لتفقد قدرا من الاستقلال قاتل لأجله جده وأبوه!!
تبقى مصر دائما أكبر من أى حاكم.. وكل حاكم!!
تحترم مصر وشعبها حكاما عرفوا قدرها.. لا تغفر أبدا لحاكم فرط فى مقدراتها.. وإذا كانت بعض صفحات التاريخ لا تنسى للخديوى “إسماعيل” إنجازاته.. فالتاريخ لا يغفر له.. يرفض أن يرحمه.. لأنه غامر بوطن وشعب انخدعوا فيه!!
قبل أن يحدثنا “خدم الملكية والاستعمار” عن إنجازات “الخديوى إسماعيل” سأمر عليها باختصار دون ابتسار.. فهو أضاف إلى شبكة الرى نحو ألف كيلو من الترع والمصارف, وسمح ذلك بزيادة الرقعة الزراعية بنحو 750 ألف فدان.. أضاف أكثر من ألف كيلو متر فى السكك الحديدية.
قام بتشييد 340 جسر – كوبرى – أصلح ميناء الإسكندرية بعد توسعته.. أنشأ أكثر من أربعة آلاف مدرسة جديدة.. وفى مجال الصناعة قام بتطوير مصانع السكر.. وجدد عدد من مصانع النسيج, وأضاف مصنعا للطرابيش!! دون أن نغفل أن عصره تميز ببناء القصور الشامخة.. شهد افتتاح دار الأوبرا.. كما شهد تجميل القاهرة!!
يحرص “عيال أمريكا” على تمجيد “الخديوى إسماعيل” وأمثاله من ملوك هذا الزمان!!
يخفى الذين يمارسون مهنة “تزوير وتشويه التاريخ” أنه متهم بقتل شقيقه لكى يتمكن من العرش.. يقومون بالتعتيم على شذوذه فى معاملة عشيقاته.. لا يذكرون فرماناته بصرف عشرة آلاف جنيه كراتب لثلاثة من زوجاته.. مع إكرام آخر زوجاته بعشرين ألف جنيه.. وهى حقيقة تحفظها ذاكرة “الوقائع المصرية” لمن شاء أن يراجع ويعرف.. ويحاولون التعتيم على اتهام صحف أوروبا له بأنه كان “نصابا” بعد أن مهد طريق استيلائهم على البلاد!!

