نيران الجنوب تلتهم الخطوط الحمر
بين إصرار تل أبيب على فرض واقع أمني جديد بالدبابات، ورد الحزب بضربات صاروخية ونوعية عميقة، تتأرجح المنطقة بين التسوية الشاملة أو الانفجار الكبير.

صورة تعبيرية للتقرير
الجيش الإسرائيلي يتجاوز الليطاني وسط “حرب مسيرات” طاحنة
بيروت/ واشنطن — وكالات الأنباء
دخلت المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحزب الله مرحلة كسر عظم هي الأعنف والأكثر تعقيداً منذ بدء العمليات البرية، حيث اندمجت لغة الميدان المستعرة بلغة المفاوضات الشاقة الدائرة خلف الأبواب المغلقة في العاصمة الأمريكية واشنطن.
وفيما تشهد الجبهة الشمالية والجنوبية تصعيداً غير مسبوق تجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، تحولت أروقة وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى غرفة عمليات سياسية-عسكرية مكثفة
تشهد مباحثات وصفت بـ “الفرصة الأخيرة” لصياغة ترتيبات أمنية جذرية تحت وطأة مهلة الـ 45 يوماً المتبقية من اتفاق الهدنة المؤقتة الذي رعته إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وبين إصرار تل أبيب على فرض واقع أمني جديد بالدبابات، ورد الحزب بضربات صاروخية ونوعية عميقة، تتأرجح المنطقة بين التسوية الشاملة أو الانفجار الكبير.
“بيسنت” يرسم ملامح استراتيجية الخزانة الأمريكية
مدينة “صور” تحت وابل الإنذارات
الميدان مشتعل: نتنياهو يعلن تجاوز الليطاني وإستراتيجية “الأحزمة النارية”
على الصعيد العملياتي، فجّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مفاجأة سياسية وعسكرية ثقيلة خلال كلمته الأخيرة أمام الكابينيت
حيث أعلن رسمياً أن قوات الفرقة 36 في الجيش الإسرائيلي قد تجاوزت مجرى نهر الليطاني واستقرت في مواقع مرتفعة وحاكمة شمال النهر.
ولم يكتفِ نتنياهو بالإعلان الميداني، بل وجّه رسائل سياسية صارمة أكد فيها أن العمليات العسكرية لن تتوقف عند حدود الجنوب، بل ستستمر الضربات الجوية المركزة في ضاحية بيروت الجنوبية وعمق البقاع والشمال اللبناني، بهدف ما سماه “التفكيك الكامل والنهائي للقدرات الإستراتيجية لحزب الله”
وشدد نتنياهو على أن إسرائيل لن تقبل بأي صيغة دبلوماسية لا تمنح جيشه “حق الإنفاذ العسكري المباشر” وحرية الحركة البرية والجوية لضرب أي خرق مستقبلي، معتبراً أن الضغط العسكري هو الوقود الوحيد الذي يجبر الوفد اللبناني في واشنطن على تقديم التنازلات.
هذا الإعلان تُرجم على الأرض عبر قفزة قياسية في الهجمات الإسرائيلية بنسبة تجاوزت 110%
حيث نفذ سلاح الجو أحزمة نارية مرعبة حاصرت مدينة صور التاريخية بالكامل عقب أوامر إخلاء قسرية للسكان، وامتدت الغارات لتطحن بلدات النبطية، ودير قانون النهر، وكفر صير، وزوطر الشرقية التي توغلت فيها الدبابات الإسرائيلية.
وأعلن الجيش الإسرائيلي رسمياً تحويل كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الزهراني إلى “منطقة قتال نشطة” وسط غارات مكثفة أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين ورجال الإسعاف والدفاع المدني.
ليرتفع إجمالي عدد القتلى منذ بدء التصعيد إلى أكثر من 3200 قتيل، فضلاً عن تهجير ما يربو على 1.2 مليون مواطن لبناني يعيشون في ظروف إنسانية كارثية.
رد حزب الله: الساعات الماضية تلهب الجليل والعمق الإسرائيلي
في المقابل، لم يقف حزب الله مكتوف الأيدي أمام هذا التوغل، بل شن خلال الساعات القليلة الماضية سلسلة من الهجمات العسكرية الواسعة والنوعية التي وصفت بأنها الأشد تأثيراً منذ أسابيع، مستخدماً إستراتيجية دمج الصواريخ الثقيلة بالطائرات المسيرة الانقضاضية المبرمجة.
واستهدفت الهجمات الصاروخية المكثفة تجمعات للآليات والجنود الإسرائيليين في محاور التقدم عند أطراف بلدات الخيام وشمع وبنت جبيل.
حيث أكد الإعلام الحربي للحزب تدمير دبابتين من طراز “ميركافا” وجرافة عسكرية بضربات مباشرة بصواريخ موجّهة مضادة للدروع، ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في صفوف القوات المتوغلة اعترف الجيش الإسرائيلي ببعضهم.
وفي العمق، دوت صافرات الإنذار دون توقف في كامل مدن الجليل الأعلى والأدنى، وصولاً إلى خليج حيفا وعكا ونهاريا.
وأعلن الحزب عن تنفيذ هجوم جوي بسرب من المسيرات الانقضاضية النوعية استهدف قاعدة عسكرية لوجستية تابعة لقيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي وضواحي تل أبيب الشمالية.
مؤكداً أن المسيرات نجحت في اختراق منظومات الدفاع الجوي (القبة الحديدية ومقلاع داوود) وأصابت أهدافها بدقة.
وتأتي هذه الضربات المكثفة لترسخ معادلة “الاستنزاف تحت النار”، حيث يسعى الحزب لإثبات أن بنيته القيادية والعسكرية لا تزال قوية وقادرة على إلحاق خسائر فادحة بصفوف الاحتلال رغم الضربات الموجعة التي تلقاها ورغم وصول الدبابات إلى الليطاني.
كواليس البنتاغون: مفاوضات عسكرية معقدة لتفكيك لغم الجنوب
بالتوازي مع هذا الغليان الميداني، تحولت الأنظار إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث تجري داخل أروقة البنتاغون مباحثات أمنية وعسكرية بالغة السرية والحساسية برعاية مباشرة من القيادات العسكرية الأمريكية.
هذا المسار يمثل تحولاً جوهرياً، إذ انتقل الملف من المباحثات الدبلوماسية السياسية العامة إلى تفاوض تقني وعسكري مباشر تشارك فيه وفود رفيعة المستوى.
حيث يقود الوفد العسكري اللبناني العميد رودولف هيكل، القائد السابق لقطاع جنوب الليطاني في الجيش اللبناني.
في مواجهة وفد إسرائيلي يقوده يحيئيل لايتر، وبحضور قيادات من هيئة الأركان المشتركة الأمريكية.
وتشير التسريبات الواردة من كواليس البنتاغون إلى أن المفاوضات تجري على صفيح ساخن وتتركز حول التفاصيل المعقدة لتطبيق القرار الأممي 1701 ضمن خمسة ملفات شائكة الأساس فيها هو الأمن المستدام:
-الانسحاب وجدول التراجع: يضغط الوفد اللبناني لتحديد جدول زمني صارم وقصير لانسحاب القوات الإسرائيلية من كافة البلدات والمنطقة العازلة التي أنشأتها بعمق يتراوح بين 8 إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، معتبراً بقاء أي جندي إسرائيلي بمثابة احتلال يشرع المقاومة.
إستراتيجية انتشار الجيش اللبناني:
يتمحور النقاش حول خطة انتشار لواءين إضافيين من الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني بكامل عتادهم، ليكون الجيش هو القوة المسلحة الوحيدة والشرعية التي تدير الأمن، مع صلاحيات واسعة لتفتيش وإغلاق أي منشآت مشبوهة.
تفكيك بنية حزب الله والترسانة:
يصر الجانب الإسرائيلي، بدعم أمريكي، على وضع آليات واضحة لتفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله جنوب النهر، بما يشمل الأنفاق، ومستودعات السلاح، ومنصات الصواريخ، وضمان عدم إعادة بنائها أو تهريب السلاح عبر الحدود السورية اللبنانية.
التمويل والتمكين اللوجستي للجيش:
يناقش البنتاغون حزمة مساعدات مالية وعسكرية عاجلة ضخمة للجيش اللبناني، تشمل منظومات اتصالات متطورة، وآليات مدرعة، وأجهزة رصد ومراقبة، لتمكينه من ضبط الاستقرار ومنع انزلاق البلاد نحو صدامات داخلية أو حرب أهلية.
آلية الرقابة والإنفاذ الدولية:
تدور خلافات حادة حول طبيعة “اللجنة الدولية” التي ستشرف على تنفيذ الاتفاق؛ حيث تطلب إسرائيل تشكيل لجنة برئاسة أمريكية-فرنسية تملك الحق في التدخل الميداني المباشر والتفتيش دون إذن مسبق من السلطات اللبنانية.
وهو ما يرفضه الوفد اللبناني كونه يمس بالسيادة الوطنية، مطالباً بتفعيل دور قوات “اليونيفيل” الحالية وتوسيع صلاحيات التنسيق مع الجيش اللبناني فقط.
صراع الإرادات: السيادة في مواجهة الشروط التعجيزية
تتلاقى الخطوط الميدانية بالدبلوماسية في نقطة حرجة؛ فبينما يصر رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام على أن الوقف الفوري والشامل لإطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل هما الشرطان الأساسيان لشرعنة أي اتفاق أمني.
يرى حزب الله عبر نوابه في البرلمان أن هذه المفاوضات الجارية تحت ضغط النار تهدف إلى انتزاع مكاسب عسكرية لإسرائيل عجزت عن تحقيقها في الميدان.
الوضع الراهن يشير إلى أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة.
فإما أن تنجح الضغوط الأمريكية العسكرية في البنتاغون في جسر الهوة العميقة بين شروط إسرائيل الصارمة ومطالب لبنان السيادية.
أو أن تدفع لغة الميدان وتجاوز الليطاني نحو جولة جديدة من الحرب المفتوحة الشاملة التي لن تقتصر حدودها على جنوب لبنان.





