محمد فرحات يكتب: نجيب محفوظ حين تتحول الرواية إلى نبوءة (2)
ولم يكن محفوظ يتنبأ بالغيب، وإنما كان يقرأ الواقع بعمق، ويستشف من مقدماته ما يمكن أن تؤول إليه نهاياته.

نجيب محفوظ (منصات)
الرواية بوصفها استشرافًا للتاريخ
لم يكن نجيب محفوظ يكتب النبوءة بمعناها الغيبي، وإنما كان يمتلك حسًّا تاريخيًّا نافذًا مكَّنه من التقاط الشروخ الدقيقة في بنية المجتمع والدولة قبل أن تتحول إلى أزمات كبرى.
ففي روايتي ثرثرة فوق النيل، وميرامار لم ينشغل بتسجيل أحداث المرحلة الناصرية أو تمجيدها أو إداناتها، بقدر ما انصرف إلى تشريح ما أخذ يتسلل إليها من أمراض كالبيروقراطية، وانفصال النخبة عن الواقع، واغتراب المثقف، وتراجع قيم المشاركة، وتآكل الحلم الثوري تحت وطأة الممارسة اليومية.
كانت هذه الظواهر، في نظر محفوظ، مؤشرات مبكرة على أزمة تتجاوز الأشخاص إلى بنية المشروع ذاته.
وحين وقعت هزيمة يونيو 1967، أعاد كثير من القراء والنقاد النظر في هاتين الروايتين، فبدتا وكأنهما استشرفتا المآل الذي انتهت إليه تلك المرحلة.
ولم يكن ذلك لأن محفوظ ادّعى معرفة المستقبل، وإنما لأنه قرأ الحاضر قراءةً عميقة، فأدرك أن الهزائم الكبرى لا تولد فجأة في ميادين القتال، بل تبدأ أولًا في الوعي، وفي مؤسسات الدولة، وفي منظومة القيم.
ومن هنا اكتسبت ثرثرة فوق النيل، وميرامار، بعد الهزيمة، دلالةً استشرافية جعلتهما من أبرز الأعمال الروائية التي تجاوزت حدود التسجيل الأدبي إلى استبصار حركة التاريخ.
محمد فرحات يكتب: نجيب محفوظ حين تتحول الرواية إلى نبوءة (1)
رادوبيس حين أصبح التاريخ مرآةً للسلطة
وإذا كانت عبث الأقدار، كما رأينا في المقال السابق، قد وضعت اللبنة الأولى للمشروع المحفوظي، عبر مساءلة العلاقة بين الإنسان والقدر في إطار تاريخي ذي أبعاد فلسفية ولاهوتية، فإن «رادوبيس» تمثل الخطوة التالية في هذا المشروع,
إذ ينتقل محفوظ من سؤال القدر إلى سؤال السلطة، ومن التأمل في حتمية المصير إلى تفكيك شرعية الحكم وآليات سقوطه، مستعينًا بالتاريخ الفرعوني ليقرأ الواقع السياسي المصري في أربعينيات القرن العشرين.
تدور الرواية حول الفرعون الشاب مرنرع الثاني، الذي يقع في غرام الغانية الجميلة رادوبيس، حتى يصبح أسيرًا لهواه، وينشغل بنزواته عن شؤون الحكم.
غير أن محفوظ لا يجعل من قصة الحب محور الرواية، وإنما يتخذها مدخلًا لطرح سؤال أكثر عمقًا: من أين تستمد السلطة مشروعيتها؟
يحتدم الصراع حين يسعى الفرعون إلى انتزاع مساحات شاسعة من أراضي المعابد، ليضعها تحت سلطانه المباشر، متحررًا من نفوذ الكهنة الذين تحولوا إلى قوة موازية للعرش.
وهنا لا يصبح الصراع بين رجل وامرأة، ولا بين ملك وكهنة، بل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، وكلتاهما تدعي حق الوصاية على المجتمع.
ولا تخفى دلالة هذا الصراع على قارئ الأربعينيات
فقد كُتبت الرواية عام 1943، في وقت كانت فيه صورة الملك فاروق الأول، وعلاقته بالقوى السياسية، موضع جدل واسع.
وهكذا لم يكن التاريخ عند محفوظ غاية في ذاته، بل أصبح قناعًا فنيًا يقرأ من خلاله الحاضر، ويطرح أسئلته بعيدًا عن المباشرة.
ومن اللافت أن محفوظ لا يقدم شخصياته في صورة ملائكة أو شياطين، فالفرعون ليس طاغيةً مطلقًا، والكهنة ليسوا حراس الفضيلة وحدهم، وإنما لكل طرف مصالحه ورؤيته للعالم.
وبهذا يبتعد عن السرد التاريخي التقليدي، ليقدم رواية تناقش طبيعة السلطة ذاتها، لا أسماء أصحابها.
وتبرز هنا، مرة أخرى، العلاقة الوثيقة بين اللاهوت والفلسفة في عالم محفوظ.
ففي التراث الديني نجد قصة المرأة التي أغوت الراهب بجمالها، فترك زهده ومكانته الروحية. أما محفوظ، فيعيد تشكيل الفكرة باستبدال الراهب بالفرعون، الذي كان، في العقيدة المصرية القديمة، يجسد السلطة الدينية والدنيوية معًا.
وهكذا يتحول الامتحان الأخلاقي إلى امتحان للدولة بأسرها.
ومن هذا المنظور، يقترب محفوظ من مفهوم التعاقد السياسي
إذ تبدو السلطة قائمة على شرعية ضمنية بين الحاكم والمحكوم، فإذا انحرف الحاكم عن مقتضياتها، فقد أسباب بقائه، وأصبح سقوطه نتيجة طبيعية، لا مؤامرة عابرة.
ولذلك لا تنتهي الرواية بانتصار مرنرع، بل بثورة يقودها الكهنة، وتؤيدها الجماهير، ويتحرك الجيش في لحظة حاسمة، فيسقط الفرعون وتسقط معه شرعية حكمه.
ولم يكن هذا الختام مجرد نهاية فنية
بل بدا، بعد أقل من عقد من الزمان، وكأنه استشراف سياسي؛ إذ انتهت الملكية المصرية بالفعل بثورة يوليو 1952.
ولم يكن محفوظ يتنبأ بالغيب، وإنما كان يقرأ الواقع بعمق، ويستشف من مقدماته ما يمكن أن تؤول إليه نهاياته.
في «رادوبيس» لم يعد التاريخ موضوعًا للرواية، بل أصبح أداة لتحليل السلطة، واستنطاق الحاضر، واستشراف المستقبل.
ومن هنا بدأت تتبلور بوضوح ملامح المشروع المحفوظي الذي سيبلغ ذروته لاحقًا في أولاد حارتنا، بعد أن ينتقل من سؤال السلطة إلى سؤال العلم والعدل والوجود الإنساني.
«كفاح طيبة»… الوطن بطلًا للرواية
إذا كانت عبث الأقدار قد جعلت من سؤال القدر محورًا لها، ورادوبيس قد انتقلت بهذا السؤال إلى فضاء السلطة والشرعية السياسية، فإن «كفاح طيبة» تمثل المحطة الثالثة والأخيرة في المرحلة التاريخية من مشروع نجيب محفوظ.
حيث ينتقل اهتمامه من الفرد والحاكم إلى الأمة بأسرها، ليصبح الوطن هو البطل الحقيقي للرواية.
كتب محفوظ «كفاح طيبة» عام 1945، مستلهمًا صفحة من أنصع صفحات التاريخ المصري، مقاومة المصريين للاحتلال الهكسوسي، حتى نجح أحمس في توحيد البلاد وطرد الغزاة.
غير أن الرواية لا تكتفي بإعادة سرد الوقائع التاريخية، وإنما تجعل من هذا التاريخ مدخلًا للتأمل في معنى الوطنية، وكيف تتشكل إرادة الشعوب في لحظات الخطر.
وللوهلة الأولى تبدو الرواية أقرب إلى الملحمة التاريخية منها إلى الرواية الفلسفية
فالعدو واضح، والهدف واضح، ومسار الأحداث يتجه بثبات نحو التحرير. لكن القراءة المتأنية تكشف أن محفوظ لا يكتب تاريخًا، بقدر ما يكتب عن فكرة الوطن، بوصفها القوة القادرة على توحيد الإرادات المتفرقة في مواجهة الخطر الخارجي.
ولذلك لم يحصر البطولة في شخص أحمس وحده، وإنما وزعها على الأسرة الملكية، والجيش، والشعب، ليؤكد أن الانتصارات الكبرى لا يصنعها فرد، مهما بلغت عظمته، وإنما تصنعها أمة تتوحد حول قضية مشتركة.
وعلى خلاف عبث الأقدار ورادوبيس، تتراجع هنا مساحة الرمز الفلسفي والإسقاط السياسي المباشر، ليقترب محفوظ من السرد الملحمي الصافي.
ويبدو أن اللحظة الوطنية، في نظره، كانت أوسع من أن تُختزل في الرمز، وأشد وضوحًا من أن تحتاج إلى الأقنعة الفنية التي لجأ إليها في أعماله الأخرى.
ومع ذلك، لا يتخلى محفوظ عن حساسيته الإنسانية
ففي قلب المعارك ينسج قصة الحب بين أحمس وابنة ملك الهكسوس أبوفيس، وكأنه يريد أن يقول إن الحروب، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تلغي إنسانية الإنسان.
وأن العلاقات البشرية أكثر تعقيدًا من الانقسامات التي تفرضها السياسة أو الصراع العسكري.
وهنا تتجلى إحدى السمات الثابتة في عالم محفوظ؛ فهو لا يصنع أبطالًا من حجر، ولا يحول شخصياته إلى شعارات وطنية، وإنما يمنحها ضعفها الإنساني، وترددها، وأحلامها، فتغدو شخصيات قابلة للحياة، لا مجرد أدوات لخدمة الفكرة.
ومن اللافت أن كفاح طيبة، على الرغم من قيمتها الفنية، لم تحظ بما تستحقه من حضور في الوعي الثقافي العربي، وربما طغت عليها شهرة أعمال محفوظ اللاحقة، حتى غابت عن كثير من القراء، مع أنها تمثل الحلقة الأخيرة في التكوين الفكري والروائي لكاتب سيصبح لاحقًا أعظم روائي عربي في العصر الحديث.
ولعل من المشروع أن نتساءل اليوم:
لماذا لا تحضر كفاح طيبة في مناهج التعليم الثانوي، وهي تقدم تاريخ مصر في قالب روائي رفيع يجمع بين المتعة والمعرفة، ويغرس معنى الانتماء من خلال الفن، بدلًا من الاقتصار على نصوص استقرت في المقررات منذ عقود طويلة؟
ومع نهاية كفاح طيبة كان نجيب محفوظ قد استنفد، عبر التاريخ الفرعوني، ثلاثة أسئلة كبرى:
سؤال القدر في عبث الأقدار، وسؤال السلطة في رادوبيس، وسؤال الوطن في كفاح طيبة
ولم يعد التاريخ وحده قادرًا على استيعاب الأسئلة الجديدة التي بدأت تؤرقه؛ فترك الملوك والمعابد، واتجه إلى شوارع القاهرة وحاراتها، حيث سيعيد طرح هذه الأسئلة نفسها في صورة أكثر تعقيدًا وعمقًا.
ومن هنا، لم تكن الروايات التاريخية مرحلة عابرة في مسيرة نجيب محفوظ، بل كانت المعمل الأول الذي صاغ فيه أدواته الفكرية والفنية.
فيها تشكلت علاقته بالفلسفة، والرمز، والإسقاط، واستنطاق التاريخ، وهي الأدوات التي ستبلغ ذروة نضجها بعد سنوات، حين يكتب الرواية التي ستغير وجه السرد العربي كله… «أولاد حارتنا».






