ملف تحليلي: ليبيا بين الدولة والفراغ (10)
لقد لعبت الجغرافيا دورًا مؤثرًا، نعم، لكنها لم تكن قدرًا محتومًا. كان يمكن أن تكون عامل توازن لو وُجد دستور راسخ يوزع الصلاحيات بوضوح

جيل بلا دولة… والجغرافيا التي أعادت كتابة الانقسام
بقلم د. محمد فؤاد
لم يكبر الجيل الليبي الجديد في ظل دولةٍ تتشكل، بل في ظل خرائط تتشقق، وحدود داخلية تُرسم بصمتٍ ثم تُمحى ثم تُرسم من جديد. لقد وُلد هذا الجيل أو تفتّح وعيه على وقع اشتباكات لا يعرف بدايتها، وعلى نشرات أخبار لا تتحدث عن مشروع وطني بقدر ما تتحدث عن خطوط تماس، ومحاور تقدم، وتوازنات قوى. لم يعرف هذا الجيل ليبيا بوصفها وحدة سياسية مستقرة، بل بوصفها مساحات نفوذ تتغير أسماؤها بحسب المتحدث، وبحسب القناة التي تبث الخبر، وبحسب العاصمة التي تدعم هذا الطرف أو ذاك. ولهذا، حين نسأل اليوم: هل لعبت الجغرافيا دورًا في الانقسام؟ فإن السؤال لا يتعلق بالخرائط فقط، بل يتعلق بكيف تحولت الجغرافيا نفسها من إطارٍ للدولة إلى فاعلٍ في تشكيلها، بل وفي تفكيكها.
ليبيا، في ظاهرها، بلدٌ واسع قليل السكان، صحراء تمتد بلا انقطاع، وساحل طويل يفتح على المتوسط، وثلاثة أقاليم تاريخية — برقة وطرابلس وفزان — كانت دائمًا حاضرة في الذاكرة السياسية حتى حين حاولت الدولة المركزية طمسها لصالح خطاب الوحدة الصارمة. في زمن الدولة القوية، كانت هذه الأقاليم مجرد خلفية ثقافية، لا خطوط صراع. كان المركز في طرابلس يمسك بالخيوط، وكانت بنغازي شريكًا في الرمز، وكانت سرت نقطة توازن في قلب البلاد، فيما بقي الجنوب بعيدًا في الجغرافيا وقريبًا في الحسابات النفطية. لكن حين سقط السقف في 2011، لم تسقط معه البنية السياسية فقط، بل عادت الجغرافيا إلى السطح، لا كخريطة، بل كهوية، وكذاكرة، وكإحساس بالمسافة عن المركز.
لم يكن الانقسام بين شرقٍ وغرب وليد قرار سياسي فجائي، بل كان امتدادًا لطبقات تراكمت عبر عقود. فالمسافة بين بنغازي وطرابلس ليست مجرد كيلومترات؛ إنها تاريخ من الشعور بالتهميش أحيانًا، وبالاستحواذ أحيانًا أخرى. وحين ضعفت الدولة المركزية، لم يجد الليبيون إطارًا جامعًا يعيد إنتاج الوحدة، بل عادوا — دون إعلان — إلى أقرب نقطة صلبة يعرفونها: مدينتهم، قبيلتهم، إقليمهم. وهنا بدأت الجغرافيا تتحول من مساحة مشتركة إلى مجال اصطفاف. لم يعد السؤال: ما مصلحة ليبيا؟ بل: ما مصلحة هذه المدينة؟ ما مصلحة هذا الإقليم؟ ومع كل اشتباك، كانت الحدود غير المرئية تزداد وضوحًا، حتى بات الليبي يعرف أحيانًا أن عبور طريق معين قد يعني دخول “منطقة نفوذ” مختلفة، لها أعلامها وشعاراتها وقادتها.
غير أن الجغرافيا في ليبيا لم تكن فقط مسألة شرق وغرب، بل كانت أيضًا مسألة مركز وهوامش. الجنوب، الممتد في صحرائه الشاسعة، ظل لسنوات طويلة حاضرًا في خطاب النفط وغائبًا في خطاب التنمية. ومع تفكك الدولة، تحولت هذه المساحة الواسعة إلى منطقة هشاشة مضاعفة: تهريب، حدود مفتوحة، تداخل قبلي عابر للدول، وتنافس إقليمي صامت.
إن ضعف الكثافة السكانية في الجنوب لم يجعله أقل أهمية، بل جعله أكثر عرضة لأن يكون ساحة مفتوحة. وهكذا لعبت الجغرافيا دورًا مركبًا: فالمسافات الطويلة بين المدن، وغياب البنية التحتية الرابطة، وسهولة عزل منطقة عن أخرى، جعلت من الانقسام أمرًا ممكنًا من الناحية العملية، لا مجرد خيار سياسي.
لكن الأخطر من ذلك أن الجغرافيا النفطية أعادت رسم ميزان القوى. فالحقول الكبرى في الشرق والجنوب، والمرافئ الحيوية على الساحل، جعلت من السيطرة على الأرض سيطرة على الموارد، وجعلت من كل تحرك عسكري تحركًا ماليًا في الوقت نفسه. لم يعد النفط موردًا وطنيًا جامعًا، بل صار ورقة تفاوض ترتبط بموقعه الجغرافي. ومن هنا يمكن القول إن الانقسام لم يكن سياسيًا فقط، بل كان جغرافيًا–اقتصاديًا في جوهره. فحين تُغلق موانئ في منطقة معينة، تتأثر ميزانية الدولة كلها، وحين تُعطل حقول في الجنوب، ترتجف السوق في الشمال. ومع ذلك، لم تُترجم هذه الحقيقة إلى وعي جماعي بأن المصير واحد، بل إلى سباق للضغط المتبادل، كأن الجغرافيا تحولت إلى أداة شدّ حبل بين أطراف متعددة.
جيل الانقسام كبر في ظل هذه الجغرافيا المتحركة. هو يعرف أن الطريق بين مدينتين قد يُغلق فجأة، وأن المطار قد يتوقف لأسباب لا علاقة لها بالطيران، وأن النفط قد يُضخ أو يُمنع بقرار يصدر من منطقة بعيدة عنه. هذا الجيل لم يرَ الدولة بوصفها شبكة طرق ومؤسسات متصلة، بل بوصفها جزرًا تتواصل حين تسمح الظروف وتنقطع حين تتغير الحسابات. ولذلك فإن وعيه السياسي تشكل على قاعدة الشك: الشك في استمرارية المؤسسات، الشك في حياد القرار، والشك في أن الجغرافيا يمكن أن تعود يومًا إلى كونها مجرد خريطة لا ساحة صراع.
ومع ذلك، لا يمكن تحميل الجغرافيا وحدها مسؤولية الانقسام، كما لا يمكن تبرئتها تمامًا. فالجغرافيا، في ذاتها، محايدة؛ لكنها تصبح فاعلًا حين تفشل السياسة في إدارتها. الدول الحديثة تُحوّل المسافات إلى جسور، والأقاليم إلى تنوع داخل وحدة، والموارد إلى رابط مشترك. أما حين تضعف الدولة، فإن الجغرافيا تستعيد بدائيتها الأولى: تتحول الصحراء إلى حاجز، والمدينة إلى حصن، والميناء إلى بوابة مغلقة. في ليبيا، لم تُنتج المسافات انقسامًا بحد ذاتها، لكن غياب مشروع وطني جامع جعل من هذه المسافات أرضًا خصبة للتمايز، ثم للخصومة.
لقد لعبت الجغرافيا دورًا مؤثرًا، نعم، لكنها لم تكن قدرًا محتومًا. كان يمكن أن تكون عامل توازن لو وُجد دستور راسخ يوزع الصلاحيات بوضوح، ولو وُجد جيش موحد يذيب الفوارق المكانية في هوية وطنية واحدة، ولو وُجد نظام مالي شفاف يجعل عائدات النفط حقًا مشتركًا لا ورقة ضغط. لكن حين غابت هذه الأطر، تحولت الجغرافيا إلى مرآة للانقسام، بل إلى محرك له أحيانًا.
واليوم، بعد أكثر من عقد على الانفجار الأول، يبدو أن أخطر ما أنتجته هذه العلاقة المعقدة بين الجغرافيا والسياسة هو شعورٌ صامت بأن الوحدة ليست أمرًا بديهيًا، بل خيارًا يحتاج إلى جهد. وهذا في حد ذاته تحول عميق في الوعي الوطني. فالدولة التي كانت تُفترض وحدتها كأمر طبيعي، أصبحت وحدتها موضوع تفاوض. وهنا تكمن المعضلة الكبرى: كيف يمكن إعادة صياغة عقد اجتماعي في بلدٍ أصبحت فيه الجغرافيا طرفًا في المعادلة، لا خلفية لها؟
إن الإجابة لا تكمن في تجاهل الفوارق الإقليمية، ولا في إنكار الذاكرة المحلية، بل في بناء صيغة دستورية وسياسية تعترف بالتنوع دون أن تسمح له بأن يتحول إلى انقسام. فالجغرافيا، في نهاية المطاف، ليست لعنة ولا نعمة؛ إنها مادة خام. السياسة وحدها هي التي تقرر ما إذا كانت هذه المادة ستتحول إلى وطنٍ متماسك، أم إلى مساحات نفوذ متجاورة.
هل يمكن إعادة بناء الدولة إذا استمر كل طرف في التمسك بجزء من الأرض وكأنه كيان مكتفٍ بذاته؟
السؤال لم يعد: هل لعبت الجغرافيا دورًا؟
السؤال الآن: هل نملك الإرادة لإخراجها من ساحة الصراع، ؟ وإعادتها إلى مكانها الطبيعي…خريطة لوطنٍ واحد، لا خطوط تماس لكيانات متجاورة؟
وإذا لم نفعل، فهل سنظل نكتب عن الانقسام، أم سنستيقظ يومًا لنجد أننا لم نعد نتحدث عن دولة أصلًا؟
رابط المقال المختصر:





