أحمد رجب شلتوت يكتب: سيرة المدينة بأصوات نسائها
يعيد تعريف الحركة النسوية في مصر فبدلًا من التركيز على رموز مثل هدى شعراوي، يقترح وجود "نسوية موازية" نشأت في المسارح والكباريهات، لكن هذه الرؤية تطرح مفارقة لافتة:

غلاف كتاب منتصف الليل في القاهرة
منتصف الليل في القاهرة
في كتابه “منتصف الليل في القاهرة: نجمات مصر في العشرينيات الصاخبة”، (ترجمه إلى العربية علاء الدين محمود، وصدر عن الكتب خان 2024) يحاول الباحث البريطاني “رفاييل كورماك” قراءة التحولات الكبرى من خلال تفاصيل الحياة اليومية، ليكتب فصوله من حي الأزبكية، حيث المسارح والكباريهات، في هذا الإطار، يهتم الباحث بالمغنيات، وبإعلانات الصحف وقصاصات المجلات، ويكتب عن حي الأزبكية باعتباره نموذجًا مصغرًا لمصر الحديثة.
فكل التحولات الكبرى التي عرفتها البلاد – من مشروع التحديث في عهد الخديوي إسماعيل، إلى الاحتلال البريطاني، إلى ثورة 1919، وصولًا إلى ما بعد 1952 – تنعكس، بشكل أو بآخر، في هذا الحي، كفضاء كوزموبوليتاني يلتقي فيه الشرق بالغرب، والطبقة العليا بالطبقات الشعبية، والفن بالجسد، والتحرر بالاستغلال.
يقول كورماك في المُقدّمة أنّ فصول كتابه تحكي حكاية منسيّة عن المسرح والغناء والرّقص، تُظهر الشّرق الأوسط الحديث من زاوية مُختلفة، لا تُهيمن عليها الحُروب أو المثقفون أو الرجال العظماء أو السياسة العليا، بل ليالٍ متأخّرة في الكباريهات وموسيقى صاخبة ونساء يُطالبن بالتغيير.
وهو بذلك يعيد تعريف الحركة النسوية في مصر فبدلًا من التركيز على رموز مثل هدى شعراوي، يقترح وجود “نسوية موازية” نشأت في المسارح والكباريهات، لكن هذه الرؤية تطرح مفارقة لافتة: هل يمكن اعتبار العمل في فضاءات الترفيه – التي غالبًا ما تقوم على تسليع الجسد – شكلًا من أشكال التحرر؟ أم أن هذا “التحرر” نفسه مشروط ببنية ذكورية تستفيد منه؟ كورماك لا يقدّم إجابة حاسمة، لكنه يلمّح إلى أن النساء كنّ ضحايا للنظام، لكنهن أيضًا كن فاعلات داخله.
كتاب جديد (النهار والشجن): إطلالات على عالم أسامة أنور عكاشة
أحمد رجب شلتوت يكتب: حينما يعيد الإبداع صياغة الهوية
أحمد رجب شلتوت: تحولات المجتمع المصري من خلال ثقافة الكاسيت
كشف التناقضات
يعتمد الكتاب بشكل أساسي على تتبع سير عدد من الفنانات، هذه السير تتشابك لتكتب تاريخ صناعة الترفيه في مصر، تتميز هذه المعالجة بقدرتها على كشف التناقضات، فالفنانة قد تكون نجمة لامعة على المسرح، لكن حياتها الشخصية مضطربة؛ ورغم شهرتها تخضع لضغوط اجتماعية قاسية؛ وقد تحقق ثروة ثم تنتهي في عزلة وفقر.
تقدم روز اليوسف نموذجًا فريدًا للانتقال الحاد من التمثيل إلى الصحافة والسياسة. ابنة لأب تركي مسلم ونشأت في أسرة مسيحية، وجدت نفسها وحيدة في الإسكندرية في بداية القرن العشرين، وعرفت طريقها إلى عالم المسرح، ثم أسست مجلتها التي أصبحت واحدة من أبرز مجلات القاهرة في فترة ما بين الحربين.
يشير كورماك إلى تناقضاتها، فقد وظفت رسومًا كاريكاتورية مسيئة للنساء وأدارت المجلة بطاقم من الرجال فقط، لكن قصتها تظل في النهاية قصة انتصار لامرأة استطاعت أن تصنع مكانتها في مجتمع لم يكن ليتخيل وجودها فيه.
تمثل بديعة مصابني، صاحبة “كازينو بديعة” الشهير، الوجه الآخر للحداثة: حداثة صاخبة، جسدية، تتحدى الأعراف علنًا. كان كازينو بديعة، الواقع في ميدان الأوبرا، أبرز ملاهي القاهرة الليلية، حيث التقت الثقافات والجنسيات.
تُعد منيرة المهدية أول امرأة مصرية مسلمة تظهر على خشبة المسرح، وهو ما كان يمثل تحدّيًا جريئًا للأعراف الاجتماعية في ذلك الوقت. قادت فرقتها المسرحية الخاصة، وقدمت أعمالًا نالت شعبية واسعة، وعُرفت بشخصيتها القوية حتى إنها أرسلت بلطجية لتأديب أحد النقاد الذين أساءوا إليها.
هذه الازدواجية بين الفنانة المبدعة والشخصية الصارمة تجعل من سيرتها نموذجًا للتعقيد الذي يميز شخصيات الكتاب.

صدام نسوي
تمثل هدى شعراوي نموذجا بارزا للنسوية الرسمية، وقد وصفها الكتاب بأنها “نموذجًا نسائيًا من سعد زغلول”، لكنه يرسم لها صُورة أخرى في أحد فُصول الكتاب، حين يسرد حكاية الفنانة فاطمة سري، التي أحبها محمّد شعراوي بك ابن هدى شعراوي، وتزوج منها وأنجبت منه طفلا، لكن أم البك رفضت هذه الزيجة وأنهتها بالطلاق ولم تعترف بالطفل فخاضت فاطمة سري، معركة قانونية استمرت قرابة عقد لإثبات نسب طفلها، وهي أول قضية من نوعها في مصر، واستطاعت، بدعم من الأموال التي جنتها من الغناء، أن تكسب القضية، الأهم من ذلك، أنها نشرت روايتها التفصيلية للعلاقة الفاشلة وولادة الطفل,
مسار مواز
في قراءة لافتة، لا يضع رفاييل كورماك أم كلثوم في مواجهة مع عالم الملاهي الليلية، بل يراها تمثل مسارًا موازيًا داخل نفس اللحظة التاريخية. فإذا كانت شخصيات مثل بديعة مصابني تمثل الحداثة الصاخبة، فإن أم كلثوم تمثل حداثة أكثر حذرًا، أكثر قابلية للاندماج داخل القيم الاجتماعية السائدة.
يركز الكتاب على قدرة أم كلثوم على الجمع بين الأصالة والتجديد. فهي تستند إلى تراث الإنشاد والتلاوة، لكنها في الوقت نفسه تنخرط في مشروع تحديث الأغنية العربية.

اللافت في تحليل كورماك هو تركيزه على “غياب” الجسد في أداء أم كلثوم. فجسدها، مقارنة بغيرها من النجمات، يكاد يكون “محتجبًا”، ويعتمد حضورها على الصوت وحده، وليس الإيماءة أو الحركة.
لكن هذا “الغياب” الجسدي يسمح لها بأن تحضر بقوة دون أن تصطدم مباشرة بالقيود الأخلاقية المفروضة على جسد المرأة. فاختفاء الجسد لا يعني غيابه، بل تحوّله إلى صوت، إلى طاقة سمعية تعيد تشكيل العلاقة بين الفنان والجمهور.
لا يتعامل الكتاب مع أم كلثوم بوصفها أسطورة جاهزة، بل يكشف كيف صُنعت هذه الأسطورة عبر الزمن. من خلال الإدارة الذكية لمسيرتها، واختيارها الدقيق للنصوص والألحان، وبناء علاقتها بالجمهور، استطاعت أن تتحول من مغنية ناشئة إلى رمز وطني.
وهنا، يربط كورماك بين صعودها وبين تحولات أوسع في المجتمع المصري، حيث بدأت الحاجة إلى رموز ثقافية تعبّر عن هوية وطنية حديثة. في هذا السياق، لم تكن أم كلثوم مجرد فنانة، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملاً.
يبدو إدراج أم كلثوم وروز اليوسف في كتاب يركّز أساسًا على “نجمات الليل” وكأنه خروج عن موضوعه، لكنه يمثل خطوة منهجية من رفاييل كورماك لتوسيع إطار القراءة، فالكتاب لا يسعى فقط إلى تأريخ عالم الكباريهات والمسارح، بل إلى فهم الكيفية التي أعادت بها النساء، بمختلف مواقعهن، تشكيل المجال العام في القاهرة الحديثة.
وأخيرا و رغم الجهد التوثيقي الكبير الذي بذله الباحث واعتماده على مذكرات وصحف وأرشيفات متنوعة، فإن أحد أبرز الانتقادات التي يمكن توجيهها للكتاب تتمثل في ميله أحيانًا إلى تغليب الطابع الحكائي القائم على “النوادر” والسير الشخصية، على حساب التحليل الاجتماعي والسياسي العميق.
كما أنه نظر إلى الماضي نظرة “رومانسية” فقدم العشرينيات وكأنها زمن ذهبي بلا تناقضات، كما أن التركيز على النجمات دفعه إلى إهمال فئات أخرى من النساء اللواتي كنّ جزءًا من هذا المشهد دون أن يحظين بالشهرة نفسها.






