محادثات ترامب مع الذكاء الاصطناعي تفتح جبهة سياسية وقانونية جديدة في واشنطن
خلال الاجتماع، استفسر ترامب من روبوت الدردشة عن رد الفعل المحتمل للفنزويليين في حال قررت الولايات المتحدة اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو.
ترامب وإيلون ماسك
طالب مشرّعان ديمقراطيان بارزان في مجلس النواب الأميركي الرئيس دونالد ترامب بالاحتفاظ بسجلات محادثاته مع روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي، في خطوة تأتي ضمن تحقيق بشأن احتمال تأثير هذه الأنظمة، ولا سيما روبوت «غروك»، في السياسات والقرارات الرسمية للبيت الأبيض.
ويثير هذا التحرك تساؤلات بشأن حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في عملية صنع القرار السياسي والعسكري داخل الولايات المتحدة،
ومدى خضوع المحادثات التي يجريها الرئيس مع هذه الأنظمة لقوانين حفظ السجلات الرئاسية، فضلاً عن المخاطر المحتملة للاعتماد على تقنيات تجارية في قضايا تتصل بالأمن القومي والسياسة الخارجية.
وتكتسب المطالبة أهمية سياسية إضافية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة الأسبوع المقبل، إذ قد تؤدي استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب إلى توسيع نطاق الرقابة البرلمانية على إدارة ترامب خلال ما تبقى من ولايته الرئاسية.
وفي رسالة كُشف عنها الجمعة، دعا النائبان جيمي راسكين، عن ولاية ماريلاند، وروبرت غارسيا، عن ولاية كاليفورنيا، ترامب إلى الاحتفاظ بجميع الأسئلة والتعليمات التي وجهها إلى روبوتات الدردشة أثناء ممارسته مهامه الرئاسية،
بما يشمل المحادثات مع «غروك»، الذي طورته شركة «إكس إيه آي» التابعة لإيلون ماسك، و«تشات جي بي تي» من شركة «أوبن إيه آي»، و«كلود» التابع لشركة «أنثروبيك».
وطالب المشرّعان بحفظ جميع المدخلات والإجابات المرتبطة باستخدام هذه الأنظمة خلال أداء الرئيس واجباته الدستورية والقانونية والرسمية والبروتوكولية،
كما طلبا من البيت الأبيض تقديم إحاطة بشأن المسألة بحلول الساعة الخامسة مساء يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني.
ومن المتوقع أن يتولى راسكين رئاسة لجنة القضاء، وغارسيا رئاسة لجنة الرقابة في مجلس النواب، إذا تمكن الديمقراطيون من تحقيق الأغلبية في الانتخابات المقبلة، الأمر الذي قد يحول هذه المطالبة إلى ملف رقابي أوسع نطاقاً.
اجتماع غير معلن في البيت الأبيض يثير التساؤلات
تستند المطالبة الديمقراطية إلى تقرير نشرته مجلة «تايم» في وقت سابق من أكتوبر/تشرين الأول، كشف عن اجتماع غير معلن جمع ترامب ورجل الأعمال إيلون ماسك في المكتب البيضاوي خلال ديسمبر/كانون الأول 2025.
وبحسب مسؤول حضر الاجتماع، أمضى ترامب ساعات في توجيه أسئلة إلى نظام «غروك» بشأن رئاسته والإرث السياسي الذي سيتركه بعد انتهاء ولايته.
في وقت كانت فيه الإدارة الأميركية تتخذ قرارات عسكرية تتعلق بفنزويلا، من بينها إصدار أوامر بتنفيذ ضربات صاروخية ضد قوارب اتهمتها واشنطن بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة.
وخلال الاجتماع، استفسر ترامب من روبوت الدردشة عن رد الفعل المحتمل للفنزويليين في حال قررت الولايات المتحدة اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو.
ووفقاً للمسؤول، قدم النظام تقييماً مفاده أن مادورو ديكتاتور قمعي يفتقر إلى الشعبية الواسعة، وأن إطاحته قد تقابل باحتفالات من جانب قطاعات كبيرة من الشعب الفنزويلي.
وفي الشهر التالي، أصدر ترامب أمراً بتنفيذ عملية عسكرية لاعتقال مادورو، أعقبتها احتفالات في شوارع فنزويلا، وفقاً للرواية الواردة في تقرير «تايم».
وأشار مسؤولون مطلعون إلى أن التجربة عززت قناعة الرئيس الأميركي بقدرات «غروك»، الذي بات ينظر إليه باعتباره أداة ذات إمكانات استثنائية في تقديم التحليلات والإجابات المتعلقة بالقضايا السياسية.
الديمقراطيون يحذرون من تهميش الكونغرس ومخاطر الأمن القومي
اعتبر راسكين وغارسيا أن استعانة ترامب بـ«غروك» للحصول على تقييمات تتعلق باستخدام القوة العسكرية الأميركية تمثل مسألة تستدعي رقابة جدية، خصوصاً في ظل ارتباطها بقرار التدخل في فنزويلا.
وأشار النائبان إلى أن الرئيس استشار نظام الذكاء الاصطناعي بشأن ردود الفعل المحتملة لاعتقال مادورو، قبل أن يصدر، بعد أسابيع، أوامره إلى القوات الأميركية بتنفيذ العملية العسكرية، من دون الحصول على تفويض من الكونغرس.
ووصف المشرّعان هذه الواقعة بأنها «مثيرة للقلق الشديد»، معتبرين أن ترامب لجأ إلى استشارة روبوت دردشة بدلاً من الكونغرس بشأن نشر القوات العسكرية الأميركية.
في خطوة تثير إشكاليات دستورية تتعلق بصلاحيات إعلان الحرب والرقابة التشريعية على القرارات العسكرية.
وتنص الدستور الأميركي على منح الكونغرس سلطة إعلان الحرب، في حين يمتلك الرئيس صلاحياته بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ويشكل التوازن بين السلطتين أحد أبرز محاور الخلاف السياسي والقانوني في الولايات المتحدة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة العسكرية خارج الحدود.
وحذر راسكين وغارسيا من أن إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي التجارية إلى عملية صنع القرار في السياسة الخارجية قد يفتح المجال أمام أخطاء تقنية وتقديرات غير دقيقة، فضلاً عن احتمالات التلاعب بالمعلومات التي تعتمد عليها هذه الأنظمة.
كما لفتا إلى أن الاعتماد على روبوتات الدردشة في القضايا الحساسة قد يعرض الأمن القومي الأميركي لمخاطر إضافية، نتيجة إمكانية تأثر مخرجاتها بتدخلات أو تأثيرات خارجية من أطراف مجهولة لا تخضع للمساءلة أمام المؤسسات الأميركية.
في المقابل، قال مسؤول في إدارة ترامب إن البيت الأبيض يحتفظ بجميع السجلات التي يفرض القانون حفظها،
لكنه لم يقدم إجابات محددة عن طبيعة المحادثات التي أجراها الرئيس مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، أو ما إذا كانت جميعها قد أُدرجت ضمن السجلات الرسمية.
قانون السجلات الرئاسية يواجه اختبار الذكاء الاصطناعي
تستند المطالبة الديمقراطية إلى قانون السجلات الرئاسية، الذي أُقر عقب فضيحة «ووترغيت»، ويحدد القواعد المتعلقة بحفظ الوثائق والمواد المرتبطة بالمهام الرسمية للرئيس الأميركي.
ويعتبر القانون السجلات الرئاسية ملكاً للشعب الأميركي، ويلزم بحفظها بصورة منفصلة عن المواد الشخصية للرئيس، بما يضمن إمكانية الرجوع إليها ومراجعتها وفق الأطر القانونية المعمول بها.
وشهد القانون تعديلات مهمة عام 2014، عندما وسّع المشرّعون نطاق أحكامه لتشمل السجلات الإلكترونية، مؤكدين أن الالتزام بالحفظ يرتبط بمحتوى المعلومات وطبيعتها، وليس بالوسيلة أو التقنية المستخدمة في إنشائها وتخزينها.
وبناءً على ذلك، يمكن أن تندرج الأسئلة التي يوجهها الرئيس إلى روبوتات الذكاء الاصطناعي والإجابات التي يتلقاها ضمن السجلات الرئاسية، إذا كانت مرتبطة مباشرة بأداء مهامه الرسمية.
إلا أن القانون لا يتضمن نصاً صريحاً يتناول استخدام الذكاء الاصطناعي أو يحدد بصورة مباشرة كيفية التعامل مع محادثات الرئيس مع هذه الأنظمة.
وتقدم الإرشادات الصادرة عن الأرشيف الوطني الأميركي إطاراً إضافياً لفهم هذه المسألة، إذ تشير إلى إمكانية اعتبار المدخلات والمخرجات الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي سجلات رسمية،
عندما تُلتقط وتُحفظ داخل أنظمة المؤسسات الحكومية.
غير أن هذه الإرشادات تتعلق أساساً بالمؤسسات الخاضعة لقانون السجلات الفيدرالية، وليس بقانون السجلات الرئاسية، ما يترك تساؤلات بشأن مدى انطباقها على المحادثات التي يجريها الرئيس عبر منصات تجارية خارج الأنظمة الحكومية.
ويزداد التعقيد القانوني في ظل خلاف قائم بشأن دستورية قانون السجلات الرئاسية نفسه، بعدما أعلن مكتب المستشار القانوني التابع لوزارة العدل الأميركية في أبريل/نيسان أن القانون غير دستوري.
وعلى الرغم من ذلك، أبلغ البيت الأبيض إحدى المحاكم أن موظفيه يواصلون الاحتفاظ بالمواد المرتبطة بأعمالهم الرسمية،
فيما أصدر قاضٍ فيدرالي خلال مايو/أيار أمراً يلزم الإدارة بمواصلة حفظ السجلات الرئاسية في الوقت الراهن.
ويضع هذا الجدل إدارة ترامب أمام اختبار جديد يتعلق بحدود المسؤولية القانونية عن استخدام التكنولوجيا في الحكم، إذ لم تعد القضية مقتصرة على الاحتفاظ بالمراسلات والوثائق التقليدية،
بل امتدت إلى المعلومات المتبادلة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومدى تأثيرها في القرارات السيادية. كما يفتح احتمال تحول هذه المسألة إلى محور للمساءلة البرلمانية إذا استعاد الديمقراطيون الأغلبية في مجلس النواب.
شاركنا برأيك