إبداع
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

امل دنقل.. الرجل الذي أعلن الحرب على الجميع

المشكلة أننا نحب أمل دنقل بعد موته أكثر مما أحببناه في حياته؛ لأن الأموات لا يزعجون أحدًا.

مشاركة:
حجم الخط:

“لا تصالح
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل ترى؟
هي أشياء لا تشترى…

في كل عام نستدعي أمل دنقل باعتباره “شاعر الرفض”، لكننا غالبًا نرتكب الخيانة نفسها التي كان يكرهها

إذ نحول الرجل إلى تمثال رخامي بارد، وننزع عنه ما كان فيه من قلق وغضب وتناقضات إنسانية مؤلمة.

نصنع منه صورة شاعر نبيل يقف فوق منصة مرتفعة ويلقي قصائد وطنية جميلة، بينما الحقيقة أكثر قسوة بكثير.

لأن أمل دنقل لم يكن شاعرًا مريحًا، ولم يكن رجلًا صالحًا بالمعنى التقليدي، ولم يكن ذلك المثقف الأليف الذي تجلس معه السلطة مطمئنة أو تجلس معه النخب مرتاحة.

لقد كان قنبلة تتحرك على قدمين.

“أيها الواقفون على حافة المذبحة.. أشهروا الأسلحة!”

المشكلة أننا نحب أمل دنقل بعد موته أكثر مما أحببناه في حياته؛ لأن الأموات لا يزعجون أحدًا.

أما أمل الحي فقد كان مرهقًا للجميع، كان يملك موهبة نادرة وخطيرة: القدرة على إحراج الناس أمام أنفسهم.
لم يكن خصمه الحقيقي أنور السادات وحده، بل كانت معركته الكبرى ضد شيء أكثر تعقيدًا: ضد الكذب حين يتحول إلى نظام حياة كامل.

الاسم الذي حمل نبوءة ساخرة

حتى اسمه يحمل مفارقة جارحة.

فقد سمّاه والده “أمل” يوم حصوله على العالمية الأزهرية. كان الاسم يحمل فرحة الأب ومشروعه الشخصي في الحياة.

لكن الاسم الذي بدا واعدًا تحول فيما بعد إلى واحدة من أكبر المفارقات في الشعر العربي؛ لأن الرجل الذي حمل اسم “أمل” قضى حياته كلها تقريبًا يفتش عن الأمل وسط خرائب متتالية.
كان يحمل اسمًا أنثويًا في مجتمع صعيدي شديد الصلابة، وربما بدا الأمر تفصيلًا صغيرًا، لكنه لم يكن كذلك.

لقد دخل أمل منذ طفولته المبكرة في معركة مع الإحساس بالاختلاف. كان يشعر أنه ليس نسخة مطابقة لما حوله.

وربما لهذا لم يتعلم أبدًا مهارة التكيف مع الجماعة.

لقد خرج من الصعيد، لكن الصعيد لم يخرج منه. ظل يحمل داخله ذلك المزاج الجنوبي الحاد؛ الكبرياء الصامت، الحساسية الجارحة، العناد الذي يصل أحيانًا إلى حد تدمير الذات.
لم يكن شاعر السلطة ولا شاعر المعارضة..
يا إخوتي الذينَ يعبُرون في المِيدان في انحِناءْ
منحدرين في نهايةِ المساءْ
لا تحلموا بعالمٍ سَعيدْ..
فخلفَ كلِّ قيصرٍ يموتُ: قيصرٌ جديدْ. (قصيدة كلمات سبارتاكوس الأخيرة )

بعيون نازح مصري: قراءة في بيئة المقاومة بين المسافة والالتباس.

مقامات الصوفية (20) مقام الغريب

هنا تكمن عقدة أمل دنقل الحقيقية..

معظم الشعراء في العالم العربي اختاروا لأنفسهم مكانًا واضحًا: إما داخل المؤسسة أو ضدها.

أما أمل فكان أكثر خطورة؛ لأنه لم ينضم بالكامل إلى أي معسكر.
كان قريبًا من الأفكار اليسارية دون أن يصبح حزبيًا بالمعنى التنظيمي.

كان يؤمن بالعدالة الاجتماعية لكنه لم يثق في التنظيمات السياسية نفسها.

وكان قومي النزعة لكنه لم يتحول إلى بوق أيديولوجي.

لقد اكتشف مبكرًا ما أسماه لاحقًا مأساة المثقف العربي: أن السلطة تريد شراءه، بينما تريد المعارضة أحيانًا استخدامه.. ولذلك بقي في منطقة خطرة؛ خارج الجميع.

كان أمل يدرك أن الهزائم الكبرى لا يصنعها الحاكم وحده، بل تصنعها أيضًا طبقة من الصامتين والمبررين والمتواطئين وأصحاب الأقلام التي فقدت شجاعتها.

ولذلك لم يكن يتردد في توجيه نقده إلى الوسط الثقافي نفسه، وكأنه كان يرى أن سقوط الكلمة أحيانًا أخطر من سقوط المدن.

وربما لهذا دفع ثمنًا باهظًا؛ إذ وجد نفسه في منطقة قاسية بين السلطة التي كانت ترى فيه صوتًا مزعجًا، وبين بعض المثقفين الذين رأوا فيه مرآة تكشف تناقضاتهم، فبقي وحيدًا إلى حد كبير، محتفظًا بكبريائه وبخسائره معًا.

معاركه الثقافية.. حين أصبح الشعر ساحة اشتباك

لم تكن معارك أمل دنقل مع السياسيين فقط، بل كانت له حروب طويلة داخل الوسط الثقافي نفسه.
كان جيله منقسمًا بين تيارات الحداثة المختلفة، وكان كثيرون يرون أن الشعر يجب أن يتحرر بالكامل من التراث العربي القديم ويتجه نحو الأساطير الغربية والرموز الأوروبية.

أما أمل فقد فعل شيئًا مختلفًا.. عاد إلى زرقاء اليمامة، وكليب، والبسوس، وسبارتاكوس، والتاريخ العربي والإسلامي، لا باعتبارها زينة ثقافية بل باعتبارها أسلحة فكرية.

رأى أن التراث ليس متحفًا بل ذخيرة حية.

ولهذا تعرض لهجوم حاد من بعض النقاد الذين اعتبروا مشروعه رجعيًا، حتى إن بعضهم أطلق عليه وصف “آخر الشعراء الجاهليين” لكن أمل لم يهتم.

كان يرى أن القصيدة التي تنفصل عن الوجدان الشعبي تتحول إلى تمرين لغوي جميل لا أكثر.
حتى صداقاته لم تكن مستقرة.

كانت علاقته بـ يحيى الطاهر عبد الله علاقة حب وصدام دائمين.

عاشا معًا فترة قصيرة وصفها أمل لاحقًا بأنها “شهر الجحيم”، بسبب اختلاف طباعهما؛ أحدهما يعشق الصخب والآخر يعشق الصمت.

ومع ذلك ظلت العلاقة عميقة حتى النهاية.
وكانت علاقته بـ نجيب سرور مليئة بالشجارات العنيفة التي وصلت أحيانًا إلى الاشتباك الجسدي قبل أن يعودا للشرب والحديث في المساء.

حتى الحب نفسه دخل حياته بطريقة مضطربة. حين جاءت الصحفية عبلة الرويني لتحاوره لم تكن تتوقع أنها ستدخل عالمًا فوضويًا بهذه الدرجة.

أحبته، لكنه لم يكن رجلًا سهلًا للحياة اليومية؛ رجل يعيش داخل رأسه أكثر مما يعيش داخل العالم.

 الاعتقال الحقيقي لم يكن في الزنازين

يتحدث كثيرون عن الاعتقالات والملاحقات السياسية التي عاشها أمل، لكن ربما كان سجنه الحقيقي مختلفًا.

كان اعتقاله الأكبر داخل زمنه نفسه.

لقد رأى مبكرًا ما لم يكن الآخرون يريدون رؤيته.
رأى أن الهزيمة العسكرية عام 1967 ليست هزيمة جيوش فقط، بل هزيمة طريقة كاملة في التفكير.
ورأى أن أخطر ما يحدث للأمم ليس أن تُهزم، بل أن تعتاد الهزيمة.. ولهذا كانت قصائده تبدو وكأنها مكتوبة اليوم لا بالأمس.

الاعتقال.. حين تصبح الكلمة جريمة

لم يكن أمل دنقل شاعرًا يقف على هامش الأحداث، بل كان منخرطًا فيها إلى أقصى درجة.

لم يعرف المجاملة السياسية، ولم يكن قادرًا على الصمت أمام ما يراه خطأ أو انحرافًا أو تنازلًا عن المبادئ.

ولذلك تعرض خلال حياته لمضايقات سياسية وأمنية واعتقالات قصيرة، وعانى من الرقابة والحصار الثقافي بدرجات مختلفة.

لكن المدهش أن كل ذلك لم ينجح في ترويضه. على العكس، بدا وكأن الضغوط تزيده إصرارًا على مواقفه.

كان يؤمن أن المثقف الحقيقي لا يكتفي بمراقبة المشهد من بعيد، بل ينبغي أن يكون جزءًا من معركة الوعي نفسها.

ولذلك ظل منحازًا للناس البسطاء والمقهورين والمهمشين، وظل صوته معبرًا عن أولئك الذين لا يمتلكون القدرة على إيصال أصواتهم.

 الرحيل المبكر.. والانتصار الأخير على الموت

في أواخر حياته أصيب أمل دنقل بمرض السرطان، وكانت تلك معركة أخرى دخلها بكل شجاعة.

داخل غرف المعهد القومي للأورام بالقاهرة كتب نصوصه الأخيرة التي حملت عنوان “أوراق الغرفة 8″، وهي واحدة من أصدق وأعمق التجارب الشعرية والإنسانية في الأدب العربي الحديث.
لم يتعامل مع المرض بوصفه نهاية مأساوية، بل بوصفه مواجهة أخرى ينبغي خوضها بكرامة.

وحتى وهو يرى الموت يقترب منه يومًا بعد يوم، لم يفقد حسه النقدي أو سخريته أو قدرته على التأمل.

كان يكتب وكأنه يرفض أن يمنح المرض حق الانتصار الكامل عليه.

وفي الحادي والعشرين من مايو عام 1983 رحل أمل دنقل عن عمر لم يتجاوز الثالثة والأربعين عامًا، لكنه ترك أثرًا يفوق أعمارًا طويلة.

 ماذا لو كان أمل دنقل بيننا اليوم؟

ماذا لو خرج من بين أوراقه وجلس يشاهد نشرات الأخبار كما نفعل نحن؟

ماذا كان سيقول وهو يرى غزة تُباد تحت أنظار العالم؟

ماذا كان سيكتب وهو يشاهد دمشق تحمل على كتفيها سنوات الخراب والدم واللجوء؟

وكيف كان سيتأمل حال مصر بكل ما فيها من أسئلة ثقيلة ومخاوف ومصائر متشابكة؟

ربما كان سيرفض الصمت كما فعل دائمًا.

وربما كان سيكتب قصيدة جديدة تبدأ من حيث انتهت “لا تصالح”.

وربما كان سيصرخ فينا جميعًا بسؤال مرعب: كيف أصبحتم تتعايشون مع ما كنتم تعتبرونه مستحيلًا؟

كيف تحول الوجع إلى خبر عابر؟

وكيف أصبحت الهزائم جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية؟

لكن الشيء المؤكد أن أمل دنقل لم يكن ليقف محايدًا.

فالشعراء الحقيقيون لا يقفون في المنتصف أبدًا، لأن الحياد في زمن المأساة ليس موقفًا، بل انسحابًا من المعركة.
وفي ذكرى رحيله لا يبدو أمل دنقل شاعرًا من الماضي، بل يبدو كأنه ما زال يقف عند بوابات هذه الأمة، يحمل قصيدته مثل راية قديمة لم تسقط بعد، ويسألنا بصوته الذي لم يمت

: من الذي سيقول “لا” الآن؟

ومن الذي ما زال قادرًا على مقاومة الهزيمة قبل أن تتحول إلى عادة؟

شارك المقال: