كاتب وكتاب
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

ترامب ظاهرة أم خلل؟

خطر ما يطرحه الكتاب هو توصيف ترامب كرجل بلا “قصة”، ككائن سياسي يعيش في اللحظة فقط، لا تحكمه ذاكرة ولا يقيّده منطق

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة في كتاب The Strange Case of Donald J. Trump

بينما ينشغل العالم بمتابعة التغريدات والقرارات المدوية للرجل البرتقالي ، ذهب عالم النفس الشهير دان ماك آدمز إلى ما هو أبعد من السياسة؛ ذهب إلى “المحرك الداخلي” الذي يحرك ساكن البيت الأبيض.

في كتابه المثير للجدل “The Strange Case of Donald J. Trump”، لا يقدم ماك آدمز هجوماً سياسياً، بل يقدم “مشرطاً” نفسياً يشرح به واحدة من أعقد الشخصيات في التاريخ الحديث.

إعصار نفسي يحطم الثوابت 

حين يغيب “السرد” وتتحول حياة القائد إلى حلقات منفصلة، لا نعود أمام رئيس دولة، بل أمام “إعصار” نفسي يقتات على تحطيم الثوابت.

في كتابه المثير للجدل، يضعنا بروفيسور “دان ماك آدمز” أمام الحقيقة العارية: ترامب ليس مجرد ظاهرة شعبوية، بل هو “فضيحة فكرية” كشفت عجز النظام العالمي عن مقاومة كائن سياسي يعيش في “الآن” فقط، متحرراً من عبء الماضي وضوابط المستقبل.

د. محمد فؤاد يكتب: همجية جنكيز خان ورعونة ترامب

د. محمد فؤاد يكتب: ميلانيا ترامب في دائرة الضوء

د. محمد فؤاد: اختراق “المنطقة المحرمة”

البوصلة المفقودة في لحظة الاغتيال 

هذا التحليل النفسي العميق يمنحنا “البوصلة” المفقودة لفهم لحظات مفصلية لم تكن عشوائية كما بدت: لحظة الاغتيال و” الصورة كبديل للحقيقة” في تلك اللحظة.

لم يتصرف ترامب كزعيم يخشى الفوضى، بل كفنان “استعراضي” يدرك أن الهيمنة تكمن في قوة المشهد ؛ حيث تحولت الدماء إلى وقود للنرجسية التي لا ترى في الأزمة إلا فرصة لإثبات أنها “الأعظم”

الحرب على إيران وسيكولوجية “التغريدة”

سيل التغريدات المتناقضة لم يكن تخبطاً سياسياً بقدر ما كان انعكاساً لغياب “البوصلة الداخلية”؛ فعندما يختفي الاتساق من الوعي، تصبح التغريدة الانفعالية هي القرار، ويصبح المزاج اللحظي هو الاستراتيجية البديلة للدولة.

سقوط الأقنعة وانهيار الدائرة المقربة:

إن تهاوي منظومة الحكم من حوله واستقالة “الرجال المقربين” لم يكن خللاً إدارياً، بل نتيجة حتمية لقيادة لا تملك “قصة متصلة”، مما جعل المؤسسة تترنح أمام قائد يحول “التناقض إلى مرونة” و”الاندفاع إلى حسم قيادي” زائف.

نحن أمام “إشارة تحذير” لمستقبل تآكلت فيه الثقة وانهارت فيه النخب.

إن كارثة ترامب الحقيقية ليست في شخصه، بل في النظام الذي تكيّف مع هذا الخلل النفسي وحوّله إلى نموذج قيادي، معلناً بذلك نهاية السياسة التي نعرفها وصعود زمن “الهيمنة بالصورة” على حساب الحقيقة.

دان ماك آدمز.. العالم الذي تجرأ على “تأطير” الإعصار

قبل أن نبحر في تفاصيل الكتاب، يجب أن نعرف من هو المؤلف ؟
دان ماك آدمز ليس صحفياً يبحث عن “خبطة”، بل هو بروفيسور في جامعة نورث وسترن ورائد علم نفس الشخصية.

عُرف بنظريته حول “الهوية السردية” أي كيف يصنع البشر قصصاً لحياتهم. لكنه حين اصطدم بظاهرة ترامب، وجد نفسه أمام حالة “تكسر” كل النظريات التي وضعها طوال مسيرته، مما دفعه لتأليف هذا الكتاب الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد.

“الرجل العرضي” سر اللغز الذي حير واشنطن

المفهوم الأبرز الذي يطرحه الكتاب هو وصف ترامب بـ “الرجل العرضي” (The Episodic Man). يرى ماك آدمز أن ترامب يعيش في “حلقات منفصلة”؛ هو لا يملك قصة حياة متصلة، بل يعيش كل لحظة كمعركة قائمة بذاتها.

لماذا يناقض نفسه؟ لأنه بالنسبة له، الماضي لا يهم، والمستقبل بعيد، المهم هو “الانتصار في اللحظة الراهنة”

هذا التحليل يفسر سرعة تقلب مواقفه التي يراها خصومه “كذباً”، بينما يراها ماك آدمز “طبيعة نفسية” لشخص يعيش في “الآن” فقط.

حين تصبح السياسة مسرحًا… لا نظامًا

ما يكشفه كتاب The Strange Case of Donald J. Trump ليس مجرد محاولة لفهم شخصية رئيس أمريكي مثير للجدل، بل فضيحة فكرية مكتملة الأركان لنظام سياسي كامل سمح- بل واحتضن- صعود شخصية لا تنتمي بأي شكل إلى المعايير التقليدية للقيادة,

إذ لا نتحدث هنا عن زعيم شعبوي عادي، بل عن حالة تكشف أن السياسة الحديثة لم تعد تقوم على البرامج أو المؤسسات أو حتى الحد الأدنى من الاتساق، بل على القدرة على السيطرة على المشهد، ولو على حساب الحقيقة نفسها.

رجل بلا ماضٍ… بلا مستقبل… فقط حاضر صاخب

أخطر ما يطرحه الكتاب هو توصيف ترامب كرجل بلا “قصة”، ككائن سياسي يعيش في اللحظة فقط، لا تحكمه ذاكرة ولا يقيّده منطق.

تلك ليست مجرد ملاحظة نفسية، بل مفتاح لفهم كيف يمكن لشخص أن يناقض نفسه يوميًا دون أن يخسر جمهوره، لأن المشكلة ليست في التناقض، بل في اختفاء فكرة الاتساق من الوعي السياسي نفسه.

هذا ليس خللًا في ترامب وحده، بل في بيئة تسمح بأن يتحول التناقض إلى: مرونة , والكذب إلى “رواية بديلة” والاندفاع إلى “حسم قيادي”

النرجسية كأداة حكم… لا كعيب

الكتاب يلمّح، وربما دون أن يصرّح بالكامل، إلى حقيقة أكثر خطورة: أن نرجسية ترامب لم تكن عائقًا أمام صعوده، بل كانت وقوده الأساسي.

ففي زمن يشعر فيه قطاع واسع من الجمهور بالتهميش، يصبح القائد الذي يعلن نفسه “الأعظم” هو الأكثر قدرة على جذبهم.

ليس لأنه صادق، بل لأنه يعكس ما يريدون تصديقه عن أنفسهم، وهنا تتحول السياسة إلى: علاقة نفسية… لا علاقة عقلانية.

قائد يقول “أنا لا أخطئ”، وجمهور يرد “نحن لا نريدك أن تخطئ”.

انهيار المعنى… وصعود الاستعراض

ما يفضحه الكتاب فعليًا هو أن ترامب ليس سوى عرض لمرض أعمق: انهيار فكرة “المعنى” في السياسة.

حيث لم يعد مطلوبًا من القائد أن يشرح، بل أن يهيمن، ولم يعد الجمهور يبحث عن برنامج، بل عن إحساس بالقوة—even لو كان وهميًا.

في هذا السياق، تصبح: التغريدة قرارًا، والانفعال سياسة، والظهور إعلاميًا بديلاً عن الفعل الحقيقي
وهنا لا يعود السؤال: هل ما يقوله صحيح؟ بل يصبح: هل يبدو قويًا وهو يقوله؟

قيادة بلا بوصلة… ونظام بلا مقاومة

واحدة من أخطر نتائج هذا النموذج- كما يكشف الكتاب- هي أن غياب السردية الداخلية عند ترامب انعكس مباشرة على نمط قيادته.

حيث تتحول القرارات إلى ردود فعل، والاستراتيجيات إلى مزاج لحظي، وهو ما كان كفيلًا- في أي نظام آخر- بإسقاطه سريعًا، لكن المفارقة أن النظام السياسي نفسه لم يقاوم، بل تكيّف.

وهنا تظهر الحقيقة الصادمة: المشكلة ليست في القائد… بل في النظام الذي يستطيع استيعابه

ترامب ليس استثناءً… بل مقدمة

أخطر ما يمكن استخلاصه من الكتاب ليس ما يقوله عن ترامب، بل ما يقوله عن المستقبل، لأن هذا النموذج- القائد اللحظي، النرجسي، المتحرر من أي اتساق- لم يعد استثناءً أمريكيًا، بل أصبح قابلًا للتكرار في أي نظام سياسي يعاني من: تآكل الثقة , انهيار النخب , سيطرة الإعلام على الوعي.

بمعنى آخر: ترامب ليس حادثة… بل إشارة تحذير

الخلاصة: نهاية السياسة كما عرفناها

في جوهره، هذا الكتاب ليس عن ترامب بقدر ما هو عن نهاية شكل كامل من السياسة، حيث لم يعد الصراع بين أفكار، بل بين صور.

لم تعد المعركة على الحقيقة، بل على من يملك القدرة على إعادة تعريفها، وهو ما يجعل السؤال الحقيقي الذي يطرحه الكتاب- ولو ضمنيًا- ليس: كيف وصل ترامب إلى الحكم؟

بل: كيف أصبح ذلك ممكنًا أصلًا؟
ترامب ليس لغزًا… بل نتيجة، والكارثة الحقيقية ليست فيه، بل في العالم الذي جعله ممكنًا.

شارك المقال: