علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

د. فاروق شرف يكتب: مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة(15) باب الوزير

باب الوزير: ذاكرة لا تسكنها الآثار وحدها لكن هناك شيء آخر لا يقل أهمية عن الحجر، أهل المكان، وأنت حين تدخل باب الوزير، لا تدخل إلى متحف صامت، تدخل إلى منطقة ما زالت فيها الحياة مستمرة.

مشاركة:
حجم الخط:

طريقٌ تمشي فيه بين ملوكٍ وأولياء وحكايات القاهرة

هناك شوارع في القاهرة.

إذا مشيت فيها شعرت أنك تسير في شارع.

وهناك شوارع أخرى.

تشعر أنك تسير في التاريخ نفسه.

تخطو الخطوة الأولى، فإذا بك تترك القاهرة التي تعرفها اليوم وراء ظهرك، وتدخل عالمًا آخر؛ عالمًا تتحدث فيه القباب، وتصمت فيه الجدران، وتطل عليك المآذن من بين البيوت، وكأنها تقول لك:

هنا مرّ الذين صنعوا صفحات من تاريخ مصر.

ومن بين هذه الأماكن يأتي باب الوزير…

ذلك الشارع العريق الذي يحمل في اسمه هيبة السلطة، وفي أحجاره ذاكرة القرون، وفي أزقته روح القاهرة التي لا تزال قادرة على أن تأسر القلب.

لكن… من أين جاء اسم «باب الوزير»؟

وهنا علينا أن نتوقف قليلًا أمام الاسم.

فالتسمية ارتبطت بالمنطقة الواقعة عند أحد مداخل القاهرة المتصلة بطريق القلعة، واشتهرت باسم باب الوزير، وأصبح الاسم مع مرور الزمن يطلق على المنطقة والشارع المحيط بها.

واللافت أن الاسم نفسه يحمل في طياته صورة من صور القاهرة التي كانت فيها القلعة مركز الحكم، وكانت الطرق المؤدية إليها جزءًا من المشهد السياسي والعمراني للمدينة.

فحين تقول: باب الوزير فأنت لا تنطق اسم شارع فقط.

بل تستحضر عالمًا كان فيه السلطان والوزير والأمير والجند والحرفي والتاجر يتحركون جميعًا في نسيج واحد اسمه القاهرة.

هنا كانت القلعة حاضرة في كل شيء

ولفهم باب الوزير، علينا ألا ننظر إليه منفصلًا عن محيطه.

فالمنطقة جزء من الدرب الأحمر، ذلك الحي الذي يوصف بأنه من أقدم مناطق القاهرة التاريخية، وأنه يتميز بثراء استثنائي في المساجد والزوايا والبيوت والقصور والأضرحة والسبل، إلى جانب الحرف والصناعات التقليدية.

والأهم أن باب الوزير يقع في ذلك النسيج الحضاري القريب من قلعة صلاح الدين.

وهنا تبدأ الحكاية في اتخاذ شكل آخر.

فالقلعة لم تكن مجرد حصن، كانت مقر الحكم لقرون، وحولها نمت أحياء وطرق وأسواق ومساكن ومنشآت دينية.

ومن هنا أصبح الطريق المؤدي إلى القلعة أكثر من مجرد طريق، أصبح جزءًا من ذاكرة السلطة والحياة اليومية للقاهرة.
شارع لا تمر فيه على أثر واحد، بل على زمن كامل.

من أجمل ما في باب الوزير أنك لا تدخل إلى أثر ثم تخرج منه، بل أنت تسير بين الآثار، تجد قبة، ثم مسجدًا، ثم سبيلًا، ثم ضريحًا،
ثم بيتًا قديمًا.

ثم فجأة تكتشف أن ما ظننته جدارًا عاديًا يخفي وراءه قصة عمرها مئات السنين.

وهذا هو سر القاهرة التاريخية.

أن الأثر فيها لا يعيش منفردًا.

إنه يعيش وسط الناس، وسط الدكاكين، وسط الحارات، وسط أصوات الباعة،وسط الأطفال الذين يلعبون، وسط رجل يجلس أمام متجره منذ الصباح.

فتشعر أن التاريخ لم يوضع خلف سور، بل تُرك حيًا بين أهله.

 هنا تتكلم العمارة المملوكية:

باب الوزير وما حوله يضم مجموعة بالغة الأهمية من آثار القاهرة الإسلامية، ارتبط كثير منها بالعصر المملوكي، ذلك العصر الذي بلغت فيه العمارة الإسلامية في مصر درجة مذهلة من الإبداع.

في تلك العمارة لم يكن البناء مجرد جدران، كان هناك تناسق في الحجر، ودقة في النحت، وتكوين للواجهات، وتوزيع محسوب للنوافذ، وقباب تعلو السماء…ومآذن تتحدى الزمن، والأجمل أن هذه العناصر لم تكن للزينة فقط.

كان لكل جزء وظيفة ومعنى، ولهذا عندما يقف المتخصص أمام واجهة مملوكية، فإنه لا يرى حجرًا منحوتًا فحسب…
بل يقرأ لغة معمارية كاملة.

