آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

زلزال هرمز (28) تصدع الجغرافيا السياسية

بينما كان غبار المواجهة في مضيق هرمز يحجب الرؤية عن رادارات المحللين التقليديين، كانت الارتدادات العنيفة تضرب بعمق في "وعي العواصم" من تايبيه إلى طوكيو، ومن برلين إلى سيول

مشاركة:
حجم الخط:

هل بدأت حقبة “الواقعية الكبرى”؟

بينما كان غبار المواجهة في مضيق هرمز يحجب الرؤية عن رادارات المحللين التقليديين، كانت الارتدادات العنيفة تضرب بعمق في “وعي العواصم” من تايبيه إلى طوكيو، ومن برلين إلى سيول.

لم يكن ما حدث في هرمز مجرد اشتباك حدودي أو أزمة طاقة عابرة، بل كان “انفجاراً للحقيقة” وضع حداً نهائياً لأوهام الحماية العابرة للمحيطات.

دماء الشعوب ليست عملة في البورصة 

حقيقة أن دماء الشعوب لم تعد عملة مقبولة في بورصة شركات السلاح، وأن المظلات الأمنية الدولية ليست سوى سراب يتبخر عند أول صدام مع القوى الحقيقية.

اليوم نرقب مشهداً سريالياً لم يتوقعه أعتى المنظرين: تايوان التي كانت “خندق الغرب” تيمم شطر بكين بحثاً عن سلام ذاتي، وأوروبا “العجوز” تنفض غبار التبعية لتبحث عن أمنها الجماعي الخاص.

سقوط عصر الوكالة 

في تحول دراماتيكي يعلن رسمياً سقوط عصر “الوكالة” وبزوغ فجر “الواقعية الكبرى”

فهل أدرك العالم العربي أن قواعد اللعبة قد دُفنت تحت ركام زلزال هرمز؟

سفن حربية أميركية تعبر مضيق هرمز دون تنسيق مع إيران لأول مرة منذ اندلاع الحرب

المفاوضات مستمرة حتى الغد

نتنياهو يهاجم أردوغان والرئيس التركي يرد: مجرم قاتل

تقرير نيو يورك تايمز : اليرنامح النووي وجنوب لبنان تهدد الاتفاق والهدنة

أولاً: تايوان.. كسر الاصنام وبراغماتية الكومينتانغ تختار الحياة

في مشهد حبس أنفاس العالم، من واشنطن إلى بكين، لم تكن زيارة رئيسة حزب الكومينتانغ (KMT) إلى البر الصيني مجرد حدث بروتوكولي أو مناورة انتخابية سريعة.

لقد كانت “إعلاناً تاريخياً عن خيار البقاء”.. وصفت مصادر دبلوماسية اللقاء بأنه كان “مشحوناً بالواقعية الصلبة”. جلس الوفد التايواني، لا كطرف مهزوم، بل كطرف “مستفيق”

لم يتم التباحث حول “الاستقلال” – الذي أصبح انتحاراً – بل حول “هندسة البقاء”. طرحت بكين عرضها الأقوى: “الانضمام السلمي الشامل مقابل الحكم الذاتي الموسع”

وتضمنت المفاوضات تفاصيل دقيقة حول الحفاظ على النظام الاقتصادي والاجتماعي للجزيرة، وقواتها الأمنية الذاتية، وصوتها في المنظمات الدولية، تحت مظلة “الصين الواحدة”.

نجحت الزيارة في انتزاع التزام صيني بـ “التنمية المشتركة” وتخفيف المناورات العسكرية فوراً، مقابل تجميد تايبيه لصفقات السلاح الاستفزازية مع الغرب.

2. رعب في واشنطن وارتياح في بكين

تجاوزت ارتدادات هذا اللقاء حدود المضيق، لتحدث هزة عنيفة في مراكز القرار العالمي:

في واشنطن:

سادت حالة من “الذهول الاستراتيجي” والغضب المكتوم. رأت الإدارة الأمريكية في هذه الخطوة انهياراً كاملاً لسياسة “الاحتواء” التي مارستها لعقود، وخسارة لأهم “أوراق الابتزاز” في المحيط الهادئ. لقد وصفت دوائر في البنتاغون الزيارة بأنها “طعنة في ظهر الأمن الجماعي” الذي تقوده الولايات المتحدة.

 في بكين:

تم الاحتفاء بالزيارة كـ “انتصار للعقل والحكمة الآسيوية”. رأت الصين فيها إثباتاً على أن “التاريخ يسير في الاتجاه الصحيح”، وأن “الوحدة الحتمية” يمكن أن تتحقق دون إراقة دماء، مما يعزز موقفها كقطب عالمي مسؤول ومستقر.

شعبياً ونخبوياً في تايوان:

انقسم الشارع، لكن التيار الجارف كان نحو البراغماتية. بدأ الوعي الجمعي يدرك أن دماء أبنائهم لن تكون ثمناً لنمو أرباح مجمعات التصنيع العسكري الأمريكية، وأن “توازن المصالح” مع الجار العملاق أجدى بكثير من الرهان على “وعد بحماية” قد يتبخر عند أول صدام حقيقي، كما حدث في هرمز.

الدرس التايواني 

إن الدرس التايواني المعمق هو إنذار شديد اللهجة لكل دولة تعتمد على “عكاز خارجي”.

فإذا لم تكن قوتك نابعة من توازناتك الإقليمية المباشرة، وقدرتك على التفاوض من موقع الندية أو المصلحة المشتركة، فستظل وجودك مجرد “رهينة” في بورصة القوى العظمى، وسيتم التضحية بك بمجرد أن تقتضي الضرورات الاستراتيجية للأقطاب ذلك.

تايوان اختارت أن تكون “شريكاً في الوحدة” بدلاً من أن تكون “ضحية للمواجهة”.

ثانياً: ” دبلوماسية الانحناء”.. حين أطفأت طوكيو وسيول محركات الانتحار بالوكالة

في مشهد سريالي تجاوز خيال أعتى المنظرين، قدمت كوريا الجنوبية اعتذاراً رسمياً ومفاجئاً لجارتها الشمالية، في خطوة وصفت بأنها “الخروج الكبير” من عباءة التبعية الامريكية .

خلف كواليس المفاوضات: لم يكن اللقاء مجرد بروتوكول، بل كان “مواجهة مع الحقيقة” في المنطقة المنزوعة السلاح.

قاعدة الانطلاق لسيول 

أدركت سيول أن تحولها إلى “قاعدة انطلاق” متقدمة للصراعات الدولية يعني تحويل معجزتها الاقتصادية إلى رماد في دقائق.

المفاوضات تركزت على صياغة “ميثاق تعايش جغرافي” يضمن لسيول أمنها مقابل كف يد الحليف البعيد عن العبث بالاستقرار الإقليمي.
ردود الفعل الصادمة: وقع هذا الاعتذار كالصاعقة في واشنطن؛ إذ اعتُبر “خيانة استراتيجية” لمنظومة الأحلاف.

لكن بالنسبة لسيول، كان الأمر بسيطاً ومرعباً في آن واحد: “المصالحة مع الجغرافيا (الشمال) أجدى من المقامرة بالوجود لصالح استراتيجيات عابرة للمحيطات”

2. اليابان وتفكيك صنم “الساموراي الوظيفي”

طوكيو، التي كانت حتى أمد قريب تنفض الغبار عن دستورها السلمي وتستعد لتقمص دور “كلب الحراسة” في مواجهة التنين الصيني، اصطدمت فجأة بحائط الواقعية الصلب.

طاولة الحسم مع بكين: في اجتماعات مغلقة اتسمت بالحدة والواقعية، أدركت القيادة اليابانية أن موازين القوى الجديدة لا ترحم “المقامرين”.

المواجهة مع الصين انتحار استراتيجي 

المواجهة مع الصين، في ظل تآكل مصداقية الحماية الخارجية، هي “انتحار استراتيجي” كامل الأركان.

تراجعت طوكيو عن لغة الصدام، وبدأت في هندسة “توازن قوى بارد” يحمي أرخبيلها من التحول إلى ساحة معركة لتصفية حسابات القوى العظمى.

بدأ اليابانيون في سحب فتيل التصعيد في بحر الصين الشرقي، مفضلين دور “القطب المتزن” على دور “الوكيل المستفز”.

لقد أدركت اليابان أن حماية وجودها الفعلي تقتضي التوقف عن الركض وراء طموحات الآخرين التي تنتهي دائماً بترك “الوكلاء” يواجهون مصيرهم وحدهم.

ثالثاً: أوروبا والبحث عن “الاستقلال الاستراتيجي”

لم تكن أوروبا بعيدة عن هذه الارتدادات؛ فقد بدأت القارة العجوز تشعر بوطأة “فاتورة الحروب بالوكالة”.. لم تعد العواصم الأوروبية تثق في أن بوصلة واشنطن تتطابق مع مصالحها القومية.

هناك حراك صامت لكنه عميق نحو بناء مفهوم “الأمن الجماعي الخاص”، بعيداً عن الانخراط في مغامرات عسكرية قد تحرق القارة في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.

رابعاً: مأزق الدول العربية والإسلامية.. استدراك اللحظة أو ضياع التاريخ

إن ما يحدث عالمياً هو “إعادة ضبط” قسري لنظام القوى، وعدم إدراك الدول العربية والإسلامية لهذه المتغيرات يضعها في مهب ريح كارثة تاريخية جديدة.

إن تجربة هرمز والتحولات الآسيوية تؤكد أن “الشرعية الأمنية” لا تُستورد من الخارج، بل تُنتزع من خلال التوافقات الإقليمية الكبرى والقوة الذاتية.

تصفير المشاكل في الإقليم العربي 

على الدول العربية أن تتعلم من “سياسة الاعتذار” والوحدة السلمية في الشرق؛ فالحل يبدأ من تصفير الأزمات البينية وبناء كتلة إقليمية قادرة على التفاوض مع الأقطاب الجديدة كشريك لا كتابع.

إن زلزال هرمز لم يهز الأرض فحسب، بل هز العروش الفكرية التي قامت عليها منظومة “الأحلاف الوهمية”. نحن أمام عالم جديد تحكمه “القوة الذاتية” و”التوازن الإقليمي”.

الشعوب العربية والمستقبل 

الشعوب التي أدركت حقيقة أنها كانت “ورقة للعب” بدأت في سحب تلك الورقة، فهل تستوعب العواصم العربية والإسلامية الدرس قبل أن يغلق التاريخ أبواب الفرص الأخيرة؟

إن عدم إدراك هذا التغير ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو خطيئة وجودية

شارك المقال: