صناعة النخبة ( 2-2): كيف نُصبت الفخاخ للعقل العربي؟
فالمعركة لم تعد مجرد صراخ في الأستوديوهات، بل تحولت إلى "تجارة فكرية" منظمة تعتمد على عقدة الاستعلاء الغربي، وخوارزميات السوشيال ميديا التي ترفع السطحي وتدفن الرصين.

صورة تعبيرية للمقال
استعرضنا كيف تحول “الهامشي” إلى “مفكر” عبر بوابة الصدام مع الثوابت وسرقة أضواء “التوك شو”، ننتقل الآن إلى كواليس أكثر تعقيداً في مصنع النخبة الزائفة.
فالمعركة لم تعد مجرد صراخ في الأستوديوهات، بل تحولت إلى “تجارة فكرية” منظمة تعتمد على عقدة الاستعلاء الغربي، وخوارزميات السوشيال ميديا التي ترفع السطحي وتدفن الرصين.
في هذا الجزء، سنغوص في عالم “الوكلاء الحصريين” للمنتج الفكري الغربي، ونكشف وجوه “سدنة المعبد الرقمي الجديد” الذين صنعوا نجوميتهم في أسابيع معدودة.
من أدونيس وزيدان وصولاً إلى جيل “التيك توك” و”خبراء العار” الذين استبدلوا الكرامة الوطنية ببريق التمويل المشبوه، سنرى كيف تم “شعبنة” القبح ليصبح فرجة يومية تُذبح فيها الهوية على الهواء مباشرة.
فهل أنت مستعد لمواجهة “الوجوه القبيحة” في بورصة المدنيين الجدد؟
عقدة الاستعلاء – «الغرب قال إذن هو صحيح»
أحد أهم أعمدة هذه الصناعة هو ما يمكن تسميته بـ”التبعية الفكرية المزينة”، حيث يُقدَّم كل ما يأتي من الغرب باعتباره معياراً مطلقاً للحقيقة، بينما يُنظر إلى كل ما هو محلي بعين الشك أو الازدراء.
وهنا، لا يُطلب من “المفكر المدني” أن يفهم السياق الغربي، بل أن ينقله كما هو، حتى لو كان نتاج ظروف تاريخية مختلفة تماماً.
وهكذا، يتحول بعضهم إلى مجرد مترجمين رديئين لأفكار لا يدركون جذورها، لكنهم يلوّحون بها كأنها شهادة اعتماد فكرية تمنحهم شرعية مصطنعة.
كيف تحول بعض المحسوبين على النخبة إلى “وكلاء حصريين” للمنتج الفكري الغربي، حتى لو كان منتهي الصلاحية أو لا يناسب تربتنا المحلية:
أدونيس”المنظّر المغترب”
يُعد أدونيس النموذج الأبرز لـ “التبعية الفكرية المزينة”؛ فهو ينظر إلى التراث العربي والإسلامي كـ “بنية ثابتة” ميتة، ولا يرى الحداثة إلا من خلال العين الغربية (الفرنسية تحديداً).
وهو يكتب شعراً وفكراً لا يفهمه العرب، وينتظر “شهادة الاعتماد الفكرية” من الأكاديميات الغربية وجائزة نوبل، معتبراً أن “القطيع” المحلي لا يرتقي لمستوى عبقريته المستوردة.
يوسف زيدان: “الاستعلاء بالمنهج الاستشراقي”
زيدان يطبق حرفياً “عقدة الاستعلاء” عبر تبني “النظرة الاستشراقية” للتاريخ الإسلامي .. ينظر إلى كل ما هو محلي (مثل القدس) بعين الشك والازدراء، بينما يقدس المناهج النقدية الغربية التي تفتت الهوية.
الدكتور زيدان يلوّح بمخطوطاته كأنها “صكوك غفران” فكرية، محاولاً إقناعنا أن كل ما ورثناه هو “وهم”، وأن الحقيقة حصراً فيما يترجمه هو عن رؤى الغرب لشرقنا.
3. هاشم صالح:
لا يقدم مشروعاً فكرياً ذاتياً، بل كرس حياته لترجمة وتقديم “محمد أركون” و”التنوير الأوروبي” كحل وحيد ونهائي.
ولا يطلب من المتلقي فهم السياق، بل ينقل تجربة “الصراع الكنسي” في فرنسا ويحاول إسقاطها حرفياً على المساجد في العالم العربي.
يتحدث عن “اللاهوت” و”العلمانية” بلكنة باريسية، معتبراً أن أي شخص يتمسك بهويته هو مجرد “سجين في العصور الوسطى” لم يصله “نور” الغرب بعد.
جابر عصفور
رغم قيمته النقدية، إلا أنه كان يمثل المؤسسة الرسمية التي تُقدّم الفكر الغربي كـ “معيار مطلق للحقيقة”.
كان يرى أن “العقلانية” هي ما يحدده الغرب، وأي طرح محلي خارج هذا الإطار هو “خطاب أصولي” يجب تفكيكه.
السوشيال ميديا – معمل التفريخ السريع للنخب
في الماضي، كان الطريق إلى لقب “مفكر” يمر عبر دهاليز المكتبات العتيقة وسنوات من التكوين والاحتلاك الفكري المضني .. يكفي اليوم حساب نشط وفيديوهات قصيرة وعناوين صادمة لتُصنع “نجومية فكرية” مشوهة خلال أسابيع معدودة.
المنصات الرقمية لا تكافئ الأعمق، بل الأكثر إثارة للجدل، هنا، يصبح “المدني الزائف” نجماً لا لأنه يملك مشروعاً معرفياً، بل لأنه أتقن اللعب على أوتار “اللايك” و”الشير”.
نماذج من “سدنة” هذا المعبد الرقمي الجديد:
• شريف جابر.. “البروفيسور”الذي صنعته الكاميرا:
نموذج فج لفقرة “تضخم الأنا وفراغ المحتوى” ؛ نجح في حصد ملايين المشاهدات ليس بعمق طرحه، بل بجرأته على السخرية من المقدسات بإنتاج بصري مبهر، محولاً “النقد” إلى “عرض ترفيهي” يستهدف المراهقين فكرياً.
• خالد منتصر..
حكيم “التايم لاين يطبق قاعدة “هاجم تُصنّف.. واصدم تُموّل” ؛ فهو لا يترك شاردة ولا واردة في التراث إلا وحولها إلى معركة يومية على فيسبوك، مدركاً أن “الضجيج” هو العملة الوحيدة التي تضمن له البقاء في صدارة المشهد الإعلامي.
حامد عبد الصمد
المهاجر بصندوق “الأوهام”: يستورد بضاعة الاستشراق القديمة ويغلفها بلغة “التنوير” القادمة من وراء البحار، مانحاً نفسه “شرعية مصطنعة” تعتمد على ازدراء كل ما هو محلي وتراثي
من بلاد الشام: نموذج “المؤدلج المأجور” و”التنويري الصادم”
فارس الحلو:
رغم خلفيته الفنية، إلا أن السوشيال ميديا حولت بعض الوجوه السورية المقيمة في الخارج إلى “منظرين” يمارسون نقد الدين والتراث بأسلوب سطحي وعنيف، مستخدمين “القاموس المستورد” (مثل “تفكيك البنية” و”الظلامية”) دون إدراك لتعقيدات السياق المحلي، فقط لحصد “اللايكات” من جمهور يبحث عن “الصدام”.
من الخليج: نموذج “الليبرالي المشوه” و”مفكر الشنطة”
تركي الحمد (السعودية):
يمثل في الفضاء الرقمي نموذج “هاجم تُصنّف”؛ حيث جعل من منصة “إكس” ساحة دائمة للهجوم على التراث البخاري والمسلمات الدينية بأسلوب يستفز المشاعر العامة.
هو لا يقدم مشروعاً بديلاً لبناء العقول، بل يكتفي بـ “هدم كل شيء ليصعد فوق الركام” الرقمي.
منصور النقيدان (الإمارات):
نموذج صارخ لـ “تسليع الموقف الفكري”؛ انتقل من أقصى اليمين المتشدد إلى أقصى اليسار “المدني” الزائف.
بريقه ليس نتاج بحث علمي ببطء، بل نتاج “انقلابات فكرية” درامية تُسوق في البرامج الحوارية لخدمة توجهات سياسية معينة، محولاً “النقاش” إلى “عرض ترفيهي” مشوق.
يوسف أبا الخيل:
الذي يركز في طروحاته على “أنسنة النص” و”تغريب” الموروث، مطبقاً فقرة “التبعية الفكرية”؛ حيث يرى أن المعيار المطلق للحقيقة هو ما يتوافق مع الرؤية الغربية الليبرالية، وينظر بعين الشك لكل ما هو محلي أصيل.
جيل “التيك توك” و”سناب شات” (الخليج تحديداً)
ظهرت فئة من الشباب والفتيات الذين يقدمون أنفسهم كـ “مفكرين تنويريين” بأسلوب “الفاشينيستا”. يعتمدون على:
• عناوين صادمة: مثل “لماذا الحجاب ليس فرضاً؟” أو “الجنة ليست للمسلمين فقط”.
• اللعب على الخوارزميات: استخدام إضاءة مبهرة، ومونتاج سريع، ومعلومات مقتبسة من قشور الفلسفة الغربية لإيهام المتابعين بالعمق.
الهدف: احتكار الانتباه وتحويل “الفكرة” إلى “منتج” استهلاكي سريع الزوال.
من النقد إلى التجارة – تسليع الموقف الفكري
في الماضي كانت الخيانة “وجهة نظر” تُخجل صاحبها، أما اليوم فقد صارت “استراتيجية” تُفتح لها أعتى الاستوديوهات.
وراء هذه الظاهرة يقف نموذج “المتسلحة بالليبرالية” كـ داليا زيادة؛ تلك التي ظلّت سنوات تطلّ علينا بمسوح “البحث الديمقراطي” وحقوق الإنسان، حتى جاءت لحظة الحقيقة في غزة، فكشفت عن وجهها الحقيقي بلا خجل.
لم تكتفِ زيادة بوصف المقاومة بالإرهاب، بل نصّبت نفسها “ناطقة رسمية” باسم جيش الاحتلال، معتبرة أن إسرائيل تشن حرباً “بالنيابة عن الشرق الأوسط”.
ولا يكتمل المشهد دون “الناشط الإعلامي” الذي حوّل الشاشة إلى خشبة مسرح لخدمة الأجندة “الإبراهيمية” الجديدة.
هنا يبرز نديم قطيش، الذي نقل بضاعته من بيروت إلى استوديوهات “العربية” و”سكاي نيوز”، ليقدم لنا وجبة يومية من “الهزيمة النفسية” المغلفة بالكياسة الإعلامية.
قطيش لا يهاجم المقاومة فحسب، بل يمارس “التحريض الأيديولوجي” ضد كل من يرفض التطبيع، لدرجة أنه لم يجد حرجاً في كتابة مقالات في صحف عبرية، هو نموذج لـ “المفكر الوظيفي” الذي يتقاضى أجره مقابل إقناعنا بأن الاستسلام “واقعية”، وأن كرامة الأمة مجرد “أوهام غوغائية”.
مدرسة “البط بالمرتة” والفوضى المنظمة..
لا يمكننا تأريخ “صناعة الهامشيين” دون الوقوف إجلالاً (بالمعنى الساخر طبعاً) أمام ظاهرة توفيق عكاشة.
إذا كان القمني قد حاول “أكدمة” الهدم، وإبراهيم عيسى قد حاول “درمته”، فإن عكاشة هو من “شَعْبَن” هذا القبح وحوله إلى فرجة يومية.
توفيق عكاشة هو النموذج الأول لمن ركب الموجة وصنع بريقاً زائفاً عبر “الهرطقة الإعلامية”؛ فبينما كان يهاجم العقيدة تارة بجهل مطبق، كان يمارس “التنويم المغناطيسي” لجمهوره عبر قصص الماسونية والمؤامرات الكونية التي لا توجد إلا في مخيلته.
هو الذي مهد الطريق لـ داليا زيادة ونديم قطيش وأمثالهم؛ فإذا كان عكاشة قد تجرأ على الثوابت الوطنية والقومية بأسلوب “الفلاح الفصيح” المزيف.
جاء من بعده من فعل ذلك “بياقة بيضاء” ولغة فرنسية منمقة، لتتحول الشاشة في عهده من منبر للمعرفة إلى “محل طيور” يُذبح فيه الوعي الوطني والشرعي على الهواء مباشرة.
بين النخبة الحقيقية والنخبة المصنوعة
في النهاية، تبقى الفوارق واضحة لمن يريد أن يرى: فالنخبة الحقيقية تُبنى ببطء، وتتأسس على معرفة، وتتحمل مسؤولية ما تقول، بينما النخبة الزائفة تُصنع بسرعة، وتعيش على الإثارة، وتزول بانتهاء موجة الجدل التي صنعتها.
وبين الاثنين، يقف المتلقي العربي أمام اختبار صعب: هل ينحاز إلى من يبني العقول، أم إلى من يكتفي بهدم كل شيء ليصعد فوق الركام؟






