محمود إبراهيم عبد اللطيف يكتب: حين تستفيق العواصم الكبرى لتغليب مصالحها القومية
لقد ادركت هذه العواصم أن خطط الهيمنة والسيطرة على الممرات والمنافذ البحرية الاستراتيجية في المنطقة، والتي تقودها إسرائيل بشكل مباشر وتتماشى معها الإمارات بشكل غير مباشر، أصبحت تشكل تهديدا مباشرا لمصالحها القومية العليا.
الرئيس الأمريكي مع ولي عهد السعودية
تحول هائل في الشرق الأوسط
تشهد المنطقة العربية تحولا هائلا وجذريا لا يعود الى المشاحنات العابرة بين العروش او التكالب على المكتسبات والتحالفات المؤقتة.
هذا التحول ليس نتاجا للمخاوف التقليدية من النفوذ الاقليمي لإيران او تنظيم الإخوان المسلمين، ولم ينطلق من حادثة فردية كإشعال بائع تجول النار في نفسه كما حدث في سيدي بوزيد بتونس، ولا عبر مظاهرات حاشدة كالتي شهدتها القاهرة للمطالبة باسقاط النظام.
ان تداعيات هذا التحول قد تتجاوز في شدتها ما احدثته أمواج الربيع العربي قبل خمسة عشر عاما.
إن الدول المركزية ذات الثقل السكاني والتاريخي في العالم العربي بدأت تستوعب طبيعة الخريطة التي تشكلت حولها.
لقد ادركت هذه العواصم أن خطط الهيمنة والسيطرة على الممرات والمنافذ البحرية الاستراتيجية في المنطقة، والتي تقودها إسرائيل بشكل مباشر وتتماشى معها الإمارات بشكل غير مباشر، أصبحت تشكل تهديدا مباشرا لمصالحها القومية العليا.
محمود إبراهيم عبداللطيف يكتب: إنصاف المعلم ضرورة وطنية
إستراتيجية التفتيت والسيطرة على الممرات
تقوم الرؤية الإسرائيلية- الإماراتية المشتركة على معادلة واضحة:
تفتيت الدول العربية المركزية، والسيطرة على خطوط التجارة والمضايق الحيوية مثل مضيق باب المندب الرابط بين اليمن والقرن الافريقي.
ونشر القواعد العسكرية في مواقع استراتيجية لضمان هيمنة مالية وعسكرية تضمن النفوذ لعقود قادمة.
ظهرت هذه التوجهات الاسرائيلية علنا من خلال تصريحات وممارسات تسعى لتحويل سوريا الى كيانات متناحرة لا تملك سلطة مركزية، عبر محاولات فرض حمايات على مناطق معينة في الجنوب او الشمال السوري.
وتتكرر المحاولة نفسها في القرن الافريقي من خلال التحركات نحو الاعتراف بارض الصومال، بما يتيح موطئ قدم عسكري غير مسبوق لاسرائيل في تلك المنطقة الحيوية.
في المقابل، تعتمد ابوظبي استراتيجية التفتيت الضمني، ورغم نفيها المستمر لدعم وتسليح قوات الدعم السريع في السودان او تأجيج الصراع هناك، فان سياستها في اليمن على مدى العقد الماضي كشفت عن توجه واضح نحو دعم وتأسيس كيان انفصالي في الجنوب عبر المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن.
هذا المشروع، الذي يقوده رئيس الامارات محمد بن زايد، كان يهدف للسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة اللتين تشكلان ما يقرب من نصف مساحة اليمن.
الحسابات الخاطئة والرد السعودي الصارم
غير ان التمدد نحو حضرموت المحاذية للحدود السعودية شكل نقطة التحول والخطأ القاتل في تلك الاستراتيجية.
شكل وصول قوات المجلس الانتقالي الى المكلا جرس انذار مباشر للرياض، التي شعرت بأن سياستها الخارجية التقليدية القائمة على الهدوء والعمل الخفي لم تعد كافية لمنع تطويقها اقليميا.
تحركت السعودية بشكل حاسم عبر دعم هجوم مضاد للقوات الحكومية اليمنية لاستعادة حضرموت والمهرة.
ومع استهداف الشحنات العسكرية في ميناء المكلا، أعلنت ابوظبي سحب قواتها من اليمن والتخلي عن مواقع حيوية مثل جزيرة سقطرى، ليتهاوى مشروع عقد كامل من التخطيط والتمويل في غضون ايام معدودة.
نهاية عصر التحالفات العابرة
أن ما حدث يعكس طبيعة التغيير الحقيقي في الشرق الاوسط؛ فهو لا يتحقق عبر الصور التذكارية في البيت الابيض او الاتفاقيات الشكلية كاتفاقيات ابراهام، بل عبر انكشاف الصراعات وتحولها الى مواجهات المصلحة المباشرة.
لقد أظهرت التطورات الاخيرة ان الرياض، رغم استمرار دعمها الشعبي للقضايا العربية كالقضية الفلسطينية، باتت ترسم خطوطا حمراء واضحة تمس أمنها القومي المباشر.
فالمعادلة الديمغرافية والجغرافية تجعل من الصعب على دول صغيرة الحجم التلاعب بمصالح دول كبرى في المنطقة؛ فالسعودية بكتلتها السكانية التي تتجاوز 35 مليون نسمة تختلف تماما عن كيانات لا يتجاوز عدد مواطنيها المليون نسمة.
ان الاستفاقة السعودية الاخيرة تشكل نقطة فارقة لكل من يسعى للخروج من دوامة التدخلات الخارجية والهيمنة الممتدة.
ورغم النفوذ العسكري والسياسي الواسع للولايات المتحدة واسرائيل في المنطقة، فان القوة الغاشمة لا يمكنها ادارة تداعيات الصراعات التي تخلقها الى الابد.
لقد حان الوقت لتدرك القوى الاقليمية والدولية ان العواصم العربية الكبرى قادرة على وضع حد لمشاريع إعادة رسم الخريطة على حساب سيادتها وأمنها القومي.
المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
شاركنا برأيك