معتز منصور يكتب: ما وراء زوايا المشهد
تهدئة هنا تُقدَّم كأنها مفتاح لانفراج هناك، وتوتر في ساحة ما يُفسَّر كأنه يشرح ما يجري في ساحة أخرى.

صورة من وحي المقال
في أوقات التصعيد، تميل المنطقة إلى قراءة نفسها عبر روابط سريعة. تهدئة هنا تُقدَّم كأنها مفتاح لانفراج هناك، وتوتر في ساحة ما يُفسَّر كأنه يشرح ما يجري في ساحة أخرى. هذا الميل مفهوم في إقليم تتقاطع فيه الملفات وتتحرك أزماته أحيانًا بإيقاع متزامن، لكنه مع ذلك لا يجعل كل تزامن علاقة سببية، ولا كل تقاطع معادلة جاهزة.
من هذا الباب، برز الربط بين وقف إطلاق النار في لبنان وبين الحديث عن أمن الملاحة في مضيق هرمز. بالنسبة للبعض، بدا الأمر كأنه نتيجة مباشرة، ضغط في الجبهة اللبنانية قابله انفتاح في الخليج، أو تهدئة على حدود الشمال انعكست تلقائيًا على أحد أكثر الممرات حساسية في العالم. غير أن هذا النوع من القراءة، رغم جاذبيته، يحتاج إلى قدر من الحذر قبل اعتماده كحقيقة مكتملة.
لبنان ليس ساحة منفصلة عن محيطه، كما أنه ليس مركزًا تدور حوله كل التحولات. موقعه الفعلي يقع بين هذين التصورين. في بعض اللحظات يتحول إلى عنصر مؤثر في ميزان التوتر الإقليمي، وفي لحظات أخرى يصبح تأثيره محدودًا أو غير مباشر. لذلك، يمكن إدخال ما يجري فيه ضمن حسابات أوسع، لكن من دون افتراض أنه وحده يفسر ما يجري خارج حدوده.
الأمر نفسه ينطبق على مضيق هرمز. فالممرات البحرية لا تُقرأ فقط بمنطق الإغلاق والفتح، بل بمنطق أكثر تعقيدًا يتعلق بدرجة المخاطر المحيطة بها، وحجم الردع القائم حولها، ومستوى القلق في الأسواق، وكلفة التأمين، واستعداد القوى الكبرى للتدخل. أحيانًا يبقى الممر مفتوحًا شكليًا، لكنه يعمل تحت سقف توتر مرتفع. وأحيانًا تنخفض المخاطر من دون أن يتغير شيء ظاهر في حركة العبور.
من هنا، قد يكون الأدق القول إن تهدئة لبنان تدخل في مناخ أوسع لإعادة ضبط التوتر الإقليمي، وهو مناخ ينعكس بدوره على ملفات متعددة، من بينها أمن الملاحة. بهذا المعنى، العلاقة موجودة، لكنها ليست بالبساطة التي تُروى بها، ولا بالخطية التي توحي بها بعض العناوين.
أما التصريحات الصادرة عن واشنطن أو طهران أو تل أبيب، فلا تُقرأ بوصفها نوعًا واحدًا من الكلام. فليست كل العواصم سواء في القدرة على الفعل، ولا كل التصريحات سواء في قيمتها التفسيرية. هناك كلام يصدر عن طرف يملك أدوات التأثير المباشر، فيصبح جزءًا من صناعة الحدث لا مجرد تعليق عليه. وهناك كلام يهدف إلى الردع أو تحسين الموقع التفاوضي أو مخاطبة الداخل. لذلك، لا تُقاس أهمية التصريح بنبرته، بل بموقع قائله، وبما يملكه من قدرة على تحويل الكلمات إلى وقائع.
في هذا السياق، قد يحمل تصريح أميركي دلالة تتجاوز عباراته، لأنه يصدر عن طرف يمتلك وسائل ضغط فعلية على أكثر من ساحة. وقد يحمل تصريح إيراني أهمية من نوع مختلف، لأنه يكشف حدود الاشتباك أو اتجاه الرسائل أو سقف الردع الممكن. أما التصريحات الإسرائيلية، فتُقرأ غالبًا بين مستويين، مستوى الرسالة العسكرية، ومستوى الحسابات الداخلية. جمع هذه التصريحات في سلة واحدة يظلم الفروق بينها، كما أن التعامل معها كحقائق نهائية يظلم الواقع نفسه.
لبنان هنا مثال واضح على خطأين متقابلين. الأول تقزيم دوره إلى حد اعتباره هامشًا لا أثر له. والثاني تضخيمه إلى حد اعتباره مفتاحًا يعيد ترتيب الإقليم كله. والحقيقة أن تأثيره، كغيره من الساحات، يتحدد بميزان اللحظة، لا بالشعارات المسبقة.
لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل أدى وقف إطلاق النار في لبنان إلى فتح هرمز؟ بل سؤال آخر أكثر دقة، إلى أي حد ساهمت تهدئة لبنان في خفض منسوب التوتر العام، بما سمح بإعادة ترتيب أولويات أخرى في الإقليم؟ الفرق بين السؤالين يبدو لغويًا، لكنه في التحليل فارق بين من يبحث عن عنوان سريع، ومن يحاول فهم البنية التي أنتجت الحدث.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في الربط بين الساحات، بل في طريقة الربط بينها. حين تُختزل المنطقة إلى سلسلة أزرار، يبدو المشهد سهلًا ومقنعًا، لكنه يفقد عمقه. أما حين تُقرأ الوقائع وفق تفاوت الأوزان، وتعدد المستويات، ودرجات التأثير المختلفة، يصبح الفهم أبطأ قليلًا، لكنه أقرب إلى ما يجري فعلًا وراء زوايا المشهد.






