هل تحوّلت معاداة الإسلام إلى سلاح انتخابي في أمريكا؟
وفق تحليل لواشنطن بوست، نشر قرابة مئة عضو جمهوري بالكونجرس منشورات عن الإسلام أو المسلمين منذ بداية 2026، غالبيتها سلبية.
تحول ترامب والحزب الجمهوري إلى مهاجمة المرشحين بحجة الدين والتطرف
قبل ساعات من فتح صناديق الاقتراع الأمريكية في الثالث من نوفمبر، لم يعد الجدل الانتخابي محصورًا في التضخم والهجرة والحرب على إيران.
فقد عاد الإسلام إلى قلب الخطاب الجمهوري، لا بوصفه دين ملايين الأمريكيين، بل باعتباره، في تصريحات وإعلانات محددة، عنوانًا للخطر الأمني والثقافي.
وبينما يقول أصحاب هذا الخطاب إنهم يحاربون التطرف ويرفضون فرض قوانين دينية، يرى منتقدوه أنه يخلط بين الإسلام والإرهاب، ويحوّل هوية مواطنين أمريكيين إلى تهمة انتخابية.
فكيف انتقلت المعركة من انتقاد السياسات إلى التشكيك في أهلية المسلم للمشاركة السياسية؟
ميشيغان.. عندما تصبح العقيدة موضوع بطاقة الاقتراع
في تجمع انتخابي بولاية ميشيغان يوم 25 أكتوبر، وصف دونالد ترامب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول السيد بأنه «جهادي»، واتهمه بالارتباط بالإخوان المسلمين والسعي لفرض الشريعة، دون تقديم أدلة تثبت تلك الاتهامات. واستحضر هجمات 11 سبتمبر في سياق حشد التأييد لمنافس السيد الجمهوري مايك روجرز.
لم يناقش الرئيس البرنامج الانتخابي لخصمه فحسب؛ بل وضع انتماءه الديني داخل سردية الأمن القومي.
وسبق ذلك وصف نائب الرئيس جيه دي فانس السيد بأنه «شرير للغاية»، متهمًا إياه بالتساهل مع الإرهاب على خلفية تعليقاته بشأن اعتداء على كنيس يهودي. وكان المرشح الديمقراطي قد أدان الهجوم ثم اعتذر عن صياغة رآها آخرون غير موفقة.
تلك التفاصيل مهمة؛ فالمحاسبة على التصريحات حق مشروع، لكنها تختلف عن افتراض خطورة المرشح لمجرد ديانته.
وليست هذه اللغة بلا جذور؛ ففي 2015 دعا ترامب إلى منع دخول المسلمين، وفي رئاسته الأولى فرض قيود سفر شملت دولًا ذات أغلبية مسلمة.
والمفارقة أن الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن زار مركزًا إسلاميًا عقب هجمات سبتمبر، محذرًا من تحميل المسلمين جماعيًا مسؤولية الإرهاب.
من البيت الأبيض إلى الولايات.. اتساع دائرة الخطاب
لم تبق الرسائل في ميشيغان. ففي تكساس، تحدث الحاكم الجمهوري جريج أبوت عن مخاوف من «محاكم الشريعة» في مشروع تطوير يقوده مسلمون، وهي اتهامات نازعها القائمون عليه ومنظمات حقوقية.
وفي ألاباما، حذر السيناتور تومي توبرفيل من «عدو داخل الأسوار» قاصدًا ما سماه الإسلام الراديكالي.
ووصل الخطاب إلى عبارات أكثر مباشرة؛ إذ قال النائب الجمهوري آندي أوجلز في مارس إن المسلمين «لا ينتمون إلى المجتمع الأمريكي».
ووفق تحليل لواشنطن بوست، نشر قرابة مئة عضو جمهوري بالكونجرس منشورات عن الإسلام أو المسلمين منذ بداية 2026، غالبيتها سلبية.
ولا يصح اختزال الحزب كله في هذه المواقف، لكن تكرارها بين مستويات متعددة من قياداته يمنحها وزنًا يتجاوز التصريحات الفردية.
«فزاعة الشريعة” من الإعلان إلى التشريع الأمر لا يتعلق بالكلمات وحدها.
فقد رصد تحليل لواشنطن بوست إنفاق مرشحين جمهوريين أكثر من 14 مليون دولار على إعلانات انتخابية تذكر الشريعة، خصوصًا في تكساس وأوكلاهوما. كما طُرح ما لا يقل عن 39 مشروع قانون وقرار يتعلق بها خلال عامي 2025 و2026.
يؤكد مؤيدو تلك المبادرات أنها تستهدف حماية الدستور من فرض أحكام دينية أو مواجهة التطرف.
لكن منتقديها يشيرون إلى غياب أدلة على وجود نظام قضائي أمريكي تطبق فيه الشريعة بدل القوانين المدنية.
وهنا يكمن الفارق بين التصدي لأي انتهاك فعلي للقانون وبين تصوير الممارسة الدينية العادية باعتبارها مشروعًا للاستيلاء على الدولة.
الحساب الانتخابي.. الخوف في مواجهة الغلاء
أظهر استطلاع رويترز/إبسوس المنتهي في 26 أكتوبر تقدم الديمقراطيين بين الناخبين المرجح مشاركتهم بـ53% مقابل 44%، وانخفاض الرضا عن إدارة ترامب لتكاليف المعيشة.
في هذا المناخ، يفسر باحثون ومراقبون استدعاء الهوية الدينية باعتباره محاولة لتعبئة الناخبين حول قضايا ثقافية وأمنية بدل الاقتصاد؛ وهو تفسير سياسي لا دليل قاطعًا على أنه دافع جميع المتحدثين.
وفي ميشيغان تحديدًا، أفاد استطلاع لجامعة الولاية بأن نحو 38% قالوا إن وجود مرشح مسلم يجعلهم أقل استعدادًا للتصويت له، في حين سجل السيد 48% مقابل 45.5% لروجرز في الاستطلاع نفسه.
الأرقام تكشف وجود تحيز ديني لدى شريحة من المستطلعين، لكنها لا تحسم أثره النهائي في الصناديق.
ثمن اجتماعي ودولي.. من المواطنة إلى صورة أمريكا، يقدّر مركز بيو عدد المسلمين في الولايات المتحدة بنحو 5.5 مليون نسمة.
وأعلن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية تلقي 8683 شكوى متعلقة بالحقوق المدنية خلال 2025، وهو أعلى مستوى سنوي رصده، غير أن هذا الرقم لا يثبت وحده أن خطاب الحملة سبب كل واقعة.
وتتجاوز التداعيات الداخل: فالخلط بين المسلم والمتطرف قد يعمق شعور الاغتراب لدى مواطنين، ويعقد خطاب واشنطن عن الحريات الدينية أمام العالم الإسلامي، خصوصًا مع استمرار حرب إيران والجدل حول غزة.
كما يضع الجمهوريين أمام تناقض سياسي؛ إذ حاول ترامب في انتخابات 2024 استقطاب أصوات عربية ومسلمة قد تنفر من تعميمات اليوم.
بعد الاقتراع.. هل تحمي المؤسسات التعددية؟
الاختبار الحقيقي ليس فقط عدد المقاعد التي سيحصدها كل حزب، بل ما إذا كان الخطاب سيبقى أداة انتخابية أم يتحول إلى قوانين وممارسات تمس المساواة الدستورية.
فانتقاد جماعة متطرفة أو عقيدة سياسية مشروع، أما إسناد الشبهة إلى ملايين المواطنين بسبب دينهم فمسألة مختلفة تمامًا.
وفي بلد يقوم دستوره على حرية المعتقد، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يُحاسَب المرشح الأمريكي على ما يقول ويفعل، أم على اسمٍ يحمله ودينٍ يعتنقه؟
شاركنا برأيك