ومن درر المنطقة، مسجد أصلم السلحدار

وهو من المنشآت المملوكية التي تحمل قيمة معمارية وتاريخية مهمة.

واسم «السلحدار» نفسه يعيدنا إلى عالم الدولة المملوكية؛ فقد كان لقبًا لوظيفة عسكرية مرتبطة بحمل سلاح السلطان.

وهنا يصبح الاسم مرة أخرى مفتاحًا للحكاية.

صاحب الأثر لم يكن شخصًا مجهولًا في زمانه.

كان جزءًا من منظومة الدولة.

ثم جاء الزمن، وبقي اسمه محفورًا في الحجر.

وهناك… قباب لا تشبه غيرها:

وفي هذه المنطقة تتجاور الأضرحة والقباب التي تكشف عن جانب شديد الخصوصية في العمارة الإسلامية المصرية.

فالقباب في القاهرة لم تكن مجرد تغطية لمقبرة، كانت في كثير من الأحيان علامة حضور وذاكرة، تعلو فوق المدينة، يراها المار من بعيد فيعرف أن تحتها إنسانًا كانت له مكانة في عصره.

وبمرور الزمن أصبحت القبة نفسها جزءًا من شخصية القاهرة.

كم من إنسان نسيته الكتب، لكن القبة لم تنسَه.

باب الوزير: ذاكرة لا تسكنها الآثار وحدها

لكن هناك شيء آخر لا يقل أهمية عن الحجر، أهل المكان، وأنت حين تدخل باب الوزير، لا تدخل إلى متحف صامت، تدخل إلى منطقة ما زالت فيها الحياة مستمرة.

أناس يعملون، وتجار يفتحون أبواب محالهم، وحرفيون يمارسون أعمالهم، وأسر عاشت في المكان أجيالًا متعاقبة.

وهنا تظهر واحدة من أجمل صفات القاهرة القديمة: الكرم.

ذلك الكرم الذي لا يحتاج إلى إعلان، قد تسأل أحد أبناء المنطقة عن طريق أو أثر، فيترك ما في يده ليشرح لك، وقد تدخل محلًا فتجد صاحب المكان يرحب بك وكأنك ضيف جاء إلى بيته.

وقد يجلس معك رجل بسيط ليحكي لك عن المكان كما سمعه من أبيه وجده.

 وهذه الحكايات: حتى وإن لم تكن كلها وثائق تاريخية.

فهي جزء من الذاكرة الشعبية للمكان، وتستحق الاحترام مع التمييز بينها وبين الرواية التاريخية الموثقة.
يا لها من علاقة بين الإنسان والحجر!

ربما لهذا السبب تبقى القاهرة القديمة حيّة.

فالبيت القديم لا يقف غريبًا عن الناس.

والمسجد لا يقف منفصلًا عن الحارة.

والسبيل لا يقف بعيدًا عن المارة.

والدكان لا يعادي الأثر/ كل شيء متداخل.

الإنسان يحرس ذاكرة المكان، والمكان يحفظ ذاكرة الإنسان.
وهذا هو التراث الحقيقي.

وفي باب الوزير… تشعر بثقل الزمن

قف قليلًا…لا تتعجل…انظر إلى الحجر.. تأمل آثار الزمن على الواجهات…انظر إلى التفاصيل التي ربما مر عليها آلاف الأشخاص.
فهذا الحجر لم يشهد يومًا واحدًا.
لقد شهد قرونًا، شهد دولًا تقوم، ودولًا تسقط، شهد سلاطين وأمراء، شهد أفراحًاوأحزانًا،شهد جنائز تمر،وأطفالًا يكبرون، وأجيالًا ترحل وأجيالًا تأتي.

ثم بقي هو، صامتًا… لكنه لم يكن يومًا بلا حكاية، باب الوزير، حين يصبح الطريق كتابًا.

ومن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذا المكان أن التاريخ ليس دائمًا في الكتب الكبيرة.
أحيانًا يكون التاريخ في: اسم شارع، باب قديم، قبة صامتة، مشربية صغيرة، حجر يحمل نقشًا، أو حكاية يحفظها أحد أبناء المكان.
وهذا ما يجعل القاهرة مختلفة عن أي مدينة أخرى.

إنها مدينة تستطيع أن تمنحك درسًا في التاريخ، وأنت في طريقك إلى شراء شيء من السوق!

وهناك شيء آخر لا يمكن تجاهله الروحانية.

فحين تتجاور المساجد والقباب والأسبلة في هذه المنطقة، يصبح للمكان إحساس خاص.
تسمع الأذان…ثم يهدأ الشارع لحظة…وتتجه القلوب إلى الصلاة…ثم تعود الحياة.

 وهكذا عاش أهل القاهرة قديمًا.
الدين في القلب، والعمل في اليد، والكرم في المعاملة، والأثر شاهد على كل ذلك.
وهذه الروح هي التي تجعل زيارة القاهرة التاريخية مختلفة.
فأنت لا تزور آثارًا فقط…
بل تقترب من روح مجتمع عاش مع هذه الآثار قرونًا.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك