إبداع
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات يتساءل:هل كتب هدرا جرجس رواية متنكرة في هيئة (قصص متتابعة)؟

ن السخف أن يُحدد عدد صفحات بعينه ليكون معيارًا للرواية؛ فالرواية فن أوروبي النشأة، وقد كتب روادها الأوائل أعمالًا ضخمة فرضت شكلها على المؤسسة النقدية

مشاركة:
حجم الخط:

(بالضبط… يشبه الصورة) رواية أم قصص متتابعة؟

قصص متتابعة، بذات الشخصيات، وفي الزمان والمكان الروائيين نفسيهما، وبخط درامي تتطور معه الشخصيات، وتحتدم الأحداث في تصاعدها، لكشف ما اكتنفها من غموض، يماط عنه اللثام رويدًا رويدًا.

وماذا يكون ذلك غير الرواية؟

فلماذا اختار الكاتب هدرا جرجس أن يحدد جنس نصه بـ«قصص متتابعة»، ولم يكتب على الغلاف «رواية»؟

في ظني أن السبب قد يعود إلى قصر النص، الذي لا يتجاوز تسعين صفحة.

لكن هل ما زال حجم النص أحد محددات جنسه الأدبي ليصنف رواية أو غيرها؟ إن زمن النصوص المطولة قد مضى، أو يكاد، في هذا العصر الرقمي المتسارع، اللاهث الأنفاس.

ولعل من السخف أن يُحدد عدد صفحات بعينه ليكون معيارًا للرواية؛ فالرواية فن أوروبي النشأة، وقد كتب روادها الأوائل أعمالًا ضخمة فرضت شكلها على المؤسسة النقدية، فتبنتها ورسختها حتى غدت قواعد تكاد تقيد خيال المبدع.

غير أن الحقيقة أن المبدع هو الذي يسبق دائمًا، ثم يأتي الناقد من بعده ليقنن ما أبدعه.

بنية دائرية تكشف أسرارها بالتدريج

أم تراها كانت مشروع رواية أجيال طويلة، ثم حال دون اكتمالها حائل؟

أيًا يكن الأمر، فقد أحسن هدرا جرجس صنعًا في «بالضبط… يشبه الصورة»، إذ اختار التكثيف دون أن يفرط في العمق.
تبدأ الحكاية بمشهد تنصيب «بخيت» أسقفًا باسم الأنبا إستيفانوس، يتخلله فلاش باك يكشف ما عاناه في مواجهة أبيه الرافض طريق الرهبنة:

“لابد أن يعرف الولد الناكر للنعمة أن هناك واجبًا نحو هذه التجارة، وتلك الأطيان”

ثم تأتي الضربة التي تغرس سن العصا في عنقه، لتصبح لحظة فاصلة تؤسس لصراع الرواية كله.

ومن هذه البداية تتشظى الحكاية في اتجاهات عدة، قبل أن تعود خيوطها جميعًا إلى نقطة البداية في الصفحة الأخيرة، حيث تكتمل الصورة.

بعد صفحات قليلة يكتشف القارئ أن مشهد الافتتاح يسبق الزمن الروائي بسنوات طويلة، فالأنبا إستيفانوس قد رحل، والكنيسة تستعد لإحياء ذكراه، فتقع صورته في يد الباشكاتب، ليكتشف الجميع شبهًا يكاد يكون معجزًا بين الرجلين.

ألغاز الشخصيات… ومصائر تتقاطع

قبل أن يصبح بخيت هو الأنبا إستيفانوس، كان شابًا يعيش مع أبويه، ومعهما فتاة لقيطة تبنتها الأسرة بعد وفاة ابنتهما الصغيرة «بخيتة» بالطاعون.

ويبلغ الصراع ذروته حين يحاول الأب ثني ابنه عن الرهبنة، فيدبر لإيقاعه في غواية الجسد مع (مريم الحلبية)

غير أن المشهد ينتهي على غير ما أراد الأب؛ إذ ينهار بخيت، وتقول الحلبية عبارتها الحاسمة:
“اتركه يطلع الدير يا سيدي… ابنك قديس”
ثم تأتي المفاجأة لاحقًا، حين نكتشف أن مريم الحلبية هي أم الباشكاتب، صاحب الملامح المطابقة للأنبا إستيفانوس.
ومن هنا تتوالى حكايات إسماعيل الأعرج، والعم منصور، وحكيم الزبال، لتتداخل جميعها في شبكة سردية واحدة، تنتهي كل حكاية فيها بلغز جديد، أو بإجابة عن لغز سابق.

المكان… بطلٌ لا يقل أهمية عن الشخصيات

لا يقل المكان حضورًا عن البشر؛ فالساحة، والكنيسة، والمركب الغارق، ليست مجرد فضاءات للأحداث، بل شخصيات روائية تتغير وتتطور مع الزمن.

فالساحة التي كانت موضعًا لعلاج الفقراء تتحول إلى مخزن للحبوب، ثم يعيدها الأنبا إستيفانوس إلى رسالتها الإنسانية، لتصبح ملجأ وكنيسة تنمو عامًا بعد عام.

أما الفندق العائم الغارق، فيتحول من حطام تسكنه الأشباح إلى مشروع تجاري يسيطر عليه حكيم الزبال، الذي يصعد بدوره من هامش المجتمع إلى أحد المتحكمين في مصائر المكان وسكانه.

وهكذا ينجح الكاتب في جعل الأمكنة شاهدة على تبدل المصائر، تمامًا كما تتبدل الشخصيات نفسها.

رواية قصيرة… لا قصص متتابعة

ينتهي بي الظن إلى أن النص كان بذرة لرواية أجيال واسعة الامتداد، إلا أن الكاتب آثر أن يكتفي بهذا القدر من التكثيف، ربما عن قصد، وربما لأن مانعًا ما حال دون الاسترسال.

أكان الضجر، أم اليأس من مآلات النهايات، أم الإيمان بأن زمن الروايات الضخمة قد انقضى، وأن القارئ الحديث أكثر ميلًا إلى الرواية المكثفة، التي تقول الكثير بأقل عدد ممكن من الصفحات.

وفي تقديري، فإن (بالضبط… يشبه الصورة) ليست (قصصًا متتابعة) بقدر ما هي رواية قصيرة محكمة البناء، تتوسل بتقنية التشظي والتقطيع الزمني، لكنها تظل وفية لوحدة العالم الروائي، ووحدة الشخصيات، ووحدة المصير، وهي السمات الجوهرية التي تمنحها هويتها الروائية.

الكاتب الروائي هدرا جرجس
الكاتب الروائي هدرا جرجس

أين أنت يا هدرا؟!

هدرا جرجس، من مواليد أسوان عام 1980، من أبرز الأصوات السردية في جيله، صدر له عدد من الأعمال الروائية، منها:

صائد الملائكة ومواقيت التعري، وحصل على جائزة دبي الثقافية وجائزة ساويرس للأدب المصري.

ويبقى السؤال، بعد أن تطوى الصفحة الأخيرة من الرواية، موجَّهًا إلى صاحبها قبل أن يكون موجَّهًا إلى نصه:

أين هدرا جرجس؟

أين ذلك الصوت السردي الذي امتلك هذه القدرة النادرة على تشييد عالم روائي متماسك، تتنفس فيه الشخصيات كما تتنفس الأمكنة، وتتشابك فيه الأزمنة دون افتعال؟

كيف لموهبة كتابية بهذه الفرادة أن تغيب عن المشهد الثقافي، أو أن يقل حضورها إلى هذا الحد؟

إن الأدب العربي لا يفيض بالأصوات التي تجمع بين متعة الحكي، وإحكام البناء، وعمق الرؤية، ولذلك فإن غياب كاتب مثل هدرا جرجس خسارة لا تخص قارئه وحده، بل تخص الرواية العربية نفسها.

فأين أنت يا هدرا؟

لعلنا ما زلنا ننتظر روايتك القادمة، بالقدر نفسه الذي ننتظر فيه عودة هذا الصوت الروائي المتميز إلى مكانه الذي يستحقه.

شارك المقال: