الأونروا أمام اختبار البقاء: مطالب نقابية لوقف التسريح وحماية الخدمات وضمان التمويل
تطرح القراءة النقابية توسيع تمويل النفقات الأساسية للوكالة من الميزانية العادية للأمم المتحدة، إلى جانب توفير تمويل إضافي متعدد السنوات
مقر الأونروا في غزة
أزمة تتجاوز العجز المالي وتهدد استقرار العاملين
تواجه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أزمة مالية وإدارية تثير مخاوف بشأن مستقبل وظائف العاملين وقدرة الوكالة على مواصلة تقديم خدماتها الأساسية، في ظل إجراءات التقشف وخفض الأجور وساعات العمل، والتحذيرات من احتمال اللجوء إلى تسريحات جديدة إذا لم يتوافر التمويل اللازم.
وتتمثل خطورة الأزمة، وفق قراءة نقابية نشرها رائد عميرة، العضو السابق في اتحاد العاملين العرب التابع للأونروا في الضفة الغربية المحتلة، في احتمال استمرار الوكالة شكليا، مقابل تراجع تدريجي في قدرتها التشغيلية بفعل تقليص الموارد البشرية والخدمات.
ويطرح ذلك تحديا مزدوجا يتمثل في حماية حقوق العاملين وضمان استمرار المؤسسة في أداء مهمتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين.
وكان المفوض العام بالإنابة كريستيان سوندرز قد أعلن، في كلمة بتاريخ 24 سبتمبر/أيلول 2026، أن الوكالة تواجه عجزا في التدفقات النقدية يبلغ 100 مليون دولار خلال العام الحالي، بالتزامن مع استمرار إجراءات التقشف، التي شملت خفض ساعات تقديم الخدمات بنسبة 20%، وخفضا مماثلا في رواتب معظم العاملين المحليين.
وتكتسب التحذيرات من احتمال التسريح، في حال عدم تأمين التمويل خلال أسبوعين، أهمية إضافية في ظل حالة الغموض بشأن الخيارات التي تدرسها الإدارة.
وتستدعي هذه التطورات، بحسب القراءة النقابية، توضيحا رسميا يميز بين الإجراءات التي يجري بحثها والقرارات التي اتخذت بالفعل، مع بيان انعكاساتها المحتملة على الموظفين والخدمات المقدمة للاجئين.
كما أن استمرار الغموض قد يؤدي إلى تراجع الثقة داخل المؤسسة واتساع الشائعات وإضعاف التنسيق بين العاملين، ما يجعل الشفافية والتشاور جزءا من معالجة الأزمة، وليس مجرد مطلب إداري.
كشف مالي ومراجعة للقرارات قبل أي تسريح جديد
تضع القراءة النقابية مسألة الشفافية المالية في صدارة المطالب الموجهة إلى إدارة الأونروا، داعية إلى تقديم بيانات محدثة ومفصلة بشأن العجز والسيولة والالتزامات، ومقارنتها بأرقام الفترات السابقة لإجراءات التقشف وما تلاها، وفق الأسس المحاسبية نفسها.
ويشمل ذلك توضيح حجم الوفورات التي حققتها تخفيضات الرواتب وساعات العمل والوظائف والخدمات، بما في ذلك الإجراءات المتعلقة بموظفي غزة، إلى جانب تحديد أسباب استمرار العجز، والتغيرات التي طرأت على الإيرادات والنفقات، والخيارات المتاحة لتجاوز الأزمة.
ولا يعني استمرار العجز بعد تطبيق التخفيضات، بحد ذاته، وجود خلل أو تلاعب في إدارة الأموال، لكنه يستوجب تفسيرا رقميا يوضح أسباب عدم كفاية الإجراءات السابقة، وما إذا كانت هناك تغيرات في الإيرادات أو التكاليف تستدعي مراجعة الموازنة.
كما أن الإعلان عن الأزمة المالية لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر مفتوح للمساس بالأجور والوظائف والخدمات دون بحث البدائل المتاحة.
وفي هذا السياق، يدعو الطرح النقابي إلى تجميد أي تسريح جديد لمدة 30 يوما، لإتاحة المجال أمام التفاوض وفحص البدائل، بما يشمل مراجعة الإنفاق الإداري غير الضروري وحماية الخدمات الأساسية، مع احتساب الوفورات المتوقعة من كل إجراء وآثاره الاجتماعية والتشغيلية.
ولا تنفصل هذه المطالب عن وضع الاتحاد النقابي داخل الوكالة؛ إذ يستند الدفاع عن استقلاله إلى نظامه الأساسي والقواعد النافذة والاتفاقات المعتمدة مع الإدارة.
ويشير تقرير الأونروا بشأن تنفيذ توصيات كولونا للربع الأول من عام 2026 إلى أن القرار النهائي بشأن اعتماد تعديل النظام الأساسي للاتحاد يعود إلى المؤتمر العام نفسه، بما يعزز المطالبة بضمانات تحمي حق العاملين في اختيار ممثليهم وتمنع استبعادهم استنادا إلى معايير غير واضحة أو غير معلنة.
التمويل المستدام وتحرك دبلوماسي يتجاوز الحلول المؤقتة
يمثل تأمين الموارد المالية أحد المحاور الأساسية لإنقاذ الأونروا من دوامة الأزمات المتكررة، خصوصا في ظل اعتمادها الكبير على التبرعات الطوعية، وما يرتبط بها من تقلبات في أولويات المانحين ومواقفهم السياسية.
وتطرح القراءة النقابية توسيع تمويل النفقات الأساسية للوكالة من الميزانية العادية للأمم المتحدة، إلى جانب توفير تمويل إضافي متعدد السنوات، بما يتيح قدرا أكبر من الاستقرار المالي ويحد من تعرض الخدمات والوظائف للتقلبات المفاجئة.
وتشير المادة 17 من ميثاق الأمم المتحدة إلى اختصاص الجمعية العامة بإقرار ميزانية المنظمة وتوزيع نفقاتها على الدول الأعضاء. كما أخذ القرار 80/77 علما باقتراح زيادة المساهمة المقررة من الميزانية العادية للأمم المتحدة.
ووفقا للمادة، سبق أن سجل تقرير فريق العمل المعني بتمويل الأونروا مساهمات مقررة بقيمة 71.5 مليون دولار عام 2024 لتغطية تكاليف تشغيلية مرتبطة بوظائف الإدارة التنفيذية والإدارية.
ويتيح ذلك طرح توسيع التمويل المقرر عبر الجمعية العامة ومسارها المالي، بما فيه اللجنة الخامسة، مع تحديد النفقات المطلوب تغطيتها.
غير أن هذا التوجه يتطلب قرارات واعتمادات وتوافقا سياسيا بين الدول الأعضاء، ولا يمكن تحقيقه بقرار إداري منفرد من المفوض العام، كما أنه لا يعني انتقال كامل ميزانية الوكالة تلقائيا إلى التمويل الإلزامي.
كما يدعو السلطة الفلسطينية، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية، إلى التواصل مع عشر دول مانحة ومؤثرة على الأقل خلال أسبوع، لطلب تمويل عاجل يحمي الوظائف والخدمات، وفتح نقاش بشأن آليات التمويل المستقر.
ويشدد على ضرورة نشر حصيلة أسبوعية توضح اللقاءات والردود والتعهدات ومواعيد الصرف، مع التمييز بين الأموال الموعودة والمبالغ التي وصلت فعليا إلى الوكالة.
برنامج نقابي ومجتمعي لحماية الموظفين واللاجئين
يقترح الطرح إطلاق برنامج تحرك قصير الأجل يقوده المؤتمر العام بمشاركة ممثلي العاملين في مناطق العمليات الخمس والمقرات الرئيسية، على أن يبدأ بتشكيل غرفة تنسيق تضم فرقاً للتفاوض والمتابعة المالية والقانونية، وإصدار بيانات موحدة تحد من الشائعات وتوضح تطورات الأزمة.
كما يدعو إلى تحويل الوقفة المعلنة في 22 أكتوبر/تشرين الأول إلى مسار منظم، يبدأ بتسليم مطالب مكتوبة للإدارة وتحديد مهلة سبعة أيام للرد، قبل تقييم الاستجابة وتحديد خطوات احتجاجية متدرجة تتناسب مع ظروف كل إقليم.
ويؤكد أهمية حماية المشاركين وضمان استمرار العلاج الطارئ والخدمات الضرورية، مع إخضاع أي توجه نحو الإضراب المفتوح لتفويض واضح وتقييم قانوني وقدرة فعلية على الاستمرار.
ويمتد التحرك المقترح إلى المجتمعات الفلسطينية المضيفة للاجئين، عبر تشكيل لجان مساندة مشتركة من العاملين واللاجئين، تتولى توثيق آثار التقليصات على الأسر والمدارس والعيادات وخدمات الإغاثة والرعاية الاجتماعية، وتنظيم تحركات سلمية والمشاركة في الوفود المطلبية.
ويستند هذا المسار إلى اعتبار حماية الموظفين واستمرار الخدمات مصلحتين مترابطتين، لا يمكن الفصل بينهما.
وبحسب الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، فإن متابعة الأزمة تتطلب ربط التحرك النقابي بالضغط الشعبي والدبلوماسي، وتوسيع مشاركة ممثلي اللاجئين في التواصل مع الدول المضيفة واللجنة الاستشارية والجهات المانحة، استنادا إلى بيانات موثقة عن انعكاسات التقليصات.
ويظل معيار نجاح هذه التحركات مرتبطا بقدرتها على انتزاع ضمانات واضحة ووقت إضافي للتفاوض وتمويل يحمي الوظائف والخدمات، مع إلزام الإدارة بتفسير خياراتها ومناقشتها مع ممثلي العاملين.
فمستقبل الأونروا لا يتعلق فقط بمعالجة عجز مالي، بل أيضا بالحفاظ على قدرتها المؤسسية والإنسانية، وضمان ألا يتحمل العاملون واللاجئون وحدهم تبعات الأزمة.
شاركنا برأيك