خدع “الخديوى إسماعيل” كبار الوطن ورجاله!
خدع شباب الأمة وكان يمثلهم الشيخ “محمد عبده” و”سعد زغلول” و”عبد الله النديم”.. كما خدع قادتها وبينهم “محمود سامى البارودى” و”أحمد عرابى” كما خدع الشعب.. بل خدع سلطان الدولة العثمانية, بما قدمه له من رشاوى ليفوز بلقب “خديوى” ويجعل الحكم لأكبر أبنائه, بعد أن كان لأكبر أبناء أعضاء أسرة جده – محمد على – واعتقد أنه خدع حكام أوروبا عندما وصفوه بأنه “الحاكم العظيم” و”المستنير”.. ثم اكتشف خداعهم له بعد عزله, حين قالوا عنه: “جاهل” و”مغرور” و”كداب” و”نصاب”!!
بدأ “الخديوى إسماعيل” سنوات حكمه باقتراض 5,7 مليون جنيه فى أول عام تربع خلاله على عرش مصر.. ثم أضاف قرضا آخر قيمته 2,4 مليون جنيه.. تورط فى خلاف مع شركة “قناة السويس” ووافق على تحكيم “نابليون الثالث” ظنا منه أنه سينصفه باعتباره صديقه.. حكم – صديقه – عليه بتعويض قدره أربعة ملايين من الجنيهات.. تضخمت الديون.. بلغت 91 مليون جنيه.. وافق على قبول إنشاء صندوق الدين, لتصبح إيرادات مصر تحت إشرافه.. رهن قرارها وباع سيادتها!!
حاول تعليق فشله فى رقبة وزير ماليته!
ذهب إلى تدبير جريمة قتل “إسماعيل المفتش” وهو شقيقه فى الرضاعة – ووزير المالية – خشية أن يكشف جرائمه التى شاركه فى ارتكابها.. يمكنك أن تقرأ التفاصيل فيما كتبه “الرافعى” وروايته لا تختلف كثيرا عن رواية “ويلفرد بلنت” فى كتابه الشهير “التاريخ السرى للاحتلال الانجليزى لمصر”.. وهو بالمناسبة انجليزى عاش مدافعا عن “أحمد عرابى” حتى آخر لحظة فى حياته!!
سلم “الخديوى إسماعيل” مصر لابنه “الخائن” توفيق, ولآل “روتشيلد” الذين أدخلوه “مصيدة الديون” ومهدوا الطريق للاستعمار الانجليزى.. فكانت “التنمية المستدانة” التى يتم تجميلها بوصف “التنمية المستدامة” فى زمن “الاستعمار بالدولار” الذى أخذنا إليه “أنور السادات” والذين حكموا بعده!!
مصر كانت قادرة على قهر أعدائها دائما!!
مصر خدعها كثيرون من الذين حكموها!!
بقيت مصر قادرة على النهوض والتحدى، وإذا كانت قد شهدت تطاول أقزام كثر عليها وعلى شعبها وتاريخها.. فهى لم تشهد سفالة وانحطاط قدر ما تشهده فى أزمتها العاصفة.. القاسية.. شديدة المرارة الأخيرة.. ربما لأن الذين يتطاولون عليها أمثال “تركى الحمد” و”خالد الدخيل” وغيرهما من الذين يتكاثرون هذه الأيام.. يحركهم الخوف من “الساطور” و”المنشار” فبلغت جرأتهم – وقاحتهم – وصف “جيش مصر” بأنه “عسكر” وأنه سبب الكوارث!

مؤلم على النفس أن تصمت أمام باطل يرتدى ثوب الحق!
يؤلم الضمير أن نكتفى بالبكاء, قبل أن يتكرر مشهد دفعت مصر ثمنه فادحا.. حدث ذلك لحظة تشويه “أحمد عرابى” ورفاقه, حتى كان “حل الجيش المصرى” بمجرد أن تمكنت بريطانيا من احتلال مصر لأكثر من سبعين عاما.. لم ينقذ الوطن ويحرره غير “جيش مصر” بقيادة وزعامة “جمال عبد الناصر”.. الذى تحدى الدنيا برايات “العزة والكرامة” دون أن تسقط مصر عندما وقعت “الهزيمة”.. لأن “الجيش” نفسه استعاد “العزة والكرامة” بانتصارات أكتوبر 1973.. ثم بعدها كان تمكين “الذين هبروا” وإزاحة “الذين عبروا”.. والرهان على “البترودولار” لنصل إلى ذروة المأساة!!

لا يجب أن ننكر الحقيقة التى نراها بأعيننا.. نقرأها.. نسمعها!!
لا يجب أن نغفر لأنفسنا تفريطنا فيما قاتل لأجله “محمد على” وابنه “إبراهيم” ثم تفريطنا فيما ضحى لأجله “جمال عبد الناصر”.. وهم قادة يمثلون صداعا لكل “عيال أمريكا”.. وأهدافا لكل “خدم الملكية والاستعمار” الذين يتقدمهم “غلمان” يحركهم “مغامر” و”جاهل” يعانى من مرض “فائض الثروة” وله أن يستمتع بمرضه!!
صفحات التاريخ مهمة لمن يقرأها ويفهمها.. لكن الأهم أن نهدأ لكى نرى مستقبل تستحقه مصر.. البداية ستكون بأن نتخلص من أمراضنا.. رغم سعادتى باللحظة التى نطق فيها أمثال “تركى الحمد” و”خالد الدخيل”.. حتى نطلعهم على ما يعلمون أو لا يعلمون من أحداث وتاريخ.. يتبع!!





