علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
مازن كريم

تقرير: هل تقترب واشنطن من الخيار النووي؟

الرئيس الأمريكي قد يتجه إلى مزيد من التصعيد لإظهار أن نتائج الانتخابات لن تحد من قدرة واشنطن على فرض شروطها

مشاركة:
حجم الخط:

أعادت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية طرح تساؤلات بشأن مستقبل السياسة الخارجية لواشنطن، في ظل خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وتصاعد تداعيات الحرب على إيران، بالتزامن مع تنامي الانتقادات الداخلية للدعم الأمريكي لـ”إسرائيل” على خلفية حرب الإبادة في قطاع غزة.

وبينما تتجه الأنظار إلى انعكاسات التحولات الانتخابية على حسابات الرئيس دونالد ترامب، تبرز مخاوف من اتساع خيارات التصعيد العسكري، وصولاً إلى إعادة طرح احتمالات استخدام السلاح النووي، وما قد يحمله ذلك من تداعيات على أمن المنطقة والتوازنات الدولية.

وفي هذا الإطار، رأى الخبير والإعلامي المصري، د. محمد فؤاد: أن خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، بالتزامن مع تعثّر الحرب على إيران، تضع الرئيس دونالد ترامب أمام ضغوط سياسية وعسكرية متزايدة، قد تدفعه إلى تصعيد خيارات المواجهة، محذراً من أن يتحول السلاح النووي إلى أداة للضغط أو استعراض القوة في ظل تعقّد الحسابات الأمريكية.

وقال د. فؤاد، إن نتائج الانتخابات الأمريكية تمثّل تحوّلاً سياسياً مهماً في المشهد الداخلي، ولا سيما في ظل ارتباط خسائر الجمهوريين بالاستياء من الحرب على إيران وارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي يضع إدارة ترامب أمام مرحلة أكثر صعوبة في التعامل مع الكونغرس.

وأوضح أن الرئيس الأمريكي يواجه معادلة معقدة، تتمثل في ضغوط سياسية داخلية متزايدة، وحرب لم تحقق حتى الآن حلّاً نهائياً للمواجهة مع طهران، مشيراً إلى أن التصعيد العسكري قد يتحوّل إلى أحد الخيارات المطروحة لاستعادة المبادرة السياسية، لكنه يحمل مخاطر كبيرة، خصوصاً إذا تجاوز حدود المواجهة التقليدية.

وفي ما يتعلق باحتمالات استخدام السلاح النووي، أشار فؤاد إلى أن النقاش الأمريكي حول تطوير خيارات نووية محدودة لا يعني بالضرورة وجود قرار باستخدامها ضد إيران، موضحاً أن هناك توجّهاً داخل بعض الدوائر العسكرية الأمريكية لدراسة خيارات نووية أقل من مستوى الحرب الاستراتيجية الشاملة، بما يسمح نظرياً بإدارة التصعيد.

واستدرك أن هذا التصوّر ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ لا يمكن ضمان أن تتعامل إيران مع أي ضربة نووية باعتبارها عملية عسكرية محدودة، بل قد تنظر إليها باعتبارها تهديداً وجوديّاً، بما يفتح الباب أمام ردود فعل يصعب احتواء تداعياتها.

ولفت إلى أن الرئيس ترامب استبعد علناً استخدام السلاح النووي ضد إيران، لكن ذلك لا يلغي أهمية متابعة النقاشات العسكرية الأمريكية المتعلقة بتطوير الخيارات النووية، والتمييز بين إعداد الخطط العسكرية واتخاذ قرار فعلي بتنفيذها.

المنشآت الإيرانية والتحصينات الجغرافية

وفي السياق العسكري، أوضح فؤاد أن امتلاك إيران منشآت نووية وعسكرية محصّنة في أعماق الجبال يفرض تحديات كبيرة أمام أي عملية عسكرية أمريكية تستهدف تدميرها، حتى مع امتلاك واشنطن أسلحة ذات قدرات تدميرية هائلة.

وبيّن أن استخدام السلاح النووي لا يضمن بالضرورة تدمير جميع المنشآت أو القضاء على القدرات التقنية الإيرانية، إذ تتوقف النتائج على طبيعة التحصينات وعمق المنشآت والتركيب الجيولوجي للصخور، فضلاً عن احتمالات بقاء أجزاء من المنشآت أو مخزوناتها.

وأضاف أن أي استخدام نووي سيخلّف تداعيات إشعاعية وبيئية وإنسانية واسعة، ما يجعل الكلفة المحتملة للعملية أكبر بكثير من مجرد تحقيق هدف عسكري مباشر.

رد إيراني وتداعيات إقليمية مفتوحة

وحذّر فؤاد من أنّ تعرّض إيران لضربة نووية قد يدفعها إلى التعامل مع المواجهة باعتبارها تهديداً لبقاء الدولة، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام ردود عسكرية واسعة تستهدف “إسرائيل” والقواعد الأمريكية والمصالح العسكرية والاقتصادية في المنطقة.

وأشار إلى أن الرد الإيراني المحتمل قد يشمل استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، فضلاً عن اتساع نطاق المواجهة عبر القوى الحليفة لطهران في المنطقة.

وشدد على أن تراجع القدرات العسكرية الإيرانية، بفعل العمليات التي تعرضت لها، لا يعني بالضرورة فقدانها القدرة على الرد، لافتاً إلى أن الخطر الأساسي يكمن في تحول أي ضربة نووية إلى بداية مواجهة إقليمية مفتوحة يصعب على واشنطن وحلفائها السيطرة على مساراتها.

تهديد للنظام الدولي وسباق تسلح نووي

وعلى المستوى الدولي، رأى فؤاد أن استخدام الولايات المتحدة السلاح النووي ضد إيران قد يشكل ضربة خطيرة لنظام منع الانتشار النووي، ويدفع دولاً أخرى إلى إعادة النظر في حساباتها الأمنية والاستراتيجية.

وأوضح أن توجيه ضربة نووية لدولة لا تمتلك ترسانة نووية معلنة قد يعزز القناعة لدى بعض الدول بأن الاتفاقيات الدولية والتحالفات العسكرية لا توفر الحماية الكافية، وأن امتلاك قدرة ردع نووية مستقلة قد يصبح ضرورة لحماية أمنها.

وأضاف أن مثل هذا السيناريو قد يشجع على سباق تسلح نووي في المنطقة، ويمنح إيران، في حال احتفاظها بقدراتها التقنية، مبررات إضافية للمضي نحو امتلاك وسيلة ردع نووية.

من يملك قرار الضغط على الزر النووي؟

وفي ما يتعلق بآلية اتخاذ القرار داخل الولايات المتحدة، أشار فؤاد إلى أن الرئيس الأمريكي يمتلك صلاحية إصدار أمر استخدام السلاح النووي دون اشتراط الحصول على موافقة مسبقة من الكونغرس، ما يجعل هذه الصلاحية من أكثر الملفات حساسيّة في النظام السياسي الأمريكي.

وأوضح أن المؤسسة العسكرية ليست صاحبة قرار سياسي مستقل في هذا الشأن، لكنها ملزمة بالتحقق من قانونية الأوامر العسكرية، وفق القواعد القانونية المنظمة لاستخدام القوة المسلحة.

وأضاف أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ ستمنحهم أدوات رقابية وتشريعية واسعة، تشمل التحقيق في سياسات الإدارة ومراجعة التمويل العسكري، لكنها لا تعني امتلاكهم آلية تلقائية لتعطيل قرار نووي يصدر عن الرئيس.

النووي الأمريكي.. أداة ردع أم مغامرة؟

وختم فؤاد بالقول إن ما يمنع واشنطن من استخدام سلاحها النووي ليس نقص القدرة العسكرية، وإنما إدراكها لحجم التداعيات التي قد تترتب على هذه الخطوة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، مشيراً إلى أن الضربة النووية لا تضمن استسلام إيران، ولا تمنع ردودها العسكرية، كما قد تقوض شرعية الولايات المتحدة وتضع علاقاتها مع حلفائها أمام اختبار صعب.

واعتبر أن القوة الحقيقية للسلاح النووي قد تكمن في التهديد باستخدامه أكثر من اللجوء إليه فعلياً، محذراً من أن تتحول الضغوط السياسية التي يواجهها ترامب إلى عامل يدفع نحو قرارات عسكرية محفوفة بالمخاطر.

وأشار إلى أن أي استخدام نووي قد يؤدي إلى إشعال المنطقة، وفتح سباق تسلّح جديد، وتقوِيض منظومة الأمن الدولي، دون ضمان تحقيق الأهداف الأمريكية المعلنة في مواجهة إيران.

غزة وتغيير المشهد الانتخابي الأمريكي

من جهته، رأى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، فراس ياغي، أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أحدثت تحولات مهمة في الرأي العام الأمريكي، وامتدت تداعياتها إلى الخطاب الانتخابي ومواقف المرشحين، مشيراً إلى أن القضية الفلسطينية باتت حاضرة بصورة أكبر في النقاشات السياسية داخل الولايات المتحدة.

وقال ياغي:  إن ما جرى في غزة والضفة الغربية، وما رافقه من قتل للمدنيين والأطفال ودمار واسع واتهامات بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي، ترك أثراً متراكماً في نظرة قطاعات من المجتمع الأمريكي إلى “إسرائيل”، وانعكس على الحملات الانتخابية ومواقف المرشحين من الدعم الأمريكي لها.

وأوضح أن هذا التحوّل ظهر في تزايد الانتقادات الموجهة إلى اللوبي الإسرائيلي، ولا سيما لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك”، لافتاً إلى أن بعض المرشحين الذين تبنوا مواقف أكثر انتقاداً لـ”إسرائيل” واللوبي الداعم لها حققوا نتائج انتخابية لافتة.

وأضاف أن صعود أصوات من التيارات الديمقراطية التقدمية والشعبية داخل الكونغرس، تتبنى مواقف أكثر وضوحاً في انتقاد السياسات الإسرائيلية والمطالبة بمحاسبة الاحتلال، يعكس اتساع مساحة النقاش حول القضية الفلسطينية داخل المؤسسات السياسية الأمريكية.

وأشار إلى أن هذا المسار قد يفتح المجال أمام حضور أكبر للمواقف الداعمة للحقوق الفلسطينية، ومساءلة السياسات الإسرائيلية، بعد سنوات من هيمنة خطاب الدعم غير المشروط لـ”إسرائيل” على قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية الأمريكية.

الكونغرس والدعم الأمريكي لـ”إسرائيل”

وفي قراءته لتأثير نتائج الانتخابات على العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، قال ياغي إن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ تمنحهم أدوات رقابية وتشريعية مهمة، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث تحول جذري وفوري في السياسة الأمريكية تجاه “إسرائيل”.

وأوضح أن الكونغرس يستطيع ممارسة الرقابة على السياسة الخارجية، ومساءلة الإدارة بشأن الدعم العسكري، ومراجعة صفقات السلاح وشروط التمويل، فضلاً عن التأثير في الميزانيات المخصصة للمساعدات، إلا أن إدارة السياسة الخارجية تبقى من صلاحيات السلطة التنفيذية والرئيس الأمريكي.

وتساءل عن مدى استعداد الأغلبية الديمقراطية الجديدة لاستخدام صلاحياتها إلى أقصى حد في مواجهة سياسات ترامب، مشيراً إلى أن طبيعة المواقف داخل الحزب الديمقراطي ليست موحدة، وأن عدداً من أعضائه لا يزال يؤيد استمرار الدعم الدفاعي لـ”إسرائيل”، حتى مع انتقاد بعض عملياتها العسكرية.

ولفت إلى أن نتائج الانتخابات قد تفرض قيوداً أكبر على قرارات البيت الأبيض، وتزيد من صعوبة تمرير بعض السياسات والاتفاقيات والتمويلات العسكرية، لكنها لا تمنع الرئيس بالضرورة من مواصلة الدعم السياسي والعسكري لـ”إسرائيل”.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن الاتفاقية الأمريكية الإسرائيلية الموقعة عام 2016، والتي تغطي الفترة بين 2019 و2028، تنص على تقديم 3.3 مليارات دولار سنوياً من التمويل العسكري، إضافة إلى 500 مليون دولار لبرامج التعاون في مجال الدفاع الصاروخي، ما يعني أن أي تغيير جوهري في منظومة المساعدات يحتاج إلى معالجة سياسية وتشريعية أوسع.

وأضاف أن الإدارة الأمريكية تمتلك كذلك آليات لتقديم مساعدات عسكرية طارئة، ما يجعل تأثير الكونغرس مرتبطاً بمدى قدرته على ممارسة الرقابة والضغط على السلطة التنفيذية، وليس بمجرد تغيير الأغلبية البرلمانية.

إسرائيل في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية

وفي ما يتعلق بمستقبل السياسة الأمريكية في المنطقة، اعتبر ياغي أن الرهان على حدوث تحول جذري في علاقة واشنطن بـ”إسرائيل” نتيجة الانتخابات وحدها لا يأخذ في الحسبان طبيعة المصالح الاستراتيجية الأمريكية.

وأوضح أن “إسرائيل” تحتل موقعاً متقدّماً في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتُعد بالنسبة إلى واشنطن قاعدة استراتيجية متقدمة في المنطقة، لافتاً إلى أن التطورات الأمنية والعسكرية الإقليمية عززت، بحسب تقديره، أهمية هذا الدور بالنسبة للولايات المتحدة.

وأشار إلى أن التغيير داخل الكونغرس قد ينعكس على أدوات السياسة الأمريكية وشروط الدعم العسكري، لكنه لا يعني بالضرورة تغيير الأهداف الاستراتيجية التي تتبناها الإدارة الأمريكية تجاه المنطقة.

وأضاف أن مراجعة صفقات السلاح والمساعدات العسكرية تبقى مرتبطة بتركيبة الكونغرس ومواقف الأعضاء المنتخبين، إذ لا يشكل فوز الديمقراطيين وحده ضمانة لوقف الدعم، في ظل وجود تيارات داخل الحزب تؤيد استمرار المساعدات الدفاعية لـ”إسرائيل”

التصعيد مع إيران والخيارات الأمريكية

وفي ربطه بين نتائج الانتخابات ومستقبل المواجهة مع إيران، قال ياغي إن خسارة الجمهوريين قد تدفع ترامب إلى إعادة النظر في أدواته وخطابه السياسي، لكنها لا تعني بالضرورة تخليه عن أهدافه الاستراتيجية، مشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي قد يتجه إلى مزيد من التصعيد لإظهار أن نتائج الانتخابات لن تحد من قدرة واشنطن على فرض شروطها.

وأضاف أن نهج ترامب في إدارة الملفات الدولية يعتمد، وفق قراءته، على توظيف أدوات القوة الاقتصادية والعسكرية، وهو ما ظهر في سياساته التجارية والضغوط التي مارسها على دول عدة، وصولاً إلى المواجهة العسكرية مع إيران.

وحذّر من أن يتحول التصعيد إلى وسيلة لمعالجة التداعيات السياسية الداخلية، بدلاً من أن يكون نتيجة حسابات عسكرية واستراتيجية مرتبطة بمصالح الولايات المتحدة.

هذا وأظهرت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 فوز الحزب الديمقراطي بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في تحول ينهي مرحلة السيطرة الجمهورية الموحدة على الكونغرس، ويضع إدارة ترامب أمام واقع سياسي جديد مع بدء عمل الكونغرس المنتخب في كانون الثاني/يناير 2027.

وتأتي هذه النتائج في ظل تداعيات الحرب الأمريكية على إيران، التي أشارت تقارير أمريكية إلى أنها كانت من العوامل المؤثرة في تراجع الجمهوريين، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي ما يتعلق بالترسانة النووية، تقدر نشرة علماء الذرة واتحاد العلماء الأمريكيين لعام 2026 امتلاك الولايات المتحدة نحو 3700 رأس نووي ضمن مخزونها العسكري، بينها نحو 1770 رأساً منشوراً، فيما تواصل واشنطن برامج تحديث منظومتها النووية ووسائل إيصالها.

وتثير احتمالات استخدام السلاح النووي مخاوف دولية متزايدة، في ظل ما يمكن أن يترتب على ذلك من خسائر بشرية وبيئية واسعة، وانعكاسات على منظومة منع الانتشار النووي والأمن والاستقرار الدوليين.

المصدر: وكالة قدس برس

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.