مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

كيف انقسمت واشنطن حول صفقة ترمب وطهران؟

كشفت ردود الفعل المتسارعة عن انقسامات حادة وتجاذبات تتجاوز التمترس الحزبي التقليدي.

مشاركة:
حجم الخط:

أحدث إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن قرب التوصل إلى مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز هزة ارتدادية عنيفة داخل المشهد السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة.

فبينما كان يسعى البيت الأبيض لتقديم الاتفاق كإنجاز تاريخي يعكس قدرة الرئيس على حسم الأزمات.

كشفت ردود الفعل المتسارعة عن انقسامات حادة وتجاذبات تتجاوز التمترس الحزبي التقليدي.

إذ وضعت الإدارة في مواجهة مباشرة ليس فقط مع خصومها الديمقراطيين، بل مع أشرس صقور الحزب الجمهوري وأركان إدارة ترمب السابقة.

يعكس هذا التحليل الخارطة المعقدة للمواقف الأمريكية، مبرزاً التباين الراديكالي في تفسير مفهوم “السلام عبر القوة” ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.

1. الانقسام الجمهوري: الصقور يحذرون من “كابوس أوباما” الجديد

شهد المعسكر الجمهوري شرخاً واضحاً بين القيادة التشريعية الحالية الداعمة للرئيس، والمجموعة العقائدية من “صقور الحزب” ومسؤولي الأمن القومي السابقين.

 المعسكر الداعم للبيت الأبيض:

تمثل في موقف رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، الذي سارع إلى إضفاء شرعية القيادة على خطوة ترمب، معتبراً أن “حافة الهاوية” العسكرية هي التي أرغمت طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، مراهناً على كاريزما الرئيس في تحقيق صفقة قوية.

 جبهة الرفض والتحذير من “الخطأ الكارثي”

قاد هذه الجبهة أقطاب بمجلس الشيوخ مثل ليندسي غراهام وتيد كروز، إلى جانب رئيس لجنة القوات المسلحة روجر ويكر.

تمحورت انتقاداتهم حول فكرة أن القبول بمهلة الـ 60 يوماً وفتح المضيق يمثل تراجعاً غير مبرر يمنح النظام الإيراني قبلة حياة اقتصادية.

واعتبروا أن بقاء النظام قادراً على تخصيب اليورانيوم والتحكم الضمني بالمضيق سيتحول إلى “كابوس لإسرائيل” ويهدم إرث عملية “الغضب الملحمي” العسكرية، واصفين التراجع بأنه مؤشر ضعف يعيد للأذهان الاتفاق النووي لعام 2015.

وفي موقف لافت برز هجوم حاد من وزير الخارجية الأسبق مايك بومبيو، الذي اعتبر مسودة الاتفاق مستوحاة من مهندسي اتفاق إدارة أوباما (شيرمان ومالي ورودس)، مؤكداً أنها تمول الحرس الثوري ولا تمت بصلة لمبدأ “أمريكا أولاً”.

هذا الهجوم استدعى رداً هجومياً غير مألوف من المتحدث باسم البيت الأبيض ستيفن تشيونغ، مما يعكس عمق الأزمة داخل التيار المحافظ.

من جهته، ذهب جون بولتون إلى أبعد من ذلك بوصفه التفاوض بأنه “مضيعة للأكسجين” ومنح طهران فرصة لإعادة التسليح.

علاء عوض يكتب: الصمت الخليجي وسقوط المعادلة الإبراهيمية

د. محمد فؤاد يكتب: ميلانيا ترامب في دائرة الضوء

2. الموقف الديمقراطي: ترحيب حذر وانتقاد لجذور الحرب

اتسمت ردود فعل الحزب الديمقراطي بالبراغماسية؛ حيث تقاطعت مواقفهم مع رغبة الشارع الأمريكي في تجنب “الحروب الأبدية” وحماية الجنود في المنطقة.

براغماتية شومر:

رحب زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، بخفض التصعيد كخطوة لحماية القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، لكنه لم يفوّت الفرصة لتسجيل نقاط سياسية ضد ترمب، واصفاً الحرب منذ بدايتها بأنها كانت “غير قانونية، مكلفة، وبلا هدف واضح”

التخوف من التنازلات:

رغم ترحيب الديمقراطيين بوقف القتال، إلا أنهم حذروا الإدارة من تقديم تنازلات إستراتيجية قد تؤدي في النهاية إلى تعزيز قدرات طهران الإقليمية، مشيرين إلى تضارب التفسيرات حول ما ستؤول إليه النصوص النهائية للاتفاق.

3. القراءة التحليلية والإعلامية: بين الواقعية الاقتصادية ومقامرة البدائل

انقسمت التحليلات المركزية ومراكز الفكر (مثل المجلس الأطلسي) وكبار الدبلوماسيين (مثل دنيس روس) حول تقييم الجدوى الإستراتيجية للاتفاق:

أ. الرؤية الواقعية (اضطرار البدائل الأسوأ)

ترى هذه القراءة أن العودة إلى مسار الحرب المفتوحة كانت ستكبد الاقتصاد العالمي أضراراً جسيمة دون أي ضمانة حقيقية لاستسلام النظام الإيراني.

من هذا المنطلق، واجه ترمب معضلة “الخيارات السيئة”، ففضل القبول باتفاق مرحلي يعيد تدفق النفط عبر مضيق هرمز لتهدئة الأسواق العالمية، مع ترحيل ملف التخصيب والبرنامج النووي إلى المفاوضات المستقبلية.

ب. رؤية التشكيك الدبلوماسي

أشار السفير دنيس روس إلى أن الاتفاق لا ينهي البرنامج النووي بل يسعى للحد منه فقط، متوقعاً أن تعود إيران لممارسة “ألاعيبها السياسية” في المضيق بعد انقضاء فترة الهدنة، مما يجعل الاتفاق مجرد مسكن مؤقت وليس حلاً جذرياً.

تتجلى التباينات العميقة بين الأقطاب السياسية الأمريكية عند تفكيك مواقفها تجاه الملفات الإستراتيجية الثلاثة التي تشكل جوهر مسودة الاتفاق، حيث يظهر انقسام راديكالي في قراءة مستقبل النظام الإيراني، وإدارة أزمة مضيق هرمز، والتعامل مع الطموح النووي لطهران.

فيما يتعلق بمستقبل النظام الإيراني

يرى صقور الحزب الجمهوري والتيار المتشدد أن أي اتفاق يضمن بقاء النظام الحالي في السلطة ويمهد لتدفق مليارات الدولارات إلى خزائنه هو خطأ كارثي لا يمكن تبريره.

في حين تدافع إدارة البيت الأبيض عن رؤيتها بالقول إن هذا التفاهم يمثل فرصة سانحة لإعادة ضبط العلاقات الثنائية شريطة التفكيك الكامل لبرامج طهران المهددة للاستقرار.

بينما يركز الديمقراطيون في مقاربتهم على البعد الإنساني والعسكري المباشر، معتبرين أن الأولوية القصوى يجب أن تتمحور حول حماية القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة وتجنب الانزلاق نحو تصعيد عسكري غير محسوب.

 أما على صعيد أزمة مضيق هرمز وحرية الملاحة الدولية

فإن الجبهة الجمهورية المناهضة للاتفاق تنظر إلى خطوة إعادة فتح المضيق في ظل الشروط المطروحة باعتبارها استسلاماً صريحاً لسياسة الابتزاز الإيراني، ومؤشراً خطيراً يحمل في طياته تهديداً مباشراً لأمن إسرائيل الإستراتيجي

وعلى النقيض من ذلك، يرى البيت الأبيض في هذا التطور خطوة حيوية لا غنى عنها لفتح الملاحة وتأمين حركة التجارة وحماية الاقتصاد العالمي من الركود

وهو ما يتقاطع جزئياً مع الموقف الديمقراطي الذي رحب بالخطوة بوصفها بادرة إيجابية وضرورية لخفض حدة التوترات الإقليمية السائدة.

 وفيما يتصل بالملف النووي وهو المحور الأكثر تعقيداً وحساسية،

يبدي الصقور الجمهوريون ريبة شديدة، محذرين من أن نصوص المسودة الحالية قد تمنح شرعنة مبطنة وغير مقبولة لقدرات إيران في مجال تخصيب اليورانيوم

بينما يتمسك البيت الأبيض بموقفه الحازم مؤكداً أن الاتفاق يتضمن التزاماً صارماً وحاسماً يمنع طهران من امتلاك أي سلاح نووي ويجبرها على إزالة اليورانيوم عالي التخصيب من أراضيها بالكامل

في حين يقف الديمقراطيون في منطقة وسطى، يعبرون فيها عن ترحيبهم بوقف إطلاق النار لكن مع إبداء قلق وتوجس مشروع من تقديم الإدارة لتنازلات قد تفضي في النهاية إلى تعزيز قدرات طهران وتطوير برامجها تحت غطاء الدبلوماسية.

ترمب بين مطرقة الإرث وسندان الواقعية

تضع مسودة هذا الاتفاق الرئيس دونالد ترمب أمام اختبار حقيقي لمفهومه الخاص عن الدبلوماسية.

فبينما يصر البيت الأبيض على أن الهدف النهائي هو تفكيك البرنامج النووي بالكامل وإخلاء إيران من اليورانيوم المخصب

فإن الضغوط الداخلية -خاصة من حلفائه التقليديين- تتهمه بالتخلي عن مبدأ “الضغط الأقصى” وقبول تسوية تجميلية.

تظهر الردود الأمريكية الشرسة أن معركة ترمب الحقيقية قد لا تكون في طهران، بل في أروقة الكونغرس ومنصات الإعلام بواشنطن

حيث سيتعين عليه إثبات أن هذا الاتفاق هو بالفعل “صفقة القرن” وليس تراجعاً تكتيكياً فرضته حسابات النفط والانتخابات.

شارك المقال: