ميزان الردع والتفاوض بالنار بين أمريكا وإيران
هذا التلازم بين "التفاوض بالنار" وضبط النفس يعكس هشاشة الهدنة القائمة، حيث تسعى كل جبهة إلى تحسين شروطها التفاوضية قبل صياغة أي اتفاق دائم.

صورة تعبيرية للتقرير
وكالات الانباء – اخر الكلام
تعيش منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز على وقع معادلة معقدة تشابكت فيها لغة الصواريخ والمسيرات مع كواليس الدبلوماسية غير المباشرة.
وفي وقت تتسارع فيه الأنباء عن صياغة مسودة تفاهم أولية بين واشنطن طهران عبر وساطة باكستانية لإنهاء الحرب المستعرة منذ فبراير الماضي، عاد الميدان ليفرض كلمته بضربات عسكرية أميركية مباغتة استهدفت العمق الجنوبي لإيران.
هذا التلازم بين “التفاوض بالنار” وضبط النفس يعكس هشاشة الهدنة القائمة، حيث تسعى كل جبهة إلى تحسين شروطها التفاوضية قبل صياغة أي اتفاق دائم.
انفجارات بندر عباس تسبق الاتفاق
أولاً: كواليس ضربة “بندر عباس”.. الرواية الأميركية مقابل الرصد الإيراني
في تطور ميداني متسارع، نفذ الجيش الأميركي غارات جوية وصفت بالـ “مدروسة والدفاعية” استهدفت منشأة عسكرية إيرانية في مدينة بندر عباس الساحلية المطلة على مضيق هرمز الاستراتيجي.
الرواية الأميركية:
نقلت وكالة “رويترز” ووسائل إعلام أميركية عن مسؤول عسكري بارز (اشترط عدم كشف هويته) أن الدفاعات الأميركية اعترضت وأسقطت أربع طائرات مسيرة انتحارية أطلقتها إيران.
وأضاف المسؤول أن الغارة الجوية الأميركية اللاحقة استهدفت بدقة محطة تحكم أرضية في “بندر عباس” كانت تتأهب لإطلاق مسيرة خامسة.
وشددت واشنطن على أن هذه الخطوة جاءت لحياد تهديد مباشر وحتمي كان يستهدف الملاحة التجارية الدولية والقوات الأميركية المتمركزة في المنطقة.
مؤكدة في الوقت ذاته أن هذه العمليات تهدف إلى “حماية الهدنة” وتثبيت قواعد الردع وليس تفجير الوضع.
الرصد الإعلامي الإيراني:
من جهتها، أكدت وسائل إعلام إيرانية رسمية، من بينها وكالة “فارس” الأنباء المقربة من الحرس الثوري، سماع دوي ثلاثة انفجارات عنيفة في المناطق الشرقية لمدينة “بندر عباس”.
وأشارت المصادر الإيرانية إلى أن الانفجارات تلتها مباشرة حركة نشطة وتفعيل فوري لمنظومات الدفاع الجوي في المنطقة للتصدي للأهداف المعادية
ثانياً: مسودة التفاهم بين طهران وواشنطن.. بنود تحت المجهر
تزامن هذا التصعيد الميداني مع تسريبات بالغة الأهمية بثها التلفزيون الرسمي الإيراني حول ملامح مسودة وثيقة إطار غير رسمية لمذكرة تفاهم جرى التباحث بشأنها عبر الوسيط الباكستاني لإنهاء الصراع الدائر وإعادة الاستقرار الملاحي.
وفقاً للتقارير الإعلامية والمصادر الدبلوماسية، ترتكز مسودة وثيقة التفاهم المحتملة بين طهران وواشنطن على عدة نقاط جوهرية متمثلة في الفقرات التالية:
فيما يخص محور مضيق هرمز والملاحة الدولية
تنص المسودة على التزام الجانب الإيراني بإعادة حركة الشحن التجاري في المضيق الاستراتيجي إلى مستوياتها الطبيعية التي كانت سائدة ما قبل اندلاع الحرب، على أن يتم تنفيذ هذا الالتزام خلال مهلة زمنية أقصاها شهر واحد فقط.
أما بشأن الحصار البحري والتموضع العسكري
فإن الوثيقة تفرض في المقابل على الولايات المتحدة الأميركية سحب قواتها العسكرية المتواجدة في المحيط الجغرافي لإيران، مع التزام واشنطن الكامل بإنهاء الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية منذ الثالث عشر من أبريل.
وفي مسار الإطار القانوني والإداري لتنظيم حركة العبور،
تشير المسودة إلى أن إدارة حركة المرور الملاحي في المنطقة ستتم عبر خطة مشتركة وتنسيق ثنائي بين إيران وسلطنة عمان، مع النص صراحة على استبعاد مرور السفن العسكرية من هذه الترتيبات التسهيلية الخاصة بالملاحة.
وأخيراً، يحدد بند المدى الزمني للمفاوضات
تمنح الطرفين مهلة زمنية تمتد إلى 60 يوماً كحد أقصى للتفاوض والتوصل إلى اتفاق نهائي شامل، على أن يُصار بعد ذلك إلى اعتماد هذا الاتفاق رسمياً على المستوى الدولي عبر قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي.
ثالثاً: تباين المواقف الحاد.. بين الترحيب الإيراني والرفض الأميركي
على الرغم من التفاصيل المتقدمة التي حملتها المسودة المسربة، إلا أن ردود الفعل الرسمية جاءت لتؤكد حجم الفجوة الثنائية والتباين الجذري في تقييم الموقف:
الموقف الأميركي:
سارع البيت الأبيض إلى نفي دقة الرواية التي روج لها الإعلام الإيراني الرسمي، واصفاً التقارير الإيرانية التي تحدثت عن تفاصيل بنود الانسحاب ورفع الحصار بأنها “مفبركة بالكامل”.
وفي السياق ذاته، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال اجتماع لحكومته أن إيران ترغب بقوة في إبرام صفقة سريعة لإنقاذ وضعها الاقتصادي، مستدركاً بالقول:
“إننا لسنا راضين بعد عن المقترحات الإيرانية”.
وجدد ترامب تأكيده على بند أساسي غير قابل للنقاش وهو أن مضيق هرمز ممر مائي دولي ولن يُسمح لأي دولة بالسيطرة عليه أو فرض رسوم عبور تحت أي مسمى.
الموقف الإيراني:
تبدي طهران مرونة مشروطة إزاء هيكلية الاتفاق لكنها تصر على إقران أي خطوة بـ “تحقق ملموس” على الأرض لرفع العقوبات والحصار الأميركي.
وفيما أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن المسائل المعقدة كالملف النووي ونسب تخصيب اليورانيوم ومصير المخزون قد تؤجل إلى مرحلة لاحقة (خلال فترة الـ 60 يوماً أعقب التوقيع الإطاري)
فإن الأجنحة المحافظة داخل الحرس الثوري تبدي توجساً كبيراً، حيث سارعت وسائل إعلام تابعة له بنفي الصيغ المتداولة، معتبرة أن الأهداف الأميركية الإسرائيلية لا تزال تتمحور حول تقويض الجمهورية الإسلامية.
خلاصة المشهد تثبت الأحداث الأخيرة أن معركة مضيق هرمز لم تعد عسكرية بحتة، بل تحولت إلى أوراق ضغط دبلوماسية ثقيلة الوزن.
الضربات المتبادلة في بندر عباس تؤكد أن الجانبين، ورغم جلوسهما غير المباشر في قاعات التفاوض بإسلام آباد، يفضلان إبقاء أصابعهم على الزناد.
فالولايات المتحدة لن تقبل بصفقة تعيد تكرار النماذج السابقة، وإيران لن تتخلى بسهولة عن نفوذها البحري دون ثمن اقتصادي وسياسي باهظ وواضح.





