رواية على محمد علي الراعي (5)
جلس عبدون يراقب، وفي يده العصا نفسها، لكنها بدت أثقل، عاد الكبش، وعادت النعجة، بلا استعجال، بلا تخفٍّ، كأن الأرض نفسها تفسح لهما مكانًا.

تصميم لرواية الراعي عن طريق الذكاء الاصطناعي
حصريا موقع (آخر الكلام)
صباح يوم جديد
في الصباح بدا كل شيء كما تركه، العريشة في مكانها، الظل قصيرًا، والبئر يشهق كلما أُلقي فيه الدلو، القطيع كان أهدأ من المعتاد.
كأن الأمس لم يقع، أو كأنه وقع وانتهى شأنه.
جلس عبدون يراقب، وفي يده العصا نفسها، لكنها بدت أثقل، عاد الكبش، وعادت النعجة، بلا استعجال، بلا تخفٍّ، كأن الأرض نفسها تفسح لهما مكانًا.
الكبش يفعلها
نهض الصبي، تقدّم خطوتين، وغرس العصا في الرمل، قال الكلمة ذاتها، خرجت هذه المرة أقل حدة، أقرب إلى الرجاء منها إلى الأمر.
لم يتوقّف الكبش، لوّح عبدون بالعصا، ضرب الهواء، اقترب أكثر مما ينبغي.
رفع الحيوان رأسه، نظر إليه طويلاً، نظرة خالية من المعنى، لكنها كانت أوسع من كل ما تعلّمه الصبي،كأنها تحذير، ثم أكمل.
عبدون ينكسر
تجمّد عبدون، لم يتراجع، ولم يتقدّم، شيء ما انكسر في داخله، ليس غضبًا، بل عجزًا فاضحًا، تراجع خطوة، ثم خطوة أخرى.
جلس، لم ينظر بعيدًا، بل ظلّ شاخصًا، كأنه يُجبَر على المشاهدة عقابًا، لم يشعر بالقرف، ولا بالفضول، ولا بالدهشة.
شعر بشيء أخطر:
– أن الكلمة التي قالها أمس لم تكن كلمة الله، بل كلمته هو، وأنها لا تعمل دائمًا، حين انتهى الأمر، عاد الحيوانان إلى القطيع كأن شيئًا لم يكن، أما عبدون فلم يعد كما كان.
عودة أبو الفضل
في المساء، لم يمسك العصا، تركها ملقاة عند باب العريشة، جلس قرب البئر، غسل يديه مرات متتالية
من غير وسخ.
حين سمع صياحًا بعيدًا، لم يتحرّك، فقط تمتم، بصوت خفيض، كأنه يخاطب نفسه أو شيئًا فيه:
– يمكن… مش كل حاجة حرام بتقف، وسكت، ولأول مرة لم يشعر أن الله كان قريبًا.
صندوق المؤن
جاء أبو الفضل بيه في الضحى، حين استقرت الشمس فوق الصحراء بلا رحمة، تشهد وتراقب، وصلت السيارة كما في كل مرة، غبار يسبقها، وصمت يرافقها.
خرج عبدون من ظل العريشة قبل أن يُنادى عليه.
لم يحمل العصا، تركها حيث سقطت في اليوم السابق.
فتح السيد صندوق السيارة وأفرغ المؤن: أكياس دقيق، معلبات مصفوفة بعناية، سكر وشاي، قماش جديد، حذاء جلدي أكبر من قدم الصبي بدرجتين.
الحياة استمرار مش حرام
كان المشهد كفيلًا بأن يغيّر إحساس عبدون بالبيت الصغير، وكأن المؤن وحدها أعطت المكان وزنًا.
جلس السيد على الكرسي الوحيد، وأشار بيده كعادة قديمة، بدأ الحديث عن العلف والماء وكبشٍ سمن أكثر مما ينبغي، ثم وقع بصره على الحيوانين نفسيهما.
قال الصبي فجأة، بلا تمهيد:
– حاولت أمنعهم… ما وقفوش.
لم يرفع السيد رأسه فورًا، أشعل سيجارة، نفث الدخان في الهواء، ثم قال بهدوء:
– تمنع إيه؟
– اللي بيعملوه… الحرام.
ضحك السيد، ضحكة قصيرة، جافة، لا تحمل سخرية ولا عطفًا، ثم قال:
– ده مش حرام، دعهم… لو ما عملوش كده الغنم تموت، والنعاج لو ما ولدتش القطيع يقف، واللي يقف إحنا نموت معاه.
رواية علي محمد علي: الراعي (2)
رواية علي محمد علي الجديدة: الراعي (1)

النفع والطاعة
صمت الصبي، الكلمة الأخيرة استقرت في رأسه أكثر من الأولى، ثم قال، مترددًا:
– يبقى… يبقى للنوع الثاني دور مهم.
رفع السيد رأسه، نظر نظرة طويلة، مصححة:
– لا… مالهاش دور، هي فقط وسيلة زي النعجة بالضبط، وأضاف: القيمة في اللي يملك، والفعل في اللي يقود، مش في اللي يُستَخدَم، كده تقع حكمة الله وتحصل المنفعة.
نظر عبدون إلى الأكياس المكدّسة، قال بخفوت:
– وكل ده… عشان النفع؟
أومأ السيد:
– النفع والطاعة وجهين لعملة واحدة، اللي ينفع يطيع، واللي يطيع يُكافأ.
ثم كلم الصبي كمن يلقي نصيحة أخيرة:
– إوعى تفكر كتير، التفكير يفتح أبواب… مش كلها تؤدي للجنة.
نهض، مسح الغبار عن بنطاله، ثم نظر إلى الجمال المربوطة بعيدًا:
– قرب، جه وقت تتعلّم حاجة تنفعك.
الجمل
تقدّم الصبي، وأمسك السيد يد الجمل:
– الجمل مخلوق للطاعة، يشيل أكتر من طاقته ولا يشتكي، ومن يعرف يركب الجمل، يعرف يركب الدنيا.
أمسك عبدون باللجام، شدّ عليه بقوة، وارتفع جسده عن الأرض لأول مرة، لم يشعر بالفرح ولا الرهبة، بل انفصالًا خفيفًا عن المكان الذي كان يظنه عالمه كله.
قال السيد من أسفل:
– بص قدامك، من ينظر تحت… يقع.
عاد عبدون إلى الأرض بعد دقائق، جلس على الرمل قرب المؤن، لم يمسك العصا، فقط تمتم:
– يمكن… مش كل حاجة حرام بتقف.
لم يشعر بالذنب، ولم يشعر بالطمأنينة، لكنه شعر لأول مرة أن الكلمة ليست واحدة في فم الجميع، وأن الحرام قد يتبدّل حسب الحاجة.
في الداخل، بقيت المؤن المكدّسة، وحرارة الشمس، وصمت الصحراء، كأنها تراقب الصبي، وتنتظر الخطوة التالية.
السقوط تعليم
كان جسده قد اعتاد الطول فجأة.
اثنا عشر عامًا لا تكفي ليُصدّق المرء أنه صار أعلى من الأرض بهذا القدر، ولا تكفي ليُتقن التوازن.
شدّ عبدون اللجام كما قيل له، لكن الجمل لم يفهم هذه المرة الشدّ على أنه طاعة، بل إزعاجًا، تحرّك الحيوان فجأة، خطوة جانبية، ثم أخرى، كأن الأرض تميل تحته وحده، حاول الصبي أن ينظر أمامه، لكن الخوف كان أسرع من الوصية، نظر تحت، وفي اللحظة نفسها سحبه الجمل، ثم أفلت.
سقوط أخر
سقط عبدون على الرمل، ليس سقوطًا بطوليًا، ولا مدوّيًا، بل سقطة قصيرة، خالية من المجد، كأن الأرض كانت تنتظره، ظلّ ممدّدًا لحظة.
السماء فوقه واسعة أكثر مما ينبغي، والصمت أثقل من جسده، سمع السيد يقول من بعيد، بلا استعجال:
– قوم، السقوط تعليم.
نهض عبدون، لم يبكِ، لم يشكُ، مسح الرمل عن كفيه، وشعر أن شيئًا ما انكسر، لكن ليس عظمًا، عاد الجمل إلى مكانه، هزّ رأسه، كأن السقطة لم تعنه، أما الصبي فحمل في داخله وزنها كاملًا.
عاد الصمت للصحراء
حين رحل السيد، عاد الصمت إلى الصحراء، لكنّه لم يعد صمتًا بريئًا، تقدّم عبدون نحو القطيع، لم يحمل العصا، تركها خلفه، كأنها لم تعد تنفع.
اقتربت الأغنام، تشمّ، تنظر، تتحرّك بحرية لا تنتظر إذنًا، رأى الكبش نفسه، رأى النعجة نفسها، لم يتحرّكا هذه المرة خفية، ولا بتحدٍّ، تحرّكا كما لو كان العالم خاليًا من الكلمات.
الطاعة والسيطرة
وقف عبدون في مواجهتهما، لم يقل “حرام”، لم يقل شيئًا، رفع يده فقط، توقّف الكبش لحظة، ثم أكمل، لم يشعر الصبي بالغضب، ولا بالخجل، شعر بأن القطيع لا يراه أصلًا، وأن وجوده بينهم
وجود زائد.
تراجع خطوة، ثم جلس على الأرض، راحت الأغنام تمرّ من حوله، تحتكّ بثيابه، تلامس ساقه، تواصل حياتها، في تلك اللحظة فهم عبدون أمرًا بلا كلمات:
أن الطاعة ليست طبيعة، وأن السيطرة تحتاج ما هو أكثر من عصا وكلمة، مدّ يده إلى الرمل، قبض عليه، ثم تركه يتسرّب بين أصابعه.
لم يسأل الله.
لم ينادِ السيد.
لم يستدعِ الأشباح.
فقط جلس، بين قطيع لا يعترف به، وجمل لا يحمله، وكلمة لا تعمل دائمًا، وعرف من غير أن ينطق، أن السقوط ليس من فوق الجمل فقط، وأن الحراسة أصعب مما قيل له.
باحث عن نظام
في المساء، حين مالت الشمس وتركَت للصحراء ظلًّا خفيفًا يشبه الوهم، جلس عبدون قرب العريشة، لا داخلها ولا خارجها، لم يعد يفكّر في العصا، ولا في الجمل، ولا في الكبش، كان يفكّر في الفراغ الذي تركته الكلمة حين لم تعمل.
نظرة أخرى جديدة
نظر إلى القطيع طويلًا، لا كراعٍ، بل كمن يبحث عن خطأ في نظام كامل، ثم نهض، لم يرفع صوته، لم يلوّح بيده، لم يقل “حرام”، قال شيئًا آخر:
– كل واحد… توقّف قليلًا، كأنه يجرّب اللغة، كل واحد له وقت، لم يفهم أحد، ولا كان مطلوبًا أن يفهموا.
اقترب من العريشة، فتح بابها الخشبي نصف فتحة، ثم أغلقه، قسّم المكان بعينيه: ظل هنا، وشمس هناك.
يوم جديد يطل عليه
في الصباح التالي بدأ التنفيذ، لم يمنع الحيوان من شيء، ولم يأمره بشيء، كان فقط يؤخّر، إذا تحرّك الكبش نحو النعجة، لم يقل لا، بل وقف بينهما لحظة، كأن الزمن نفسه تعثّر.
إذا اقتربت الماعز من الماء، تركها تشمّ الحوض، ثم أزاحه قليلًا، حتى تهدأ، لم يكن تحريمًا، ولا سماحًا، كان تنظيمًا بلا سبب معلن في رأسه، لم يسمّها قاعدة، بل عدلًا.
قال في نفسه:
– ربنا يحب النظام.
لم يسأل نفسه من أين جاءت الجملة، اكتفى بأنها تصلح.
بعد إيام فهم القطيع
بعد أيام، صار القطيع ينتظر، لا لأنه فهم، بل لأنه تعوّد، صار عبدون يقف في المنتصف، لا أعلى ولا أدنى، لكن موجود.
شعر للمرة الأولى أن الأرض لا تسحبه، وأن الجمل لم يعد مهمًا، وفي الليل، حين تمدّد قرب البئر، عاد الصوت القديم، لا شبحًا هذه المرة، بل فكرة:
– اللي ما يعرفش يمنع، ينظّم.
ابتسم عبدون ابتسامة صغيرة، لم يرها أحد، ولم يعرف أنه اخترع قاعدته الأولى لا ليحمي القطيع، بل ليحتمي هو من سقوط آخر.
في الأيام الأولى بدت القاعدة ناجحة، القطيع صار أهدأ، الحركة أبطأ، والصوت أقلّ.
عبدون شعر بشيء يشبه الرضا، ليس لأنه صار أقوى، بل لأن العالم توقّف عن مفاجأته، لكن الهدوء لم يكن طاعة، كان انتظارًا.





