محمود سيد محمد يكتب: إثيوبيا تستعرض أنيابها الروسية
هل تسلمت إثيوبيا الطائرات الاثنتي عشرة بالفعل، أم أن الإعلان يشير إلى إجمالي الصفقة بينما اقتصرت الدفعة التي أكّدتها الشركة الروسية على طائرتين؟
صفقة سلاح كبيرة من روسيا لإثيوبيا بتمويل إماراتي
هل بدأت معركة كسر ميزان القوة في القرن الأفريقي؟
اثنتا عشرة مقاتلة روسية، وأربع بطاريات دفاع جوي قيل إنها ستصل لاحقًا. بهذه الأرقام تريد إثيوبيا أن تعلن دخول مرحلة جديدة من التسلح.
غير أن السؤال الذي يشغلني ليس ما إذا كانت «سوخوي-35» طائرة متقدمة؛ فهذا أمر معروف، بل ما الذي تستطيع أديس أبابا فعله بهذه الطائرات وسط أزماتها الداخلية، وخلافاتها مع جيرانها، والنزاع المفتوح حول مياه النيل.
في 28 أكتوبر 2026، أعلنت وكالة الأنباء الإثيوبية أن رئيس الوزراء آبي أحمد أكد تسلّم 12 مقاتلة «سوخوي-35»، وقال إن أربع بطاريات من منظومة «إس-400» ستصل لاحقًا.
وذكرت رويترز أن شركة تصدير السلاح الروسية تحدثت عن تسليم طائرتين في ذلك اليوم، بينما أشار الإعلان الإثيوبي إلى 12 مقاتلة. ولم تكشف الحكومة عن قيمة الصفقة أو موعد وصول منظومات الدفاع الجوي.
هذا التفاوت في تفاصيل التسليم ليس أمرًا ثانويًا.
فهل تسلمت إثيوبيا الطائرات الاثنتي عشرة بالفعل، أم أن الإعلان يشير إلى إجمالي الصفقة بينما اقتصرت الدفعة التي أكّدتها الشركة الروسية على طائرتين؟ حتى تتضح الصورة، يجب أن يظل الفرق ظاهرًا في أي تحليل ينشر عن الصفقة.
وتستحق «إس-400» تدقيقًا أكبر، فالإعلان عن نية تسلّمها لا يعني أن المنظومة أصبحت في حوزة الجيش الإثيوبي، كما أن نقلها لا يساوي دخولها الخدمة.
لا تتوافر معلومات علنية كافية عن موعد التسليم أو تفاصيل العقد أو البنية التي ستُدمج فيها.
وإذا كانت الصفقة ستنفذ فعلًا، فالسؤال ليس عن مدى الصاروخ وحده، بل عن الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة والاتصالات والتدريب والقدرة على إدارة شبكة دفاع جوي متكاملة.
ولا يصح وصف شبكة الدفاع الجوي الإثيوبية بأنها معدومة من دون بيانات تثبت ذلك.
الأدق أن المعلومات المنشورة لا تسمح بتقييم مدى تكاملها أو قدرتها على تشغيل منظومة بهذا التعقيد.
امتلاك بطاريات متقدمة لا يضمن وحده حماية المجال الجوي؛ فالمنظومة تحتاج إلى شبكة تعمل معها، وأطقم مدربة، وصيانة مستمرة، وذخائر متوافرة.
وإثيوبيا ليست صاحبة خبرة معدومة في الطيران العسكري.
فدليل «وورلد إير فورسز 2025» الصادر عن مجلة «فلايت غلوبال» أدرج في جرد القوات الجوية الإثيوبية 16 مقاتلة «سوخوي-27» وتسع طائرات «ميغ-23».
هذه أرقام للجرد المنشور، لا شهادة على أن جميع الطائرات جاهزة للقتال.
ومع دخول «سوخوي-35» الخدمة، إن اكتملت عمليات التسليم والتشغيل، ستواجه إثيوبيا تحديًا يتجاوز شراء الطائرات: عليها تمويل التدريب والصيانة وقطع الغيار والتسليح، وإعداد الطيارين والفنيين للتعامل مع طراز أكثر تقدمًا.
ولفهم الفارق مع مصر، تكفي مقارنة الجرد المعلن، مع الانتباه إلى أن الأرقام لا تقيس الجاهزية الفعلية.
فقد أدرج دليل «فلايت غلوبال» لعام 2025 للقوات الجوية المصرية 168 مقاتلة «إف-16»، و31 طائرة «ميغ-29»، و75 طائرة من عائلة «ميراج 5»، و15 «ميراج 2000»، و24 مقاتلة «رافال»، إلى جانب 31 «رافال» مدرجة ضمن الطائرات المطلوبة.
ويختلف هذا الجرد عن العدد المتاح للعمليات في أي لحظة، كما أن الطائرات ليست متساوية في العمر أو الدور أو القدرات.
المقارنة هنا لا تحتاج إلى مبالغة
مصر تمتلك أسطولًا أكبر وأكثر تنوعًا، يضم طائرات من مصادر مختلفة وقدرات متعددة، فضلًا عن طائرات الإنذار المبكر.
أما إضافة 12 «سوخوي-35» إلى الجرد الإثيوبي، حتى لو دخلت جميعها الخدمة، فلا تجعل إثيوبيا متفوقة جويًا على مصر.
ولا توجد بيانات علنية موثوقة تسمح بمقارنة ساعات الطيران السنوية أو نسب الجاهزية القتالية بين البلدين؛ لذلك فإن وضع أرقام تقديرية لهذه المؤشرات سيعطي القارئ دقة زائفة بدل أن يشرح له ميزان القوة الحقيقي.
ولروسيا حساباتها أيضًا. ففي تقرير «اتجاهات نقل الأسلحة الدولية لعام 2025»، المنشور في مارس 2026، ذكر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن صادرات روسيا من الأسلحة الرئيسية انخفضت بنسبة 64% خلال الفترة 2021–2025 مقارنة بالفترة 2016–2020.
هذا التراجع لا يثبت تعذر تنفيذ الصفقة الإثيوبية، لكنه يسلط الضوء على الضغوط التي تواجه موسكو، خصوصًا مع استمرار الحرب في أوكرانيا وأولوية تلبية احتياجات القوات الروسية.
وستكون قدرة روسيا على توفير قطع الغيار والدعم الفني والذخائر جزءًا من الاختبار الحقيقي للصفقة، لا مجرد تفاصيل تأتي بعد توقيعها.
لا تنحصر المسألة في حسابات مصر وروسيا.
إثيوبيا دولة حبيسة، وقد تحوّل الوصول إلى البحر إلى قضية سياسية واستراتيجية.
مذكرة التفاهم التي وقعتها مع إقليم أرض الصومال في يناير 2024 أثارت اعتراض الحكومة الصومالية، التي رفضت أي ترتيبات تمس سيادة البلاد ووحدة أراضيها.
ومن منظور مقديشو، فإن أي تحرك إثيوبي للحصول على منفذ بحري لا يمكن فصله عن أمن الصومال وحقوقه السيادية.
أما إريتريا، فقد تدهورت علاقاتها مع أديس أبابا في ظل تجدد القتال في تيغراي وتبادل الاتهامات بشأن دعم الأطراف المسلحة.
وذكرت رويترز أن إثيوبيا اتهمت إريتريا بدعم خصومها، بينما نفت أسمرة ذلك.
هذه الاتهامات المتبادلة تعكس بيئة أمنية شديدة التوتر، لكنها لا تمنح أي طرف حق تقديم روايته باعتبارها الحقيقة الكاملة.
وعلى الجانب الإثيوبي، فإن استمرار المواجهات في تيغراي وأمهرة يعني أن الحكومة ما زالت مطالبة بتوزيع مواردها بين الأمن الداخلي وتحديث القوات المسلحة.
هنا تظهر المفارقة
تريد أديس أبابا تعزيز قدرتها على الردع في الخارج، بينما لا تزال تواجه تحديات داخل حدودها. وقد يمنحها السلاح الجديد وزنًا أكبر في الحسابات الإقليمية، لكن كلفته ستظل مرتبطة بقدرتها على تشغيله، وبالطريقة التي ستتعامل بها مع جيرانها.
كما أن أي صفقة كبيرة مع روسيا قد تثير تدقيقًا أمريكيًا في إطار قانون «كاتسا»، لكن العقوبات ليست نتيجة تلقائية لكل عملية شراء؛ فهي تتوقف على طبيعة التعامل والقرارات القانونية الأمريكية.
بالنسبة إلى مصر، لا أرى أن وصول المقاتلات وحده يغيّر ميزان القوة.
ما يستحق المتابعة هو اجتماع التسلح الإثيوبي مع الخلاف حول مياه النيل، وطموح الوصول إلى البحر، والتوتر مع إريتريا والصومال.
هذه الملفات قد تؤثر في حسابات الأمن الإقليمي أكثر من عدد الطائرات في حد ذاته.
القاهرة بحاجة إلى متابعة دقيقة لما تم تسليمه فعلًا، وما دخل الخدمة، وما تستطيع إثيوبيا تشغيله بصورة مستدامة.
وفي الوقت نفسه، يظل التحرك الدبلوماسي مع دول القرن الأفريقي وحماية المصالح المصرية في حوض النيل والبحر الأحمر جزءًا أساسيًا من التعامل مع المشهد.
لا ينبغي أن تتحول كل صفقة سلاح إلى إنذار بحرب وشيكة، كما لا ينبغي التقليل من أثر تراكم القدرات العسكرية في منطقة تتشابك فيها النزاعات والحدود والموانئ والمياه.
إثيوبيا تريد أن تثبت أنها قادرة على تطوير قوتها العسكرية، وهذا حق لكل دولة في إطار التزاماتها الدولية.
أما تحويل هذا التطور إلى نفوذ مستقر، فمسألة أخرى.
فالطائرات قد توسع الخيارات العسكرية، لكنها لن تحل أزمة تيغراي، ولن تنهي الخلاف مع الصومال، ولن تمنح أديس أبابا تسوية بشأن مياه النيل.
وإذا اعتقدت أي حكومة أن امتلاك السلاح يغنيها عن التفاهم مع جيرانها، فإنها قد تدفع المنطقة كلها إلى حسابات لا يحتاج إليها أحد.
شاركنا برأيك