د. فاروق شرف يكتب: مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة (12) الحلمية
جاء الزمن،وغيّر كل شيء وهنا تبدأ واحدة من أكثر صفحات الحلمية إثارة للحزن، فالسراي التي كانت يومًا عنوانًا للفخامة لم تبقَ إلى اليوم.

قصر قديم من قصور الحلمية
حين كانت القاهرة تحلم على ضفاف بركة الفيل
هناك أحياء لا تدخلها، بل تدخل إلى حكايتها.
وحين تسمع اسم الحلمية، فإن أول ما يخطر في بالك ربما يكون تلك الحكايات القديمة، والقصور، والحدائق، والباشوات، والعمائر ذات الواجهات المزخرفة، ثم تتردد في الذاكرة أسماء ارتبطت بها القاهرة الملكية.
لكن وراء الاسم حكاية أقدم وأجمل
حكاية أرض كانت يومًا جزءًا من بركة الفيل، ثم تحولت مع الزمن إلى منطقة راقية، ثم إلى حي تسكنه السرايات والقصور، قبل أن تتغير ملامحه وتتبدل طبقاته الاجتماعية، ويبقى في جدرانه شيء من ذلك الزمن الذي لا يريد أن يرحل.
إنها الحلمية، حيٌّ يبدو للوهلة الأولى عاديًا في زحام القاهرة، لكنه إذا تأملت شوارعه وبيوته، ستكتشف أن تحت طبقات الحاضر مدينة أخرى كانت هنا ذات يوم.
مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة (6) متحف الفن الإسلامي
من بركة الماء إلى حي الباشوات:
من الصعب أن نتخيل اليوم أن المنطقة التي نراها عامرة بالبيوت والشوارع كانت مرتبطة قديمًا بـبركة الفيل، تلك البركة التي ظلت قرونًا من أشهر متنزهات القاهرة ومتنفساتها.
ثم أخذت البركة تنحسر، وبدأ العمران يزحف إليها، حتى جاء عباس حلمي الأول، والي مصر، فاختار جزءًا من هذه المنطقة لإنشاء سراي الحلمية وحدائقها الكبيرة.
وتشير المصادر إلى أن السراي شُيدت في موضع عدد من بيوت أمراء المماليك، ومن بينها بيت إبراهيم بك الكبير وبيت ابنه مرزوق.

وهكذا بدأت الحكاية
الماء ينحسر، والحدائق تظهر، والقصور ترتفع، والقاهرة تفتح صفحة جديدة من صفحات عمرانها.
وللاسم حكاية:
في 30 يناير سنة 1851م صدر أمر بتسمية المنطقة «الحلمية»، نسبة إلى عباس حلمي الأول، الذي ارتبط اسمه بسراي الحلمية التي أقامها هناك، ومنذ ذلك الوقت أصبح الاسم جزءًا من خريطة القاهرة، لكن الحلمية لم تكن مجرد اسم.
كانت مشروعًا عمرانيًا له صلة مباشرة بعالم الحكم والنخبة.
فموقعها جعلها قريبة من المناطق التي احتضنت قصور الدولة ورجالها، وأصبحت السرايات والبيوت الكبيرة جزءًا من ملامحها.
وهكذا كان سكانها في مراحلها الأولى من الباشوات وكبار رجال الدولة والطبقات الميسورة، قبل أن تتغير تركيبة الحي مع الزمن.
سراي الحلمية قصر كان له عالمه الخاص
تخيلوا معي سراي الحلمية في أوج مجدها، حدائق واسعة، مبانٍ فخمة، إسطبلات،
عربخانة، ومرافق وخدمات مرتبطة بالسراي.
وتشير المصادر إلى أن التخطيط شمل ميدانًا وإسطبلًا وعربخانة وقراقولًا وسجنًا، وأن مباني السراي وملحقاتها امتدت حتى مناطق قريبة من قبة المظفر.
لم تكن السراي مجرد مسكن للحاكم، كانت عالمًا كاملًا.
عالمًا يعكس طبيعة القاهرة في ذلك العصر؛ حين كان القصر مركزًا، وتدور حوله الحركة والعمران.

ثم جاء الزمن،وغيّر كل شيء
وهنا تبدأ واحدة من أكثر صفحات الحلمية إثارة للحزن، فالسراي التي كانت يومًا عنوانًا للفخامة لم تبقَ إلى اليوم.
في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تغيرت المنطقة، وقُسمت أراضي الحدائق.
ثم هُدمت السراي في أوائل القرن العشرين، وتحولت الأرض إلى قطع وشوارع وعمائر جديدة.
وتشير المصادر إلى هدم السراي سنة 1902م، ثم إقامة مبانٍ حديثة على أراضيها.
وهكذا اختفى القصر،لكن الحلمية لم تختفِ، بل ولدت من جديد.
الحلمية الجديدة ذاكرة القصر في هيئة شوارع
بعد هدم السراي وتقسيم أراضيها، بدأت ملامح الحلمية الجديدة تتشكل.
قصور جديدة، عمائر، فيلات، شوارع أكثر انتظامًا، وواجهات تتأثر بالذوق الأوروبي الذي كان ينتشر في القاهرة خلال تلك الفترة.
وهنا حدث شيء بالغ الأهمية في تاريخ العمارة المصرية، القاهرة بدأت تتحول معماريًا، لم تعد العمارة مجرد امتداد للتقاليد القديمة.
بل بدأ يظهر مزيج بين العناصر المحلية والتأثيرات الأوروبية، فتجد الواجهة ذات الزخارف، والشرفات، والأعمدة، الكرانيش، والتفاصيل الجصية.
وكأن كل مبنى يحاول أن يقول:
أنا من القاهرة ولكنني أنظر أيضًا إلى العالم.
عمائر تتزين قبل أن تسكن، هذه من أجمل الأشياء التي يمكن أن نبحث عنها ونحن نمشي في الحلمية، لا تنظر فقط إلى اسم العمارة، انظر إلى وجهها.
فالعمارة القديمة كانت تعطي للواجهة اهتمامًم كبيرًا، زخارف، نقوش، كرانيش، أعمدة، شرفات، حديد مشغول.
وأحيانًا تماثل هندسي شديد الدقة.
* كان المعماري يعرف أن المبنى لا ينبغي أن يكون صالحًا للسكن فقط…
بل يجب أن يكون جميلًا في عيون المارة أيضًا.
وهنا تظهر قيمة العمارة التاريخية.
فالمدينة كانت تُبنى لتُعاش
وتُرى… وتُحَب.

من الباشوات إلى المثقفين، ومن القصور إلى البيوت
ومع مرور السنوات تغير سكان الحلمية.
لم تعد حكرًا على طبقة واحدة.
سكنها أبناء الطبقة الوسطى، والمثقفون، ورجال السياسة، وأجيال من الأسر المصرية، وبقيت بعض القصور والعمائر شاهدة على زمن الباشوات.
وتصف المصادر الحديثة الحي باعتباره مكانًا تعاقبت فيه طبقات اجتماعية مختلفة، من أبناء الباشوات إلى المثقفين ورجال السياسة ثم أجيال لاحقة من سكان القاهرة.
وهنا تكمن روعة التاريخ الاجتماعي للمكان.
فالقاهرة لا تتغير بهدم المباني فقط.
بل تتغير أيضًا بتغير البشر الذين يسكنونها.
قصر الفقراء حكاية أخرى من حكايات الحلمية
ومن القصص الجميلة التي بقيت في ذاكرة الحي حكاية أحد القصور التي عُرفت لاحقًا باسم «بيت الفقراء»
وتروي صحيفة الأهرام أن القصر كان قد شيده إبراهيم لطيف باشا، ثم آلت ملكيته في أواخر الأربعينيات إلى رافع محمد رافع، الذي أطلق عليه اسم «بيت الفقراء» بمعنى الفقراء إلى الله، وظهرت عليه عبارات ذات طابع روحي وصوفي.
* يا لها من مفارقة جميلة!
قصر من عالم الباشوات، ثم يحمل اسمًا يقول: الفقراء إلى الله.
وهنا تشعر أن الحلمية لا تحكي تاريخ السلطة فقط، بل تحكي أيضًا تحولات الروح والمجتمع.
الحلمية… القريبة من قلب الحكم، ولعل من أهم ما يميز المنطقة موقعها.
فقد ارتبطت بالمناطق القريبة من القلعة، ثم لاحقًا بقلب القاهرة الحديثة ومقر الحكم في قصر عابدين.
وهذا القرب جعلها جاذبة لسكنى فئات من أصحاب النفوذ والوجاهة الاجتماعية.
فالذي يعيش قريبًا من مركز القرار، يكون قريبًا من قلب الأحداث.
ولهذا لا عجب أن تحمل شوارع الحلمية ذكريات رجال دولة، وباشوات، ومثقفين، وأسر كان لها حضور في الحياة المصرية.
لكن أجمل ما في الحلمية، هو أن القصر لم يبتلع الإنسان.
فمهما تحدثنا عن الباشوات والسرايات، لا ينبغي أن ننسى أن الحي في النهاية كان وسيظل حيًا بالناس.
الطفل الذي خرج إلى المدرسة، والبائع الذي فتح دكانه، والجار الذي يعرف جاره.
والأسرة التي عاشت عشرات السنين في البيت نفسه، والرجل المسن الذي يستطيع أن يقول لك:
“هنا كان القصر، وهنا كانت الحديقة، وهنا كان الطريق”
هذا الرجل قد لا يكون مؤرخًا بالمعنى الأكاديمي
لكنه يحمل في ذاكرته جزءًا من تاريخ المكان، وهنا تصبح الذاكرة شفوية، وهذه الذاكرة مهمة جدًا، فكم من معلومة عن القاهرة القديمة لم تصل إلينا في كتاب؟
وكم من حكاية بقيت في صدور سكان الأحياء؟
وكم من اسم شارع حفظ قصة مبنى اندثر؟
لهذا فإن دراسة الحلمية لا ينبغي أن تقتصر على القصور والعمائر.
بل يجب أن تشمل أيضًا تاريخ سكانها وحكاياتهم وصورهم القديمة ووثائقهم وذكرياتهم.
لأن التراث الحقيقي ليس حجرًا فقط.
التراث ذاكرة أيضًا.
عمارة تقول: أنا من زمن جميل
إذا مشيت اليوم في الحلمية، لا تبحث عن القصور وحدها، انظر إلى العمائر القديمة، إلى الشرفات، إلى الزخارف.
إلى الواجهات التي ما زالت تقاوم الزمن.
بعضها يحمل ملامح العمارة الأوروبية التي دخلت القاهرة في عصر النهضة العمرانية، وبعضها يحتفظ بتفاصيل محلية واضحة.
وهنا نجد القاهرة وهي تفعل ما تجيده دائمًا، تأخذ من العالم… ثم تصنع منه شيئًا مصريًا.
* الحلمية حين كان للجمال عنوان:
– كان المبنى قديمًا يُصمم ليعيش عقودًا طويلة.
– وكان صاحبه يهتم بواجهته.
– والمعماري يهتم بتفاصيله.
– والصانع يضع يده في الزخرفة.
– والنجار يصنع الأبواب.
– والحداد يشكل المشغولات.
– والجصّاص يزين الأسقف والجدران.
فتتجمع مهارات كثيرة في مبنى واحد.
ولهذا فإن العمارة التاريخية ليست عمل شخص واحد.
إنها ثمرة مجتمع كامل من الحرفيين والفنانين والمعماريين.






