علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
ماريا أيمن خالد
ماريا أيمن خالد

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

التجسس الصوتي في فلسطين: بنية رقمية واسعة وأسئلة مساءلة تتجاوز حدود الاحتلال

لا تقف آثار المراقبة عند جمع المعلومات. فبحسب الورقة، قد تؤدي مراقبة المحادثات الخاصة إلى تحويل الاتصال العائلي واليومي إلى مصدر قلق

مشاركة:
حجم الخط:

لم تعد المراقبة في فلسطين، وفق تحليل حقوقي سياسي نشره مركز حملة في 19 أكتوبر 2026، تقتصر على التنصت التقليدي أو جمع المعلومات الميدانية؛

إذ ترسم الدراسة صورة لمنظومة مترابطة تجمع اعتراض المكالمات، والتخزين السحابي،

وتحليل الصوت آليًا، وربط البيانات بعمليات استخباراتية.

وتضع هذه المنظومة شركات التكنولوجيا العالمية في قلب نقاش يتجاوز الأدوات التقنية إلى الخصوصية وحرية التعبير

والمسؤولية القانونية عن استخدام الخدمات الرقمية في سياق الاحتلال والنزاع المسلح.

وتستند الورقة إلى دراسة «أصوات أسيرة: التجسس الصوتي الخوارزمي في فلسطين»،

وتقدم قراءة سياسية وحقوقية لمسار البيانات من التقاطها إلى تخزينها ومعالجتها وتوظيفها.

وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه ينقل السؤال من هوية الجهة التي تتنصت وحدها إلى شبكة أوسع تشمل مطوري البرمجيات،

ومشغلي الأنظمة الأمنية، ومزودي الحوسبة السحابية،

والجهات التي تملك القدرة على التدقيق أو وقف الاستخدامات الضارة.

ومع ذلك، تبقى الأرقام والتفاصيل الواردة في الورقة منسوبة إلى الدراسة والتحقيقات التي تستشهد بها،

وتحتاج إلى تقييم مستقل كلما أريد اعتمادها كوقائع مثبتة.

من التنصت التقليدي إلى منظومة خوارزمية

وتربط الورقة هذا التحول بتاريخ أطول من السيطرة على البنية التحتية الفلسطينية للاتصالات.

فقيود الترددات والمعدات والتراخيص، وفق عرضها،

جعلت القطاع الفلسطيني يعتمد على مسارات وشبكات تتحكم بها إسرائيل بدرجات مختلفة.

وتشير إلى أن ترتيبات أوسلو قيدت تطوير الاتصالات الفلسطينية،

وأن مرور الاتصالات عبر نقاط تحكم خارجية يثير مخاوف تتعلق بإمكان اعتراضها أو تعطيلها.

وفي غزة، تقول الورقة إن تدمير البنية التحتية والانقطاعات الواسعة منذ أكتوبر 2023 أظهرا

أن السيطرة الرقمية لا تتصل بالخصوصية وحدها،

بل بإمكانية الوصول إلى المعلومات والتواصل وطلب المساعدة.

السحابة العالمية في قلب سلسلة البيانات

تولي الورقة اهتمامًا خاصًا بدور البنية السحابية،

وتذكر أن بيانات صوتية استخباراتية منسوبة إلى الوحدة 8200 خُزنت،

بحسب تحقيقات صحفية تستشهد بها،

في مراكز بيانات أوروبية تابعة لخدمات مايكروسوفت،

بينها منشأة في هولندا وخوادم في أيرلندا.

كما تناقش دور خدمات التخزين والمعالجة السحابية التي توفرها شركات كبرى،

ومنها Microsoft Azure وAmazon Web Services، في إتاحة سعة واسعة لحفظ الملفات ومعالجتها.

وتورد الورقة تقديرًا يبلغ نحو 11,500 تيرابايت من البيانات في منشأة هولندية،

وتربطه بما يقارب مئتي مليون ساعة من الملفات الصوتية.

وهذه أرقام كبيرة، لكنها تظل كما عرضتها المادة البحثية،

ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها تحققًا مستقلًا من حجم البيانات أو طبيعة كل ملف.

وتكمن الدلالة الأهم في نموذج العمل نفسه:

فالمعلومات التي تجمع في مكان يمكن أن تُخزن في مكان آخر،

ثم تعالج عبر أدوات وخدمات تقدمها شركات لا تشارك بالضرورة في القرار العملياتي النهائي،

لكنها توفر البنية التي تجعله ممكنًا.

الكلفة الإنسانية: الخصوصية والخوف من التواصل

لا تقف آثار المراقبة عند جمع المعلومات. فبحسب الورقة،

قد تؤدي مراقبة المحادثات الخاصة إلى تحويل الاتصال العائلي واليومي إلى مصدر قلق،

خصوصًا عندما يخشى الناس أن تُفسر كلماتهم خارج سياقها

أو أن تستخدم تفاصيل شخصية للضغط عليهم.

وتورد الدراسة مزاعم عن تداول محادثات حميمة واستغلال معلومات حساسة،

مثل المرض أو الديون، بوصفها نقاط ضغط.

وهذه ادعاءات خطيرة تستدعي توثيقًا دقيقًا وحماية للشهود،

لكنها تكشف نوع المخاطر التي ينبغي أن تتعامل معها التحقيقات الحقوقية.

وتتضاعف المخاوف عندما ترتبط البيانات الصوتية بخوارزميات تصنيف

أو أنظمة توليد أهداف عسكرية.

فالخوارزمية قد تنتج نتائج خاطئة، وقد تُقرأ الإشارات أو الكلمات على نحو يفتقر إلى السياق،

بينما تكون عواقب الخطأ في بيئة النزاع بالغة الخطورة.

وتشير الورقة إلى حالة مدنية محددة تزعم أن تصنيفًا خاطئًا أسهم في استهداف منزل؛

غير أن إثبات العلاقة السببية يتطلب فحص الأدلة الأصلية وسلسلة القرار،

ولا يصح أن يحل الوصف الوارد في تقرير محل التحقيق المستقل.

ومن منظور حقوقي، تثير الممارسات الموصوفة أسئلة بشأن الحق في الخصوصية وحرية التعبير والحياة الأسرية،

وهي حقوق تحميها المعايير الدولية،

ومنها المادتان 17 و19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

كما تثير استخدام البيانات في العمليات العسكرية مسائل تتصل بواجب التمييز والتناسب والتحقق من الأهداف.

ولا يكفي وجود أداة تقنية لإثبات مخالفة قانونية بذاته؛

إذ ينبغي تقييم الغرض، والسياق، وطريقة الاستخدام، والضرر، ومدى الالتزام بالضمانات القانونية ذات الصلة.

المساءلة: من تتبع البيانات إلى إصلاح القواعد

تصف الورقة هذه الشبكة بأنها مشكلة «تعدد الأيدي»:

جهة تعترض الاتصال، وأخرى تطور البرنامج، وثالثة توفر التخزين، ورابعة تستخدم النتائج.

وقد يستند كل طرف إلى ضيق دوره للابتعاد عن المسؤولية.

لذلك، تقترح الدراسة تتبع البيانات عبر الحدود،

وفحص العقود والخدمات المقدمة، وتحديد المعرفة المتاحة لكل شركة،

ومدى قدرتها على منع الاستخدامات التي تنطوي على انتهاكات.

ويجب أن تستند أي مساءلة إلى أدلة قابلة للفحص،

لا إلى مجرد وجود علاقة تجارية أو تقنية.

وتشمل المسارات المقترحة تدقيقًا مستقلًا في حقوق الإنسان،

وشفافية أكبر بشأن العقود الحكومية،

وحماية المبلغين والموظفين الذين يكشفون إساءة الاستخدام،

ومراجعة المستثمرين لسياسات الشركات،

فضلًا عن تحقيقات صحفية وحقوقية تتبع انتقال البيانات من الأجهزة إلى الخوادم.

كما تدعو الورقة إلى استخدام الأطر التنظيمية ذات الصلة بحماية البيانات،

وإلى بحث القيود المفروضة على تقنيات المراقبة البيومترية

في الأماكن العامة ومناطق النزاع.

وتظل فعالية هذه الخطوات مرهونة بالاختصاص القضائي،

وتوافر الأدلة، واستقلال جهات الرقابة، وقدرة المتضررين على الوصول إلى العدالة.

إن التحدي لا يتمثل في منع التكنولوجيا بحد ذاتها،

بل في منع تحولها إلى بنية مراقبة واسعة لا تخضع للمحاسبة.

فالمسؤولية تتطلب كشف مسار البيانات، وفرض حدود واضحة على جمعها واحتفاظها،

والتحقق من الاستخدامات العسكرية، وتوفير سبل تظلم وتعويض فعالة.

وبينما تتجاوز الخوادم الحدود الجغرافية بسهولة، يجب ألا تتجاوز المسؤولية القانونية معها.

ومن هنا، يصبح التدقيق المستقل والتعاون الدولي ضرورة لحماية الحقوق،

لا مجرد خيار تقني أو نقاش أخلاقي مؤجل.

شارك المقال:

شاركنا برأيك