د. نهلة مولود عبد الرحمن تكتب: مات الخبر العاجل، عاش الفيديو العاجل
لقد انتهى الزمن الذي كان فيه «الخبر العاجل» شريطًا أحمر تحت شاشة التلفزيون،الخبر العاجل الآن فيديو عمودي من عشرين ثانية، قد يصوره مواطن، وينشره مجهول، ويعيد توزيعه مؤثر، وتتبناه صفحات ضخمة
انتقل المشاهد من شاشات التليفزيون إلى منصات التليفون المحمول
من يصنع الحقيقة في العراق؟
في العراق اليوم قد تقع الحادثة في البصرة، ويصورها هاتف مجهول، ويرفعها حساب على «تلغرام»، فتنتقل إلى «فيسبوك»، ويقتطع منها عشرون ثانية إلى «تيك توك»، وتصبح خلال دقائق «الحقيقة» التي يتجادل حولها الملايين، بينما لا يزال المراسل في الطريق إلى مكان الحدث، وغرفة الأخبار تحاول
الاتصال بمصدر ثانٍ، والمحرر ينتظر بيانًا رسميًا قد يصل بعدما يكون العراقيون قد شاهدوا الفيديو وصدقوه وغضبوا منه واتخذوا موقفهم بناءً عليه.
هنا تغيرت قواعد اللعبة، لم يعد السؤال: من نشر الخبر أولًا؟ بل: من نشر الفيديو أولًا؟ ولم تعد أخطر جملة في الإعلام العراقي “وردنا الآن” وإنما: «شاهد قبل الحذف»
40 مليون شاشة.. وكل هاتف أصبح وكالة أنباء
الأرقام تشرح حجم التحول، تشير بيانات Digital 2026 إلى وجود نحو 39.6 مليون مستخدم للإنترنت في العراق في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بنسبة
انتشار بلغت 83.8%، ونحو 40.1 مليون «هوية مستخدم» على شبكات التواصل الاجتماعي، مع ضرورة الانتباه إلى أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة 40.1
مليون شخص مختلف، كما قدرت أدوات المنصات الإعلانية وصول فيسبوك إلى نحو 20.8 مليون مستخدم، ويوتيوب إلى 24.7 مليون، بينما أظهرت
أدوات تيك توك وصولًا إعلانيًا بالغ الاتساع بين البالغين العراقيين.
هذه ليست أرقامًا عن الترفيه فقط، بل عن انتقال مركز صناعة المجال العام العراقي. فالمواطن لم يعد يحتاج إلى نشرة الثامنة ليعرف ماذا حدث. هاتفه يهتز عشرات المرات قبل أن تبدأ النشرة أصلًا.
وتشير بيانات «مؤشر الرأي العربي» 2024–2025 إلى أن 42% من مستخدمي التواصل الاجتماعي في العراق قالوا إنهم يستخدمونه يوميًا للحصول على
الأخبار والمعلومات السياسية. وفي الوقت نفسه، تراجعت الثقة العراقية بالأخبار والمعلومات المتداولة عبر شبكات التواصل من نحو 70% في قياسات
سابقة إلى 46.4%. أي أننا أمام مفارقة خطيرة: العراقيون يذهبون أكثر إلى المنصات التي يثقون بها أقل.
الخبر يمشي.. والحقيقة تركض خلفه
المشكلة ليست أن وسائل التواصل تكذب دائمًا، كما أن الإعلام التقليدي ليس معصومًا من الخطأ. المشكلة أن هناك سباقين مختلفين: المنصة تتنافس
على السرعة والمشاهدة والتفاعل، بينما يفترض أن تتنافس الصحافة على الدقة والتحقق والسياق.
وعندما يقع انفجار أو حادث أمني أو أزمة سياسية، فإن الدقيقة التي يحتاجها الصحفي للتأكد من المكان والتاريخ وهوية صاحب الفيديو قد تكون كافية
لأن يحقق المقطع غير الموثق عشرات الآلاف من المشاهدات.
وفي مارس/آذار 2026 قدمت وزارة الداخلية العراقية رقمًا يكشف حجم المعركة: 245 شائعة موثقة خلال 11 يومًا فقط. ووفق بيانات الوزارة، كان
فيسبوك مصدر 47% من الشائعات المرصودة، وتلغرام 31%، ومنصة X نحو 22%. وكانت الشائعات الأمنية في الصدارة بنسبة 49%، ثم السياسية 31%
فالاقتصادية 20%.
وهذا يعني أن أخطر الشائعات ليست عن فنان أو مباراة كرة، بل عن الأمن والسياسة والاقتصاد؛ أي عن الملفات القادرة على تحريك الشارع والأسواق والخوف والمواقف السياسية.
الحساب المجهول يهزم غرفة الأخبار
كان الصحفي قديمًا يمتلك امتياز الوصول إلى المعلومة. الآن أصبح صاحب الهاتف الموجود في المكان يمتلك امتيازًا أخطر: الوصول إلى اللحظة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول شاهد العيان إلى صحفي ومحلل وخبير أمني في الوقت نفسه. يصور دخانًا في السماء، ثم يكتب تحته: «قصف» فينقل
حساب آخر المنشور ويضيف: «مصادر تؤكد»، وبعد عشر دقائق يصبح الاحتمال خبرًا، والخبر رواية، والرواية حقيقة رقمية يتداولها الآلاف.
وقد خلصت دراسة عراقية حديثة، منشورة في سبتمبر/أيلول 2026 وشملت كوادر عشر وكالات أنباء عراقية معتمدة، إلى نتيجة تستحق التوقف عندها:
التحقق من الأخبار في البيئة الرقمية يعتمد بدرجة كبيرة على الجهود الفردية للصحفيين أكثر من اعتماده على منظومات مؤسسية متخصصة، مع
استمرار استخدام وسائل تحقق تقليدية محدودة الفاعلية أمام التدفق الهائل للمعلومات.
وهنا تكمن الفجوة: الحساب المجهول يحتاج ثانية واحدة ليضغط «نشر»، بينما المؤسسة الصحفية تحتاج منظومة تحقق قد لا تكون مكتملة أصلًا.
والآن دخل الذكاء الاصطناعي غرفة الأخبار من النافذة
الأزمة أصبحت أكثر تعقيدًا لأن العين لم تعد دليلًا كافيًا.
خلال التوترات الإقليمية في 2026 رصدت تقارير عراقية انتشار مقاطع وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي تزعم تصوير اعتراض صواريخ أو سقوط مسيرات
أو حرائق وضربات في محافظات عراقية، الصورة التي كانت يومًا أقوى دليل صحفي أصبحت هي الأخرى بحاجة إلى دليل.
كما تحدثت اليونسكو في أبريل/نيسان 2026 عن تصاعد واضح للمعلومات المضللة وخطاب الكراهية والمضايقات الرقمية في البيئة المعلوماتية
العراقية، ودعمت تحالفًا من منظمات المجتمع المدني والإعلاميين والأكاديميين لرصد هذه الظواهر.
وهكذا انتقلنا من عصر «لا تصدق كل ما تقرأ» إلى عصر أكثر خطورة: لا تصدق بالضرورة كل ما تراه بعينيك.
الإعلام الحزبي يترك الباب مفتوحًا للمؤثر
لكن تحميل المنصات وحدها المسؤولية سيكون تبسيطًا مريحًا للمشكلة. جزء من صعود الحساب المجهول حدث لأن قطاعات من الجمهور فقدت ثقتها أصلًا في مؤسسات إعلامية تقليدية.
منظمة «مراسلون بلا حدود» وضعت العراق في المرتبة 162 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، وتشير في توصيفها للمشهد العراقي إلى الارتباط الوثيق بين العديد من المؤسسات الإعلامية والقوى السياسية، وإلى أن الاستقطاب السياسي يؤثر في قدرة الصحافة المستقلة والمتوازنة على العمل.
وعندما يشعر المشاهد أن هذه القناة تمثل الحزب «أ» وتلك تمثل الاتجاه «ب»، والثالثة تتحدث بلسان جهة أخرى، يصبح الحساب الصغير الذي يصور الشارع بهاتفه أكثر جاذبية، حتى لو لم يكن أكثر دقة.
وهنا حدث الانقلاب الحقيقي: خسر الإعلام جزءًا من احتكاره للمعلومة قبل أن يخسر جمهوره.
لسنا أمام موت الصحافة.. بل أمام موت الصحافة البطيئة
ليس الحل أن تنافس الفضائية العراقية تيك توك في الصراخ، ولا أن يحول الصحفي نفسه إلى مؤثر يطارد الترند. المعركة الحقيقية ليست بين التلفزيون
والهاتف، وإنما بين معلومة لها مصدر ومعلومة لها مشاهدات.
الصحافة العراقية تحتاج غرفة تحقق إلى جوار غرفة الأخبار، صحفيين يعرفون البحث العكسي عن الصور، وتحليل الفيديو والموقع والتوقيت، وأدوات
كشف المحتوى الاصطناعي، والأهم من ذلك سرعة تصحيح الخطأ بالسرعة نفسها التي تنتشر بها الشائعة.
فالمواطن لن ينتظر نصف يوم حتى تكتشف المؤسسة الإعلامية أن فيديوًّا يشاهده منذ الصباح يعود في الأصل إلى بلد آخر قبل ثلاث سنوات.
لقد انتهى الزمن الذي كان فيه «الخبر العاجل» شريطًا أحمر تحت شاشة التلفزيون،الخبر العاجل الآن فيديو عمودي من عشرين ثانية، قد يصوره مواطن، وينشره مجهول، ويعيد توزيعه مؤثر، وتتبناه صفحات ضخمة، ثم تصل الصحافة بعد الجميع لتسأل: هل حدث هذا فعلًا؟
لكن السؤال الأخطر الذي يواجه العراق ليس من يستطيع الوصول إلى الناس أسرع.
السؤال هو: عندما يستطيع الجميع نشر الخبر، من سيبقى قادرًا على صناعة الحقيقة؟
اعتمدت في هذه النسخة خصوصًا على Digital 2026، ومراسلون بلا حدود، واليونسكو، ووزارة الداخلية العراقية، ومؤشر الرأي
العربي، ودراسة أكاديمية عراقية حديثة منشورة في سبتمبر 2026، ولذلك يمكن تطويرها أيضًا إلى نسخة أكثر صدامًا بعنوان مثل
«العراق على زر REC.
حين أصبح الحساب المجهول أسرع من الصحفي» مع أمثلة وقصص واقعية أكثر من داخل السوشيال ميديا العراقية.
شاركنا برأيك