عزت أبراهيم يكتب: قراءة في مرحلة جديدة بالشرق الأوسط
إدماج دولة بحجم إيران في نظام إقليمي ودولي منظم قد يكون أقل تكلفة وأكثر استدامة من سياسة الاحتواء المفتوح أو الحروب المتكررة

صورة تعبيرية للمقال
أعتقد أن مؤشرات الاتفاق المنتظر بين الولايات المتحدة وايران الذي يشمل صفقة كبري في المستقبل يستدعي قراءة غير متعجلة لكنها مهمة وضرورية لفهم السياسات الواقعية والصورة الأكبر التي تحكم سلوك الأطراف المنخرطة في الصراع الحالي
الإيكونومست: إيران لم تعد تخاف الحرب
علاء عوض يكتب: الإمارات تمول طهران وتترك نتنياهو وحيداً
1. ينطلق السيناريو الذي اطرحه من فرضية بسيطة:
لا تستطيع أي دولة، مهما بلغت قوتها أو حجم مواردها، أن تحقق تنمية مستدامة وهي معزولة عن الاقتصاد العالمي.
لذلك قد تصبح الحاجة إلى الاندماج في الأسواق الدولية والتكنولوجيا والاستثمارات أقوى تدريجياً من اعتبارات الصراع الأيديولوجي أو الشعارات الثورية، وهو ما يجعل مقولة هاشمي رفسنجاني فيرمن سابق بأن
“لا دولة تستطيع أن تتطور في عزلة”
مفتاحاً لفهم التحولات المحتملة داخل إيران.
2. يبتعد هذا التصور عن القراءة التقليدية التي تفترض أن الهدف الأمريكي النهائي هو إسقاط النظام الإيراني، بدلاً من ذلك واشنطن قد تجد مصلحة أكبر في تغيير سلوك إيران لا تغيير نظامها.
فإدماج دولة بحجم إيران في نظام إقليمي ودولي منظم قد يكون أقل تكلفة وأكثر استدامة من سياسة الاحتواء المفتوح أو الحروب المتكررة.
3. يستند هذا المنطق إلى سوابق تاريخية في السياسة الأمريكية
حيث نجحت واشنطن في تحويل خصوم سابقين إلى شركاء داخل النظام الدولي عبر أدوات الاقتصاد والاستثمار والمؤسسات الدولية، وليس فقط عبر القوة العسكرية.
الدولة المرتبطة بمصالح اقتصادية واسعة تصبح أكثر حرصاً على الاستقرار وأقل ميلاً إلى المغامرة.
4. تدفع الظروف الداخلية الإيرانية نفسها في اتجاه هذا الاحتمال.
فقد خلقت سنوات العقوبات الطويلة ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متراكمة، وأصبح تحسين مستويات المعيشة وتوفير فرص العمل واستقطاب التكنولوجيا ورؤوس الأموال تحديات لا يمكن معالجتها عبر خطاب المقاومة وحده، مهما كانت شعبيته لدى بعض الفئات.
5. تمتلك إيران من المقومات الاقتصادية والبشرية ما يؤهلها للتحول إلى واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في الشرق الأوسط إذا أزيلت القيود المفروضة عليها.
فهي تجمع بين الثروة النفطية والغازية، والقاعدة الصناعية، والموقع الجغرافي، والكتلة السكانية الكبيرة، ومستوى التعليم المرتفع نسبياً، وهي عناصر تجعل الاندماج الاقتصادي فرصة استراتيجية وليست مجرد خيار تكتيكي.
6. لا يعني الانفتاح المحتمل نهاية الهوية الإسلامية للجمهورية الإيرانية
بل قد يعني تحولاً تدريجياً في ترتيب الأولويات.
فقد تتراجع مركزية الخطاب الثوري لصالح خطاب يركز على التنمية الوطنية والرخاء الاقتصادي وتعزيز مكانة الدولة عبر الإنجاز الاقتصادي بدلاً من الصراع المستمر.
7. يطرح هذا السيناريو فكرة أن الشرعية السياسية نفسها يمكن أن تتغير مصادرها مع مرور الوقت.
فالشرعية التي تأسست لعقود على فكرة الثورة والمواجهة
قد تجد نفسها مضطرة إلى الاعتماد بصورة أكبر على النمو الاقتصادي وتحسين جودة الحياة ورفع مستويات الدخل باعتبارها أدوات جديدة للحفاظ على الاستقرار الداخلي.
8. تتحول “صفقة هرمز” في هذا الإطار من مجرد اتفاق لضمان حرية الملاحة إلى مشروع سياسي وأمني واقتصادي واسع يعيد تعريف العلاقات في الخليج بأكمله.
فلا تصبح المضائق مجرد ممرات بحرية، وإنما تتحول إلى أساس لبناء منظومة إقليمية جديدة قائمة على المصالح المشتركة.
9. يمكن أن تتضمن أي صفقة كبرى اعترافاً متبادلاً بالمصالح الأمنية لجميع الأطراف، بحيث تحصل إيران على اعتراف بدورها الإقليمي المشروع، مقابل التزام واضح بعدم تهديد الملاحة الدولية أو استخدام الوكلاء المسلحين كأدوات لفرض النفوذ أو زعزعة استقرار الجوار.
10. يشكل رفع العقوبات بصورة تدريجية أحد أهم عناصر هذا التصور،
إذ يرتبط كل تقدم اقتصادي بخطوات متبادلة يمكن التحقق منها في الملفات الأمنية والإقليمية والنووية
بما يحول العلاقة من لعبة صفرية إلى عملية تفاوض مستمرة تقوم على مبدأ المكاسب المتبادلة.
11. يفتح الانفتاح الاقتصادي الباب أمام إعادة تشكيل المجتمع الإيراني نفسه.
فدخول الاستثمارات الأجنبية وتوسع القطاع الخاص وزيادة حركة السياحة والتعليم والتكنولوجيا والتبادل الثقافي يخلق مصالح اجتماعية واقتصادية جديدة تدفع باتجاه مزيد من الاستقرار والانفتاح على العالم.
12. تستفيد الولايات المتحدة من هذا التحول أيضاً، لأنها تقلل من احتمالات الحروب المكلفة في الخليج
وتخفض المخاطر التي تهدد أسواق الطاقة العالمية، وتخفف الحاجة إلى وجود عسكري دائم ومكلف، وتعيد توجيه الموارد نحو أولويات استراتيجية أخرى.
13. تستفيد دول الخليج بدورها إذا نجحت هذه المعادلة
لأن استقرار مضيق هرمز يخفض تكاليف التأمين والشحن والطاقة، ويشجع الاستثمار طويل الأجل، ويحول المنطقة من ساحة للتوترات العسكرية إلى مركز للنقل والخدمات اللوجستية والطاقة العالمية.
14. لا يلغي هذا السيناريو المنافسة الإقليمية، ولكن يعيد تنظيمها داخل قواعد أكثر استقراراً.
فالتنافس على النفوذ سيستمر، لكن عبر الاقتصاد والاستثمار والمشروعات العابرة للحدود والتكنولوجيا والتجارة، بدلاً من الحروب بالوكالة والتصعيد العسكري المستمر.
15. تبقى العقبة الأكبر داخل إيران نفسها
حيث نشأت خلال عقود العقوبات شبكات مصالح سياسية واقتصادية وأمنية استفادت من اقتصاد العزلة ومن خطاب المواجهة، وقد ترى في أي انفتاح واسع تهديداً مباشراً لمواقعها ونفوذها ومصادر دخلها.
16. تواجه الفكرة أيضاً معارضة قوية داخل الولايات المتحدة وبعض العواصم الإقليمية
إذ يخشى كثيرون من أن يؤدي تخفيف الضغوط إلى منح إيران موارد إضافية تمكنها من تعزيز نفوذها الإقليمي بدلاً من تعديل سلوكها، وهو تخوف يصعب تجاهله في أي مفاوضات مستقبلية.
17. لا يقدم التاريخ ضمانات بأن الاندماج الاقتصادي يؤدي بالضرورة إلى تحول سياسي ليبرالي.
فقد أثبتت تجارب عديدة أن بعض الدول استطاعت الانفتاح اقتصادياً مع الاحتفاظ بأنظمتها السياسية الخاصة
وهو ما يعني أن الهدف الواقعي قد يكون تغيير السلوك الخارجي أكثر من تغيير طبيعة النظام الداخلي.
18. يكمن التحدي الحقيقي في بناء منظومة أمن إقليمي لا تقوم على استبعاد إيران ولا على هيمنتها
وإنما على مبدأ التوازن والاعتراف المتبادل والمصالح المشتركة.
ويحتاج نجاح مثل هذه المنظومة إلى ضمانات دولية وإقليمية وآليات دائمة لإدارة الأزمات وتسوية النزاعات.
19. يحمل هذا التصور دلالة أوسع تتجاوز الملف الإيراني نفسه
إذ يعكس تحولاً محتملاً في التفكير الأمريكي من إدارة الأزمات عبر القوة العسكرية إلى إدارة التوازنات عبر الاقتصاد والترابط المؤسسي وبناء شبكات المصالح، وهي مقاربة قد تصبح أكثر جاذبية في عالم متعدد الأقطاب وأكثر تعقيداً.
20. يظل السؤال الحاسم في النهاية ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لإدماج إيران في نظام إقليمي ودولي أوسع
بل ما إذا كانت إيران نفسها مستعدة لإعادة تعريف مشروعها التاريخي بحيث تصبح التنمية والانفتاح والازدهار مصادر رئيسية للشرعية والقوة الوطنية إلى جانب الهوية والثورة والاستقلال.
وإذا تحقق ذلك، فقد لا تمثل أي صفقة حول مضيق هرمز مجرد اتفاق على أمن الملاحة، ولكن ربما تكون بداية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بأسره على أسس مختلفة تماماً عما عرفه الشرق الأوسط طوال العقود الماضية.






