معصوم مرزوق يكتب: المعهد الفني لتدريب الحكام (قصة مسرحية)
تطرح المسرحية فكرة فانتازية تقول : بما أن حكم الشعوب أصبح مهنة وصنعة معقدة كالطب والمحاماة، يجب على أي حاكم عسكري أن يحصل أولاً على شهادة بكالوريوس في حكم الشعوب قبل أن يتولى السلطة
مسرحية بكالريوس في حكم الشعوب قدمت عام178
هذا مقال قديم ، كتبته ونشرته في صحيفة ” البيان ” تقريباً عام 1990، ووجدت أصله بين أوراقي القديمة، وأعاد لي ذكريات المسرح الذي اختفي، رغم أنه كان يمثل جزءاً هاماً من حياتي علي مر ما يزيد علي أربعين عاماً تقريباً.
شاهدت خلاها روائع النصوص المصرية والمترجمة ( مثل مسرحيات المرحوم نعمان عاشور ، وتوفيق الحكيم ، وجلال الشرقاوي ، ويوسف إدريس، وإبسن ، وشكسبير ،وألبير كامو.. إلخ )
كان ذلك قبل أن يجري علي المسرح ما جري علي الحركة الثقافية والفنية والإبداعية بوجه عام ، بدءاً من منتصف سبعينات القرن الماضي …
هذا المقال – ضمن مقالات أخري – يحمل ذكري إحدى هذه المسرحيات التي – للأسف – لم تسجل تليفزيونياً، وبالتالي ضاعت من سجل المسرح المصري، وإن ظلت ضمن مسرحيات أخري شاهدتها ضمن مقتطفات من تعليقاتي.
المعهد الفني لتدريب الحكام!
كان ذلك هو ما كتبته في مفكرتي مساء يوم الأحد 26/11/1978 ، بعد عودتي من مسرح الغرفة التجارية بمنطقة باب اللوق بالقاهرة بعد مشاهدة مسرحية بكالوريوس في حكم الشعوب:
” شخصية “كاباكا ” التمساح المفترس الملتهم لجميع أعدائه في الغابات الشاسعة، تمثل الحاكم العسكري في الأنظمة الأفريقية، بشكل لاذع السخرية، وقد مثلها الممثل القدير علي الشريف بآداء هائل.
قد ضحكت من أعماقي عندما اكتشف “كاباكا ” أنه عندما أراد أن يطبق الديمقراطية في بلاده ، أعطي تصريح مفتوح للخروج من البلاد لمن يشاء ، فكانت النتيجة أن شعبه بالكامل غادر البلاد !.”
” قد أدرجت ذلك الجزء من تعليقي علي المسرحية في فصل ” سفر التيه ” / كتابي تحت الطبع ” ع المعاش “
كان الطقس خريفياً، وكنت –كعادتي– متشبعاً بأحداث المسرحية التي كتبها الكاتب الساخر علي سالم، وهو نفس الكاتب الذي كتب مسرحية “أغنية علي الممر ” بعد النكسة، ولاقت رواجاً كبيراً وشاركت في بروفات تمثيلها في مسرح كلية الهندسة.
هو نفسه من كتب أيضاً “مدرسة المشاغبين” ومسرحية “عفاريت مصر الجديدة ” ومن المفارقات أنه فقد عضويته فيما بعد في إتحاد الكتاب المصري بسبب زيارته لإسرائيل وكتابة كتاب عن تلك الزيارة.

كتبت أيضاً في مفكرتي
“إسم المخرج شاكر عبد اللطيف وهو من المخرجين الواعدين، كما شهدت المسرحية بالإضافة إلي النجم المتألق نور الشريف، مجموعة من الوجوه الجديدة كان أبرزها طالبة الثانوي ليلي علوي التي قيل أنها كانت تحضر البروفات بزي المدرسة، وكذلك الممثل الجديد يحيي الفخراني الذي أبدع في دوره، فضلاً عن أحمد بدير وعلي الشريف الذي كان يضحكنا بأي حركة يقوم بها علي المسرح “
وكان حضور المسرحيات جزء من طقوس حياتي خلال مرحلة كبيرة من حياتي، لذلك كانت منطقة العتبة تحتل مكانتها الخاصة لوجود المسرح القومي وكذلك مسرح الطليعة الذي كان يحتوي أيضاً علي المسرح الدائري.
فضلاً عن المسرح الحديث في شارع القصر العيني، مسرح الليسيه، والمسرح العائم، ومسرح الجيب الذي شهدت فيه مسرحية ” الحصان ” مونودراما للفنانة العظيمة سناء جميل التي صلبتنا فوق مقاعدنا لمدة ساعة ونصف، وهي تلعب دورها وحيدة، ونحن نجلس في شبه دائرة حولها، نشعر بسخونة أنفاسها، وترعبنا حين تصرخ فجأة، وتبكينا حين تسح الدموع من عيونها.
في مفكرتي في تلك الليلة التي لا تُنسي، كتبت أيضاً عن مسرحية “بكالوريوس في حكم الشعوب “
: قصة المسرحية تدور في شكل رمزي كوميدي ساخر داخل بلد من بلاد العالم الثالث، تتركز الفكرة حول الصراع على السلطة والانقلابات العسكرية المتتالية داخل الكلية الحربية، حيث يندلع صراع وتنافس غريب بين دفعات الكلية.
حين يسعى طلاب السنة الثانية للقيام بانقلاب بدعم من واشنطن، في حين يتحرك طلاب السنة الثالثة بدعم من موسكو، وطلاب السنة الرابعة بدعم من لندن.
وفي النهاية، ينجح طلاب السنة الأولى (المستجدون) في السيطرة على الحكم بفضل الدعم البترولي، وتتوالى الأحداث عبر سلسلة من الاعتصامات، والثورات، والثورات المضادة.
لتطرح المسرحية فكرة فانتازية تقول : بما أن حكم الشعوب أصبح مهنة وصنعة معقدة كالطب والمحاماة، يجب على أي حاكم عسكري أن يحصل أولاً على شهادة بكالوريوس في حكم الشعوب قبل أن يتولى السلطة.
إن مسرحية “بكالوريوس في حكم الشعوب” انتهت على المسرح بنهاية درامية ساخرة، وتوقفت جماهيرياً بعد شهرين فقط من عرضها نتيجة لعدة أسباب فنية ورقابية.
أي أنها توقفت علي وجهين : وجه فني، ووجه واقعي، حيث أن النهاية الدرامية في المسرحية تصل إلى ذروة الكوميديا السوداء والفانتازيا السياسية في مشهدها الأخير ، بعد سلسلة طويلة من الانقلابات والثورات المضادة بين دفعات الكلية الحربية، يقرر رئيس آخر إنقلاب، تغيير سياسة البلاد فجأة، ومنح الحرية الكاملة والمطلقة للشعب، بما في ذلك “حرية السفر ومغادرة البلاد” دون قيود.
ينتهز الشعب هذه الفرصة المفاجئة، فيشدون الرحال جميعاً ويهجرون الوطن إلي أرض جديدة بحثاً عن الحرية والحياة الكريمة، وينتهي العرض ” فنياً ” حين يستيقظ الرئيس في الصباح ليمارس مهام عمله، فلا يجد أحداً في قصر الحكم، ولا في المنازل والشوارع، يتصل بأرقام التليفون المختلفة فلا يرد عليه أحد، لقد أصبح الرئيس رئيساً علي نفسه وبغير شعب يحكمه.
أما كيف أنتهي عرض المسرحية بشكل واقعي رغم نجاحها الكبير، فقد كان السبب فيه الرقابة التي رأت في النص إسقاطات سياسية علي نظام الحكم، فتم وقف المسرحية قبل مضي شهرين علي عرضها، وقبل أن يتم تسجيل نسخة منها للسجل.
شاركنا برأيك