مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

د. محمد فؤاد يكتب: نقابة مهندسة خارج التاريخ

إن قانون نقابة الصحفيين المتقادم وقانون نقابة الإعلاميين المصطنع ليسا سوى أداتين لإحكام السيطرة البيروقراطية وعزل أصحاب الخبرات الحقيقية عن إدارة شؤون مهنتهم.

مشاركة:
حجم الخط:

لماذا يصرّ العقل البيروقراطي المصري على ازدواجية الكارثة؟

حين يستيقظ الوطن على مشهد عبثي يتوزع فيه أهل القلم والصوت بين كيانين مهترئين، أحدهما يلهث خلف أرشيف عتيق يعود لعصر الاتحاد الاشتراكي.

وآخر وُلد طفلاً مسخاً بقرار فوقي قبل عشر سنوات. فإننا لا نتحدث عن تنظيم مهني، بل عن جنازة كبرى للوعي المؤسسي.

​أن تقف في “بلد العجائب” لتكتشف أن الصحافة في وادٍ، والإعلام المرئي والمسموع في وادٍ آخر، فهذه بدعة لم تعرفها أرض بشر.

عاجل من قاع الهامور: «آخر الكلام» تصدر أول طبعة مبللة (2-3)

في الدنيا كلها، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، الصحافة تعني الإعلام بشتى وسائله ومنصاته.

فالكلمة الطابعة، والصوت الإذاعي، والشاشة الرقمية، وصانع المحتوى الذي يتابعه ملايين البشر، كلها روافد لنهر واحد يصب في مصفاة الحقيقة والوعي.

فلماذا تحولت مصر إلى جزيرة منغلقة تعزل الصحفي عن المذيع، وتترك أساتذة الأكاديميات في العراء النقابي، بينما تئن المهنة بأكملها تحت وطأة أسوأ مراحل الانحطاط النقابي والمهني؟

​جرح شخصي في جسد مهنة: أربعون عاماً بلا مظلة

​من صميم المعاناة الذاتية ومن تجربة حية أكلت أربعة عقود من العمر، يكتسب هذا الكلام طعماً آخر من المرارة.

أربعة عقود قضيتها مقاتلاً في خنادق المهنة، بدأت رحلتي في مؤسسة “الأهرام” العريقة عامين كاملين من الشقاء المضني والعمل بلا أجر.

تركت فيهما زهرة الشباب على عتبات الصحافة المكتوبة طمعاً في انتماء حقيقي، ثم أمضيت بقية المسيرة محرراً ومترجماً في قطاع الأخبار، أحمل همّ الكلمة وأصنع الخبر.

وأغادر اليوم سُلم الخدمة دون أن أظفر بـ “كارنيه” نقابة الصحفيين أو أحظى باعتراف رسمي في ظل هذا الوضع الشاذ!

أنا واحد من عشرات آلاف الكفاءات التي عُصِرت في مهنة بلا حماية

ومن موقع من عاش المرارة حفرة حفرة، أعلن رفضي القاطع لوجود “نقابة للإعلاميين” وُلدت مشوهة ومستمرة منذ عشر سنوات لتكرس الفرز الطبقي والبيروقراطي.

بينما ظل قانون نقابة الصحفيين تحفة أثرية جامدة تجاوزها الزمن، لا تقرأ متغييرات العصر ولا تستوعب زلزال التحولات الرقمية.

وعجزت يوماً عن استيعاب صناع المحتوى في المنصات الحديثة حيث باتت منصة واحدة تحصد جمهوراً يعادل مائة ضعف صحيفة ورقية عتيقة.

​البدعة المصرية: تشريعات عفا عليها الزمن وخداع مُقنن

إن هذا التشرذم التشريعي لا مثيل له في أي بقعة من العالم،  فلا توجد نقابة مستقلة لأطباء العيون وأخرى لأطباء العظام، ولا نقابة لمهندسي الكهرباء وثانية لمهندسي السكك الحديدية.

إنها نقابة مهندسين واحدة، جامعَة مانعة، مهما تعددت التخصصات وتفرعت الفروع. فلماذا يُستثنى الإعلام والصحافة في مصر من بديهيات التنظيم النقابي؟

​كيف يستقيم منطق العقل الإداري أن تنفصل الصحافة المكتوبة عن الشاشة والمرئي، وكيف يُترك أساتذة الإعلام والأكاديميون خارج أسوار النقابتين معاً في سخرية تشريعية لا مثيل لها؟

إن قانون نقابة الصحفيين المتقادم وقانون نقابة الإعلاميين المصطنع ليسا سوى أداتين لإحكام السيطرة البيروقراطية وعزل أصحاب الخبرات الحقيقية عن إدارة شؤون مهنتهم.

​الكارثة بعيون دولية: هكذا ينظم العالم المتقدم مهنة الكلمة والصورة

​حين نغادر المحلية الضيقة ونطيل النظرة إلى التجارب الغربية العريقة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة، تتكشف بجلاء فداحة الوضع الشاذ في مصر.

حيث تسقط الحواجز المصطنعة بين الوسائل وتتوحد المظلات المهنية تحت مفاهيم حماية وحرية مطلقة:

​فرنسا:

تُدار المنظومة عبر بطاقة صحفية موحدة وشاملة تصدرها لجنة عليا (CCIJPP) تضمن لكل محترف في الصحافة المكتوبة أو التلفزيونية أو الرقمية حقوقاً متساوية بلا تفريق بين وسيط وآخر.

​بريطانيا:

تتولى مؤسسات مثل “الاتحاد الوطني للصحفيين” (NUJ) الدفاع عن كافة العاملين في صناعة الأخبار دون تمييز، مع هيئة تنظيمية ضبطية مستقلة (مثل IPSO) تتجاوز الوصاية البيروقراطية.

​ألمانيا:

يقوم النظام على مجالس صحفية وإعلامية موحدة (Deutscher Presserat) تدمج كافة المنصات تحت مظلة أخلاقية ومهنية صلبة تحمي المحرر والمذيع والمصمم الرقمي في آنٍ واحد.

​الولايات المتحدة:

يغيب تماماً مفهوم النقابة الإجبارية المرخصة حكومياً؛ فالنقابات المهنية للإعلام (مثل SAG-AFTRA أو The NewsGuild) تدافع عن حقوق العاملين بمختلف منصاتهم العابرة للورق والشاشات، بلا تمييز بين محرر صحيفة أو صانع محتوى.

​التمرد واجب وطني: دمج الكيانين أو الانهيار الأخير

​إن استمرار هذا الوضع المقلوب لم يعد مجرد خلل إداري، بل هو جريمة مكتملة الأركان بحق القوة الناعمة المصرية وأجيال كاملة من الصحفيين الذين دفعوا أعمارهم ثمناً للفوضى النقابية.

​إن القرار البديل والوحيد المتبقي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه واضح ولا يقبل المساومة:

​إلغاء نقابة الإعلاميين الحالية باعتبارها هيكلاً مصطنعاً ولد ميتاً وأثبت فشله خلال العقد الماضي.
​إصدار تشريعي عصري ثوري يدمج الصحافة والإعلام بكل منصاته ووسائطه في نقابة مهنية واحدة للمحتوى والإعلام، تعترف بالمنصات الرقمية وتضم أساتذة الأكاديميات الذين يُستبعدون اليوم بجهل مطبق.

​بعد أربعة عقود قضوها في معبد الصحافة وبناء الوعي دون أن أظفر بقطرة عَدْل نقابي، أقولها مدوية:

آن أوان الثورة على القوالب البالية.

فإما نقابة واحدة قوية تعيد للإعلام المصري هيبته وتحفظ كرامة أبنائه الحقيقيين، أو فوضى مستمرة تبتلع ما تبقى من تاريخ هذا الوطن.

شارك المقال: