القواعد العسكرية الأجنبية وسيادة الدولة في القانون الدولي
قد أصبحت القواعد العسكرية الأجنبية ظاهرة بارزة في النظام الدولي المعاصر، خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، وبداية الحرب الباردة

صورة تعبيرية من وحي المقال
أثارت الهجمات التي شنتها إيران علي بعض مظاهر التواجد العسكري الأمريكي في دول الخليج مناقشات متعددة ، حيث ذهب رأي إلي اعتبار ذلك بمثابة عدوان إيراني علي سيادة تلك الدول ، بينما تذرعت إيران بأن تلك القواعد الأمريكية في الخليج تستخدم لشن هجمات عليها ، ولها الحق وفق القانون الدولي في الدفاع عن النفس والرد علي مواقع العدوان أينما كانت ، بل وأضاف البعض أن الهجمات التي تشن علي إيران من تلك القواعد تعطي لإيران أيضا الحق في مطالبة دول الخليج بالتعويض عن خسائرها المدنية المادية والإنسانية .
وفي البداية أؤكد أن القواعد العسكرية ليست منتجعات سياحية .! ، وإنما هي تمثل بشكل أو بآخر إمتدادا إقليميا للدولة التي أنشأت تلك القواعد لخدمة أهدافها الإستراتيجية ، وما يترتب علي ذلك من نتائج تتعلق بالمسؤولية القانونية .
لقد أصبحت القواعد العسكرية الأجنبية ظاهرة بارزة في النظام الدولي المعاصر، خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، وبداية الحرب الباردة.
وقد أقامت قوى كبرى مثل أمريكا ، شبكة واسعة من القواعد العسكرية خارج أراضيها تمتد من أوروبا إلى آسيا والشرق الأوسط.
ويثير هذا الوجود العسكري تساؤلاً قانونياً أولياً مهماً: “هل يتعارض وجود قواعد عسكرية أجنبية مع مبدأ سيادة الدولة؟”
معصوم مرزوق يكتب: البيت الأبيض المسكون!
معصوم مرزوق يكتب: هدنة في انتظار الحرب القادمة!
“سيادة الدولة ”
هو المبدأ الذي يشكل حجر الأساس في النظام الدولي الذي أسسه ميثاق الأمم المتحدة .
والسيادة تعني بشكل عام :” السلطة القانونية العليا للدولة على إقليمها وسكانها دون تدخل خارجي”.
ويتضمن ذلك علي سبيل المثال : السيطرة على الأراضي.، التحكم في المجال الجوي والبحري ، احتكار استخدام القوة داخل الإقليم.
وقد تم تكربس هذا المبدأ في المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة.
إلا أن السيادة في القانون الدولي الحديث ليست مطلقة، إذ يجوز تقييدها في الممارسة الدولية علي النحو التالي :عند إبرام معاهدا ، أو عند منح تسهيلات عسكرية ، أو عند السماح بوجود قوات أجنبية علي أراضيها .
أي أن القاعدة العسكرية الأجنبية لا تنتهك السيادة بشكل مطلق إذا تم تأسيسها على أساس اتفاق تعاقدي، ولكنها تقتطع جزءا من هذه السيادة.
والأساس القانوني لوجود القواعد الأجنبية يتمثل في ثلاث حالات رئيسية وهي :
أولاً : الاتفاقيات الثنائية :
وهي الحالة الأكثر شيوعاً. مثل اتفاقيات وضع القوات ، أو
Status of Forces Agreement (SOFA) ، وتحدد هذه الاتفاقيات مجموعة من المجالات ومنها :
1. اختصاص المحاكم.
2. استخدام المنشآت .
3. الحصانات العسكرية.
ثانياً : اتفاقيات الدفاع الجماعي:
كما في إطار منظمة الناتو NATO حيث تنتشر قواعد أمريكية في دول أوروبية مثل: قاعدة رامشتاين في ألمانيا
Ramstein Air Base / Germany
ثالثا : حالات الاحتلال العسكري:
وهو وضع قانوني مختلف تماماً يحكمه إتفاقية جنيف الرابعة
Fourth Geneva Convention
ومن الأهمية بمكان إدراك أن هناك قيود على السيادة الناتجة عن القواعد الأجنبية ، فرغم أن السيادة تبقى للدولة المضيفة، فإن وجود القواعد يؤدي إلى قيود عملية، مثل:
1. الولاية القضائية :
في كثير من الحالات يخضع الجنود الأجانب للقانون العسكري لدولتهم وليس للقانون المحلي.
2. التحكم العملياتي:
القوات الأجنبية قد تدير القاعدة بالكامل ، دون أي تدخل من الدولة المضيفة
3 . استخدام القاعدة في عمليات خارجية:
وهنا تظهر المشكلة القانونية الأهم.
مشكلة استخدام القواعد الأجنبية لشن هجمات عسكرية :
هذه القضية أصبحت مركزية في القانون الدولي الحديث ، والسؤال المركزي هو هل تتحمل الدولة المضيفة مسؤولية إذا استخدمت دولة أجنبية قاعدة داخل أراضيها لشن هجوم علي دولة ثالثة ؟
أولا :القاعدة القانونية العامة :
وفق قواعد المسؤولية الدولية للدول التي صاغتها لجنة القانون الدولي :
International Law Commission فإن الدولة قد تتحمل مسؤولية إذا سمحت باستخدام أراضيها ،أو فشلت في منع استخدام أراضيها للإضرار بدولة أخرى.
مثال علي ذلك : حرب العراق 2003
ففي خلال غزو العراق بقيادة أمريكا و وبريطانيا في2003 استخدمت قوات التحالف قواعد وتسهيلات في عدة دول .
وقد أثار ذلك نقاشاً قانونياً حول مسؤولية الدول التي سمحت باستخدام قواعدها، وانقسم الرأي الفقهي في مسؤولية تلك الدول ، وإن غلب الرأي الذي حمّل تلك الدولة ما قد يترتب علي استخدام تلك القواعد من مسؤوليات.
. والمثال الثاني هو مثال العمليات في أفغانستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ، فقد تم استخدام قواعد في آسيا الوسطى والخليج لدعم العمليات في أفغانستان .

وتتلخص المعضلة القانونية في أن الفقه الدولي ينقسم هنا إلى رأيين:
الرأي الأول: يذهب إلي أن الدولة المضيفة غير مسؤولة إذا لم تشارك في القرار العسكري.
الرأي الثاني: يذهب إلي أن الدولة المضيفة تتحمل مسؤولية مشتركة لأنها سمحت باستخدام أراضيها.
ثانيا : التطبيق علي القواعد الأمريكية في الخليج :
بناء علي ما سبق ، يمكن النظر إلي القواعد الأمريكية في الخليج العربي ، بإعنبارها تمثل نموذجاً واضحاً لهذه المعضلة .
وأهم هذه القواعد قاعدة العديد الجوية في قطر ، وهي تعد أكبر مركز عمليات جوية أمريكي في المنطقة ، وفي البحرين توجد قاعدة بحرية لدعم نشاطات الأسطول الخامس الأمريكي ، وفي الكويت توجد قواعد مهمة أبرزها معسكر أريفجان Camp Arifjan.
ويمكن إستخلاص أن القواعد العسكرية الأجنبية تمثل تنازلاً تعاقدياً محدوداً عن بعض مظاهر ممارسة السيادة وليس عن السيادة نفسها.
لكن الإشكالية الحقيقية تظهر عندما تستخدم القاعدة في عمليات عسكرية دون موافقة واضحة من الدولة المضيفة، أو بما يخالف القانون الدولي.
وفي تقديري أن هذه هي إشكالية القواعد الأمريكية في الخليج العربي ، وذلك يعني بدون أدني شك خضوعها لقواعد الإشتباك في أي عمل عسكري ، دون أن يكون للدول المضيفة حق الإحتجاج ، لأن القواعد العسكرية في النهاية لديها مهام قتالية متعددة ، وليست مجرد منتجعات سياحية لراحة القوات !






