مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

حكومات التكنوقراط

فالتكنوقراطي ، كما يُراد له أن يكون، هو كائنٌ مُسطّح، يعيش في بعدٍ واحد: البعد الذي يمرّ من مكتب المسئولية إلى توقيع القرار،

مشاركة:
حجم الخط:

لعبارة “حكومة تكنوقراط” موسيقى رتيبة هادئة، تُشبه صوت جهاز تكييف يعمل في غرفة مغلقة، فلا ضجيج،و لا انفعال، ولا سياسة، فقط برودة محسوبة ومبرمجة.

الكلمة الأنيقة

والتكنوقراط كلمة أنيقة، مرتّبة، ماسخة مائعة، ومع ذلك فكثيرًا ما تُستعمل حين تفوح رائحة الحرائق،
وإذا تكرر صدى عبارة “حكومة تكنوقراط”، لا تسأل عن البرنامج، اسأل عن الفاتورة. تحسّس جيبك و حدود وطنك، و ما تبقّى من مقدساتك وتراثك، فالكلمة التي تبدو محايدة كجداول الضرب، غالبًا ما تُخفي وراءها آلات قضم جاهزة للتقطيع في اللحم الحيّ، ببلاهة إجرامية ،

وإذا ما روجت سلطةٌ أجنبية لاستخدام التكنوقراط في قطعة من بلادنا، فاعلم أن الأمر هنا يعني بيع نهائى بلا رجعة

فالتكنو قراط في القاموس الدولي هو الاسم الحركي لتسليم المفاتيح لمن يدفعون 

أما إذا استيقظ حاكمٌ محلى على شغفٍ مفاجئ بالكفاءات “المستقلة”، وراح ينتقي وجوهًا بلا تاريخ ولا ظلّ، ويعلّق على صدورهم شارة “خبراء”، فاطمئن: فالبلاد باتت في أيدٍ أمينة، لكن أمينة على مشاكله هو، لا على مشاكل شعبه، فالتكنوقراطي المثالي، في نظر السلطة، هو ذلك الكائن الذي لا يزعجه سؤال عام ، ولا يقلقه ماوراء التوجيهات ، ولا يربكه أو تؤثر فيه أنات ضمير، غير موجود.

فالتكنوقراطي ، كما يُراد له أن يكون، هو كائنٌ مُسطّح، يعيش في بعدٍ واحد: البعد الذي يمرّ من مكتب المسئولية إلى توقيع القرار.
فإن كان التكنوقراطى مهندسًا، فلن يرى في الخطوط سوى مستقيمٍ ومنحنى،ولن يخطر بباله أن الخط قد يكون حدًّا يُرسم لصالح عدو، أو سلكًا يُمدّ لسرقة بقايا وطن. وإن خطر الأمر بباله، فسيتذكّر أنه “منفّذ فقط”، وأن القيم والمبادئ بندٌا خارج نطاق اختصاصه.
فهو لا يتدخل في السياسة، لأنها “ليست مجاله”. ولا يفهم في الأدب، لأنه “علمٌ غير دقيق”. ولا يعنيه الفن، لأنه “لا يُقاس”. ولا تستهويه الفلسفة، لأنها “سؤال بلا معادلة”. وحتى تخصصه الذي يحمله كدرعٍ صدئ، لا يستخدمه إلا بقدر ما يخدم سيد القوم.

الاوطان مشاريع خاصة 
وهكذا تتحول الأوطان إلى مشاريع خاصة، والحدود إلى خطوط إنتاج طبقية، والقرارات إلى جداول زمنية للقهر ، والشعوب إلى أرقام مجهلةفي خانة “التكلفة الاجتماعية”.

المؤسف انه حين يكتمل التدمير ، يخرج التكنوقراطي من الباب الخلفي، حاملاً سيرته الذاتية نظيفة كضميره الوظيفي، تاركًا الوطن في قسم الحالات الحرجة،
فإذا قيل لك: “لا تقلق، سيحكمنا خبراء”، فابتسم في مرارة، وتوقع كل شيئ مؤسف ،فالخبرة بلا رؤية، والعلم بلا موقف، والتخصص بلا انحياز للناس، ليست سوى مهارةٍ عالية في إدارة الخراب بأناقة.

شارك المقال: