مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

رقمنة الأرشيف التليفزيوني: حين تصبح الارتجالية خطراً على ذاكرة الأمة  (2-2)

في سير العمل الفني الطبيعي، تستغرق عملية الترميم والرقمنة لساعة واحدة من المواد التالفة متوسطاً يمتد من 4 إلى 8 ساعات من العمل الفني المتواصل.

مشاركة:
حجم الخط:

 تحت وطأة الإهمال وفي صمت المستودعات المغلقة، تتآكل ذاكرة مصر السمعية والبصرية

حيث تصارع مئات الآلاف من أشرطة الفيديو ولفائف الأفلام لحظاتها الأخيرة بين التحلل الكيميائي والاندثار النهائي.

وفي الوقت الذي تشتعل فيه المبادرات تحت شعارات “الرقمنة السريعة” يأتي هذا الطرح ليدق ناقوس الخطر أمام كارثة تقنية ومالية وشيكة، لا لتنفيذ الرقمنة، بل لكيفية إدارتها!

فالرقمنة القومية للأرشيفات التاريخية الكبرى ليست مجرد “كبسة زر” لنقل محتوى قديم إلى وسيط حديث، بل هي هندسة معقدة وجراحة دقيقة في قلب التاريخ، تخضع لبروتوكولات صارمة أرستها كبرى المؤسسات وبيوت الخبرة العالمية المتخصصة في إنقاذ التراث الانساني.

ومن واقع الاحتكاك المباشر بالمبادرات الإستراتيجية والدراسات التقنية لإعادة إحياء أرشيفات المنطقة، يتضح أن تحويل ملف سيادي بحجم أرشيف التليفزيون المصري إلى مظاهرة إعلامية محكومة بالاستعجال، هو رهان خطير.

تسليمٌ لأثمن ما نملك لآليات الارتجال، ومجازفة بإهدار مليارات الدولارات من المال العام على نسخ سطحية لا تنتج سوى مواد مشوهة، وتتسبب في إتلاف الأصول الفيزيائية للأبد أثناء عملية السحب الخاطئ.

جريمة إعدام ذاكرة الأمة:كيف أُطفئت شمس القوة الناعمة بأيدينا؟ ماسبيرو (1-2)

غياب دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية

إن الخطأ الجسيم الذي يكتنف المشهد الحالي هو الشروع في تنفيذ عمليات رقمنة بهذا الحجم الإستراتيجي دون الاستناد إلى دراسات جدوى فنية واقتصادية متعمقة.

تقتضي الأصول المهنية المعتمدة عالمياً في مشاريع الأرشيف السمعي والبصري إعداد مشروع تجريبي (Pilot Project) محدد الساعات والمواد (يغطي أشرطة 2-inch Quad, 1-inch, BetaCam, VHS، وأفلام 16mm/35mm)

لتقييم حالة التدهور المادي مثل “متلازمة الخل” (Vinegar Syndrome)، وتفكك الرابط المغناطيسي (Sticky-Shed Syndrome)، وتلف الحاويات المعدنية وامتصاص الألوان.

إن القفز المباشر إلى تنفيذ التزامات ضخمة دون هذه الفحوصات الفنية الدقيقة يؤدي حتماً إلى هدر مالي وتلف غير قابل للإصلاح في الوسائط الأصلية.

فكيف يتم إقرار عمليات معالجة شاملة دون تحديد كلفة الساعة الواحدة بناءً على درجة تلفها وقيمتها التاريخية؟

التحديات والتعقيدات الفنية: الرقمنة ليست مجرد “نسخ”!

إن العملية التقنية لإعادة إحيـاء الأرشيف تتضمن خطوات معقدة تتطلب تكنولوجيا متطورة وبيئة معيارية صارمة:

-الترميم المادي والتطبير: يتطلب الشريط المغناطيسي القديم عمليات معالجة حرارية بفرن تفريغ مخصص لإعادة تماسك طبقة البوليمر، بجانب التنظيف بالموجات فوق الصوتية للأفلام الخلوية لإزالة الفطريات دون إتلاف المستحلب الصبغي.

– الالتقاط عالي الدقة: أرشفة المواد لا تتم بتنسيقات ضغط عادية، بل تتطلب السحب بصيغ غير مضغوطة وبدقات تبدأ من 4K للأفلام لضمان استخلاص كافة التفاصيل.

– التصحيح والترميم الرقمي: معالجة انحرافات الألوان ، وتصحيح انزلاق الصوت والتزامن (Audio De-humming & Restoration)، وإزالة الخدوش يدوياً وأوتوماتيكياً.

– إدارة البيانات الوصفية: إدخال البيانات الوصفية وفق معايير عالمية، والتي بدونها يصبح الأرشيف الرقمي مجرد “ركام إلكتروني” يصعب البحث فيه أو الوصول إلى محتوياته.

كيف ننفذ 40% في عامين؟!

الادعاء بإمكانية إنجاز 40% من الأرشيف الضخم لمكتبة التليفزيون (والتي تُقدر بملايين الساعات) خلال عامين فقط هو ادعاء يتنافى كلياً مع الحسابات الفنية والزمنية للرقمنة والترميم الاحترافي.

في سير العمل الفني الطبيعي، تستغرق عملية ترميم ورقمنة ساعة واحدة من المواد التالفة متوسطاً يمتد من 4 إلى 8 ساعات من العمل الفني المتواصل.

وإذا قمنا بحساب عدد الساعات الكلي وتوزيعها على بيئة عمل خاضعة لمعايير الجودة العالمية، فإن تنفيذ 40% من الأرشيف في عامين يقتضي وجود عشرات خطوط الإنتاج العملاقة ومئات المفسرين والمهندسين يعملون على مدار 24 ساعة دون توقف.

وهو ما يتجاوز الطاقة الاستيعابية لأي بيئة عمل دون التضحية بالدقة والجودة الفنية، وتحويل العملية إلى مجرد “تسجيل سريع” يهدر القيمة التاريخية للمادة.

علامة استفهام حول الكفاءات والشركات المنفذة

مشروع بهذه الضخامة والتعقيد يتطلب شفافية كاملة وبيانات واضحة حول الجهات والشركات القائمة على التنفيذ. إن التعامل مع الأشرطة التالفة والقديمة يحتاج إلى فريق متعدد التخصصات يشمل:

– مهندسي استعادة الصوت والفيديو (Restoration Engineers).

– خبراء حفظ المواد الكيميائية والأفلام.

-متخصصين في إدارة وتأمين قواعد البيانات الأرشيفية.

على المستوى الدولي والإقليمي، عندما تطرح المؤسسات الكبرى مثل هذه المشروعات، يتم إخضاع الشركات الشريكة لفحوصات ومعايير دقيقة لتقييم بنيتها التحتية وتاريخها المعتمد.

إن غياب الإفصاح عن المعايير التي تم بناءً عليها اختيار الجهات المنفذة يضع تساؤلات ملحة حول مدى قدرة هذه الكوادر على التعامل مع التعقيدات التقنية اليومية دون التسبب في فقدان نهائي للأصول الإعلامية.

العبء على الخزانة العامة وآليات التمويل البديلة:

إن تحميل التكلفة بالكامل على الخزانة العامة للدولة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة يمثل عبئاً مالياً ضخماً قد يؤدي إلى تعثر المشروع في منتصف الطريق أو اللجوء إلى حلول وسطى ضارة تقنياً. ولتفادي ذلك، يجب الاعتماد على نماذج تمويلية مبتكرة:

– الشراكة مع القطاع الخاص: منح امتيازات استغلال تجاري غير حصري للمحتوى الرقمي المُرمم مقابل تمويل خطوط الرقمنة.

– الاستثمار في الرقمنة كأصل استثماري: تحويل الأرشيف بعد رقمنته إلى منصة بث رقمية مدفوعة للاستفادة من الملايين من الجماهير في الوطن العربي والمغتربين، مما يحقق عائداً يسترد تكاليف المشروع خلال سنوات قليلة.

– المنح والتعاون الدولي: الاستفادة من برامج الشراكة مع منظمات مهتمة بالحفاظ على التراث الثقافي الإنساني لوجستياً وتقنياً.

كلمة أخيرة: خطة طريق لاستنقاذ الذاكرة الوطنية

إن الحفاظ على الإرث المرئي والمسموع هو حفظ لحضارة وذاكرة الأجيال القادمة. والمطلوب اليوم ليس التوقف، بل تصحيح المسار فوراً من خلال:

– تأسيس هيئة مراقبة وتدقيق مستقلة: تضم خبراء واستشاريين فنيين وممثلين عن الجهات السيادية للإشراف على الجودة والمتابعة المالية والتقنية.

-إعادة تقييم العقود وسير العمل: والتأكد من توافق الرقمنة مع معايير الأرشفة طويلة الأجل (التخزين بصيغ مفتوحة وغير مضغوطة وعلى وسائط LTO معتمدة).

-اعتماد المنهجية المرحلية: والبدء بمشروع تجريبي عالي الدقة لوضع القواعد الفنية الصحيحة وتقييم التكلفة الفعلية قبل الاستمرار في عملية الرقمنة الشاملة.

الذاكرة الوطنية لا تحتمل الارتجال؛ والرقمنة إما أن تتم وفق أعلى المعايير العالمية أو أننا نخاطر بتفريط تاريخي ومالي لا يمكن تداركه.

شارك المقال: