د. أيمن خالد يكتب: التصريح البريطاني أخطر من حشود أمريكا؟
هذا التصريح الحاد لا يُقرأ بوصفه تعليقاً دبلوماسياً عابراً، بل يقع مباشرة في قلب هندسة الشرعية السياسية وتدويل الأزمة

صورة تعبيرية للمقال
هذا ما تفهمه لغة السياسة والإعلام
في الأزمات الكبرى، لا تتحرك الدول بالأساطيل وحدها… بل تتحرك أيضاً بالكلمات.
وزيرة الخارجية البريطانية تقول اليوم:
«من المخزي أن تحاول إيران اختطاف الاقتصاد العالمي بأكمله عبر منع حركة الشحن الدولي».
هذا التصريح الحاد لا يُقرأ بوصفه تعليقاً دبلوماسياً عابراً، بل يقع مباشرة في قلب هندسة الشرعية السياسية وتدويل الأزمة، ويمكن فهمه عبر ثلاثة مستويات استراتيجية متداخلة:
أولاً: نقل الأزمة من صراع إقليمي إلى قضية عالمية
(Globalizing the Crisis)
د. أيمن خالد يكتب: أخطاء إيران؟
هنا يظهر الدهاء السياسي.
بريطانيا لا تتحدث عن خلاف أمريكي–إيراني، ولا عن أزمة شرق أوسطية محدودة. بل تعيد تعريف الملف كله باعتباره قضية تمس:
الاقتصاد العالمي، وسلاسل التوريد، وأمن الطاقة، وحرية التجارة الدولية.
استخدام تعبير مثل:
«اختطاف الاقتصاد العالمي»
ينقل إيران — في الخطاب السياسي — من خانة طرف في نزاع سياسي… إلى خانة دولة يُقدَّم سلوكها بوصفه تهديداً للنظام الاقتصادي الدولي.
الهدف واضح:
صياغة سردية تجعل تأمين الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان قضية تخص العالم كله، وليس واشنطن وحدها.
ثانياً: صناعة الغطاء الأخلاقي لاستخدام القوة
(The Just-War Narrative)
في السياسة، الكلمات تسبق أحياناً الطائرات.
واستخدام وزيرة الخارجية البريطانية لعبارة:
«من المخزي»
ليس توصيفاً عاطفياً.
بل يدخل ضمن ما تسميه الأدبيات السياسية: لغة الإدانة والتقبيح السياسي (Denunciation).
وهي لغة تُستخدم عادة عندما تريد الدول تهيئة الرأي العام الداخلي والخارجي لتقبل خطوة أكثر صلابة لاحقاً.
الرسالة هنا تصبح:
لسنا أمام تحرك عسكري هجومي… بل أمام إجراء دفاعي لحماية التجارة العالمية.
وهنا تنتقل القوة من كونها خياراً سياسياً… إلى محاولة تقديمها كضرورة دولية.
ثالثاً: توزيع الأدوار بين واشنطن ولندن
(The Anglo-American Division of Roles)
في كثير من الأزمات الكبرى لا تتحرك العواصم الغربية باللغة نفسها.
واشنطن تتولى الضغط المباشر.
ولندن تتولى بناء الرواية السياسية.
إذا كان ترامب يمارس الدبلوماسية الخشنة عبر التهديد والردع ورفع سقف الوقت والضغط… فإن بريطانيا تمسك بملف:
الملاحة الدولية وشرعية حماية الاقتصاد العالمي.
وهذا ليس تفصيلاً.
فالهدف ليس الضغط على طهران فقط… بل دفع القوى المترددة — وخاصة الدول الكبرى المستهلكة للطاقة — إلى الاصطفاف مع فكرة أن أمن المضائق ليس ملفاً قابلاً للمساومة.
الخلاصة: لماذا يبدو التصريح أخطر من الحشود؟
لأن الحشود العسكرية تخيف الخصم…
أما الخطاب السياسي فيمنح استخدام القوة معنى وشرعية.
ولهذا قد لا يكون أخطر ما في المشهد عدد السفن أو الطائرات…
بل اللحظة التي يبدأ فيها الخطاب الدولي بإقناع العالم أن ما سيحدث لاحقاً ليس حرباً… بل حماية للنظام الاقتصادي العالمي.
ومن هنا تأتي خطورة التصريح البريطاني:
ليس لأنه يطلق النار… بل لأنه يشرح للعالم لماذا قد تُطلق.






