مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: أمريكا وإيران خيارات الحرب والدبلوماسية

أننا لا نتحدث هنا عن مجرد جولة تفاوض، بل عن صدام إرادات بين إدارة أمريكية يقودها دونالد ترامب بمنطق "الصفقة الكبرى أو القوة القصوى" ونظام إيراني يرى في التنازل تحت الضغط انتحاراً سياسياً.

مشاركة:
حجم الخط:

بينما تحبس العواصم العالمية أنفاسها، تتحول مدينة إسلام آباد إلى مسرح لأخطر مناورة جيوسياسية في القرن الحادي والعشرين.

على وقع هدير الطائرات الأمريكية “F-35” التي تطوق الأجواء الإيرانية، وصمت المدافع المؤقت الذي تفرضه هدنة هشة تنتهي صلاحيتها في غضون ساعات، يبدو المشهد كأنه سباق محموم بين “دبلوماسية اللحظة الأخيرة” وطبول حرب شاملة قد تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط.

إننا لا نتحدث هنا عن مجرد جولة تفاوض، بل عن صدام إرادات بين إدارة أمريكية يقودها دونالد ترامب بمنطق “الصفقة الكبرى أو القوة القصوى” ونظام إيراني يرى في التنازل تحت الضغط انتحاراً سياسياً.

د. أيمن خالد يكتب: هدنة إعادة كتابة مفاتيح القوة

د. أيمن خالد يكتب: من التفاوض إلى فرض الوقائع بالقوة

د. أيمن خالد يكتب: القانون أم القوة؟

1. خطة ترامب العسكرية:

لم يعد الوجود العسكري الأمريكي في محيط إيران مجرد استعراض للقوة، بل تحول وفقاً لوكالات الأنباء العالمية (رويترز وبلومبرغ) إلى “حصار بحري مطبق” يستهدف شل حركة الصادرات والواردات الإيرانية تماماً.

بوجود حاملتي الطائرات “أبراهام لينكولن” و”جيرالد فورد”، وأكثر من 27 قطعة بحرية قتالية، فرضت واشنطن ما يشبه “المنطقة العازلة” حول الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل 2026.

هذا التحشيد الذي يشمل قاذفات “B-2” الشبحية في قواعد “موفق السلطي” و”العديد”، يضع إيران تحت “مشرط” عسكري جاهز للاستئناف فور انتهاء الهدنة في 22 أبريل، مما يجعل أي تفاوض في إسلام آباد يجري عملياً “تحت فوهة المدفع”

2. لغز إسلام آباد: غياب فانس ووصول “مهندسي الصفقات”

أحدث رصد لوكالات الأنباء يشير إلى تحول دراماتيكي في تركيبة الوفد الأمريكي؛ فاعتذار نائب الرئيس “جي دي فانس” عن الحضور، وإرسال ترامب لمهندس “اتفاقات أبراهام” جاريد كوشنر برفقة المبعوث ستيف ويتكوف، يعطي إشارة مزدوجة.

تحليلياً، يشير هذا إلى أن واشنطن تجاوزت مرحلة “التهديد البروتوكولي” إلى مرحلة “صياغة العقود”.

ترامب يريد اتفاقاً يحمل بصمة رجاله الموثوقين، بعيداً عن تعقيدات البيروقراطية التقليدية، لكن غياب فانس قد يُفسر أيضاً كعدم رغبة واشنطن في إعطاء شرعية سياسية عليا للمفاوضات قبل التأكد من جدية الجانب الإيراني، مما أبقى الباب موارباً أمام خيار التصعيد.

3. العناد الإيراني: التفاوض بكرامة “اللون الأحمر”

على المقلب الآخر، تتبع طهران استراتيجية “الرفض النشط”. وكالة “تسنيم” الإيرانية أكدت أن الوفد الإيراني لم يغادر طهران، مشترطاً “إجراءات بناء ثقة” مالية قبل الجلوس.

هذا الموقف ليس مجرد مناورة، بل هو انعكاس لقلق داخلي عميق من أن الجلوس مع إدارة ترامب بعد ضربات 2025 العسكرية قد يُفهم كاستسلام.

استشرافياً، تعتمد إيران على “ورقة الوقت” فهي تدرك أن ترامب يحتاج لإنجاز سريع، لذا فهي ترفع سقف مطالبها (رفع تجميد 10 مليارات دولار) لاختبار مدى صبر البيت الأبيض وقدرته على تحمل تبعات فشل الهدنة.

4. معضلة الطاقة وهرمز: خيار شمشون الاقتصادي

يبقى مضيق هرمز هو المتغير الأكثر رعباً في هذه المعادلة. التقارير الصادرة عن مراكز الرصد الاقتصادي تشير إلى أن أسعار النفط قفزت بنسبة 3% بمجرد تسرب أنباء عن تعثر وصول الوفد الإيراني.

إن التهديد الإيراني برفع حالة التأهب في المضيق إلى “اللون الأحمر” يعني أن أي فشل في إسلام آباد سيتبعه فوراً محاولات لتعطيل الملاحة الدولية.

واشنطن تدرك أن “الحرب الاقتصادية” قد ترتد عليها في الداخل الأمريكي، وهو ما يجعل مساحة المناورة ضيقة للطرفين فإيران تخشى الغرق الاقتصادي الكامل، وترامب يخشى انفجار أسعار الطاقة قبل الانتخابات.

5. القوى الجانبية: الوسطاء بين نارين

تلعب باكستان، بمساندة خفية من الصين والسعودية، دوراً محورياً في منع الانهيار الكامل للمسار الدبلوماسي.

إسلام آباد تحاول تسويق صيغة “النفط مقابل الاستقرار”؛ حيث تسمح واشنطن بتصدير كميات محددة من النفط الإيراني مقابل تجميد طويل الأمد للتخصيب النووي بضمانة صينية.

لكن التحليل الاستشرافي يشير إلى أن دور هؤلاء الوسطاء يصطدم بمطالب إسرائيلية متشددة ترفض أي اتفاق لا يتضمن “تفكيكاً كاملاً” للقدرات الصاروخية والنووية، مما يجعل “الضمانات الجانبية” غير كافية لطمأنة طهران أو ردع واشنطن.

6. الرؤية الاستشرافية: اتفاق اضطراري أم عودة لمعارك ترامب؟

بناءً على المعطيات الميدانية والسياسية حتى هذه اللحظة، يتأرجح المستقبل بين مسارين:

المسار الأول (المرجح): “تمديد تقني للهدنة”. نظراً لضيق الوقت (أقل من 24 ساعة)، قد يتم التوصل لاتفاق مؤقت بضغط صيني-باكستاني يمدد وقف إطلاق النار لسبعة أيام أخرى مقابل تنازلات أمريكية “رمزية” (مثل الإفراج عن أرصدة إنسانية) مما يتيح للوفود التقنية صياغة مسودة اتفاق.
* المسار الثاني (التصادم): إذا أصرت إيران على المقاطعة، فإن “عملية الغضب الملحمي” الأمريكية قد تدخل مرحلتها الثانية بضربات جراحية تستهدف مراكز القيادة والسيطرة ومنشآت التخصيب المتبقية، لفرض “اتفاق إذعان” بالقوة العسكرية الصرفة.

خلاصة:

إن مفاوضات إسلام آباد ليست مجرد لقاء دبلوماسي، بل هي نقطة التحول الكبرى في صراع دام عقوداً. وسواء انتهت بمصافحة تاريخية بين كوشنر وقاليباف، أو بدخان الصواريخ فوق منشأة فوردو، فإن العالم بعد 22 أبريل 2026 لن يكون كما قبله.

المنطقة الآن فوق فوهة بركان، والقرار النهائي ينتظر إشارة واحدة: إما من البيت الأبيض أو من بيت القائد في طهران.

فيما تشير (رويترز/أسوشيتد برس) بأن الوفد الأمريكي يبدأ الآن مشاورات مع القادة العسكريين الباكستانيين، بينما تبقى الأجواء فوق الخليج مشحونة بطائرات الاستطلاع التي لم تغادر السماء منذ الفجر.

شارك المقال: