مقالات
محمد عبد الشكور
محمد عبد الشكور

كاتب وصحفي

محمد عبد الشكور يكشف: كواليس الحرب على محلات عصير القصب؟

بداية موجة منهجية تستهدف شريحة عريضة من الشباب العاملين في مهن متواضعة مثل محلات عصير القصب والتمر هندي والعرقسوس والسوبيا.

مشاركة:
حجم الخط:

حملة ممنهجة أم حرص على الصحة؟ 

في الأيام الأخيرة، تصدّرت المواقع التواصل الإخبارية وبرامج “التوك شو” قصة واحدة بصيغة موحّدة وتوقيت متزامن، وكأنها “حرب إعلامية” معلنة: العثور على مواد مبيضة في أحد محلات عصير القصب.

الخبر نُشر في عشرات المواقع بنفس الصياغة، ونوقش في برامج المساء بتعليقات مثيرة، وكأن كارثة صحية تهدد حياة المواطنين.

لكن المتأمل في المشهد يجد أن الأمور لا تبدو مجرد حادثة فردية لضبط مخالفة صحية — وإن كانت تستحق التحقيق —

بل بداية موجة منهجية تستهدف شريحة عريضة من الشباب العاملين في مهن متواضعة مثل محلات عصير القصب والتمر هندي والعرقسوس والسوبيا.

وذلك في توقيت تشهد فيه شركات المشروبات الغازية العالمية خسائر فادحة بسبب حملات المقاطعة الشعبية الواسعة.

توقيت مريب وتنسيق إعلامي

ما يثير الانتباه هو التزامن العجيب في نشر الخبر، وتطابق الصياغات في مختلف وسائل الإعلام.

كأن هناك بيانًا صحفيًا موزّعًا على الجميع، ثم سرعان ما تحولت القصة إلى “موضة” إعلامية.

كل حلقة أو برنامج يتفنن في تضخيم المخاوف، وصولاً إلى وصف تلك المحلات بأنها “قنابل موقوتة”

هذا النمط من التغطية ليس عفويًا، بل يشبه كثيرًا الحملات الممنهجة التي تسبق فرض قيود أو إغراق السوق ببدائل صناعية، والسؤال: من المستفيد؟

منذ شهور، يشهد سوق المشروبات الغازية تراجعًا ملحوظًا في المبيعات، بفعل حملات مقاطعة شعبية واسعة بسبب مواقف سياسية وحرب غزة.

وأيضًا بفعل توجّه عام نحو المشروبات الطبيعية الأقل ضررًا والأسعار الأقل، عصير القصب، التمر هندي، السوبيا، العرقسوس — كلها مشروبات طازجة غير مكلفة، وتدر دخلاً يوميًا لآلاف الشباب.

في المقابل، توقفت أرباح كبرى الشركات العالمية، وأغلقت خطوط إنتاج، وبدأت تبحث عن وسائل لاستعادة السوق، وبما أن المنافسة المباشرة بالجودة والسعر أصبحت صعبة، فإن الحل الأسهل هو خلق أزمة ثقة في البدائل الشعبية.

المادة سبب الأزمة مصرح بها من وزارة الصحة وتستخدم فى الأدوية

لكن المفاجأة أن ثاني أكسيد التيتانيوم ليس جريمة، بل هو مصرح به من وزارة الصحة ومتوفر عند العطارين
القفلة الخطيرة في هذه الحملة أنهم راحوا يتهموا محلات العصير بأنها تضع “ثاني أكسيد التيتانيوم” — نفس المادة التي تتواجد في آلاف المنتجات المصرح بها من وزارة الصحة المصرية.

نعم، هي مادة مُضافة، لكنها مصرح بها قانونيًا بتركيزات محددة، وتُستخدم في تعقيم وتوضيب العديد من المنتجات الغذائية والأدوية.

بل إنها متوفرة عند غالبية العطارين في كل حارة في مصر، ولا أحد يصادرها أو يحقق معهم.
الأطرف من ذلك:

نفس المادة بالذات تدخل في تصنيع آلاف الأدوية والأقراص البيضاء أو الملونة حول العالم، لدرجة يصعب حصرها في اسم تجاري واحد، ومن هذه العقاقير والأدوية التى يتناولها الجميع :

المضادات الحيوية:

أوجمنتين، زيثروماكس، فلوموكس — كبسولات وأقراص مغلفة بثاني أكسيد التيتانيوم.
مسكنات الألم:

بروفين، بنادول جوينت، فولتارين — الأقراص المغلفة البيضاء التي لا يسأل أحد عن مكوناتها.
أدوية المعدة:

كونترولوك، أنتوبرال، نيكسيوم — كلها تحتوي على المادة في غلافها الخارجي.
المنشطات الجنسية وأدوية القلب:

فياجرا بطلائها الأزرق الشهير، وكونكور لتنظيم ضربات القلب.

مراهم جلدية للأطفال الرضع:

ميتانيوم الشهير لعلاج تسلخات الأطفال — حيث تستخدم المادة كعامل حماية وتلطيف للجلد.

إذا كان ثاني أكسيد التيتانيوم خطرًا يهدد حياة المواطنين كما يقول الإعلام الآن، فأين التحقيقات المثيرة عن الأدوية؟

أين برامج “التوك شو” التي تطالب بمنع البنادول والبروفين من الصيدليات؟ لا يوجد شيء بالطبع.
لماذا؟

لأن هذه المنتجات تصنعها شركات كبرى لها ميزانيات إعلانية، وعقود رعاية مع القنوات نفسها، أما صاحب محل العصير فليس له راعٍ سوى الله.

هنا مربط الفرس. لماذا كل هذه الضجة الإعلامية المدوية على محل عصير قصب واحد؟

لأن صاحب محل العصير لا يملك وكالة إعلانية تدفع للقنوات ملايين الجنيهات، ببساطة:

صاحب محل العصير فقير إعلاميًا، لا يستطيع شراء فاصل إعلاني في برنامج “توك شو”، ولا يستطيع أن يطلب رأي “خبير أمن غذائي” يدافع عنه على الهواء.

أما شركات المشروبات الغازية العملاقة، وشركات الأدوية العالمية، فلها ميزانيات إعلانية ضخمة، ولها عقود سنوية مع القنوات والمواقع.

فتتفاجأ أن نفس البرنامج الذي يذيع تحقيقًا مرعبًا عن ثاني أكسيد التيتانيوم في عصير قصب، يقطع على إعلان لمشروب غازي مليء بالسكر والمواد الحافظة، ثم يعود ليذيع إعلانًا لدواء يبتلعه الملايين وفيه نفس المادة، ولا أحد يتكلم.

لماذا؟

لأن الإعلان دفع فلوسه، أما صاحب العصير فلم يدفع، فليتحمل وحيدًا ويلات الحملة، هذا هو منطق السوق الإعلامي العاري.

قد قالت هيئة سلامة الغذاء إنه لا توجد مؤشرات على تحول الممارسة المحظورة لإضافة ثاني أكسيد التيتانيوم للأغذية والمشروبات إلى ظاهرة منتشرة فيما يقتصر استخدامها على تحسين مظهر ولون بعض المنتجات دون إضافة قيمة غذائية أو تغيير في الطعم

قطع الأرزاق: البطالة هي أم المصائب

أخطر ما في الحملة الحالية أنها تهدد أرزاق عشرات الآلاف من الشباب والبيوت المصرية التي تفتح أبوابها يوميًا من خلال محلات العصير.

هؤلاء الشباب ليس لديهم دخل آخر، ولا يملكون سوى ماكينة عصر قصب أو وعاء عرقسوس.

إذا نجحت هذه الحملة في إفراغ تلك المحلات من الزبائن — أو فرضت قيودًا خانقة تحت غطاء “حماية الصحة” — فالنتيجة المباشرة ليست فقط إغلاق أبواب الرزق، بل انفجار اجتماعي صامت.

لأن البطالة في شارع مصري لا يحتمل المزيد منها، هي أصل كل مصيبة، من زيادة الجريمة، إلى الانهيار النفسي، إلى التفكك الأسري، إلى البحث عن أي وسيلة للعيش ولو كانت غير مشروعة، كل بيت يُغلق، هو لبنة إضافية في جدار الغضب المتراكم.

نحن نعرف جميعًا ما يحدث عندما ينهار جدار الغضب، إغلاق محلات العصير معناه دفع آلاف الشباب إلى الشارع بلا مصدر رزق، وهذه وصفة أكيدة لمشاكل أكبر بكثير من مادة مبيضة بتركيز خاطئ في محل واحد.

المطلوب: وعي لا ذعر، وإنصاف لا إعلانات

لا أحد يدافع عن أي ممارسة تضر بصحة المواطنين، ويجب محاسبة المخالفين بصرامة.
لكن ما يحدث الآن ليس مجرد مراقبة صحية، بل حملة إعلامية مدروسة وممولة بشكل غير مباشر، هدفها تدمير منافس شعبي بسيط لم يعد قادرًا على الصمود أمام آلة الإعلام المأجورة.

المواطن الذكي يدرك أن عصير القصب الذي يُعصر أمام عينيه لا يحتاج إلى مواد مبيضة، وأن السوبيا الطبيعية تختلف كليًا عن تلك المُصنّعة.

ويدرك أيضًا أن الضجة التي يراها على الشاشة قد تكون مدفوعة الثمن، وعلينا جميعًا أن نسأل أنفسنا سؤالاً واحدًا: من يدفع؟ ومن المستفيد؟

وفي النهاية، إذا كانت الشركات الكبرى تريد العودة إلى قلوب الناس، فلتخفض أسعارها، ولتحسّن جودتها، بدلاً من محاولة تدمير أحلام الشباب في لبنة رزق شريفة، فالحفاظ على الأمن الاجتماعي يبدأ بالحفاظ على الأرزاق، وليس بقطعها تحت أي مبرر .

شارك المقال: