د. أيمن منصور ندا يكتب: ما بعد التقرير؟ (12-12) الأخير
إصلاح الإعلام، بطبيعته، لا ينجح إلا في الضوء، لذلك فإنَّ أول شرط لأي إصلاح حقيقي هو الخروج من منطق اللجنة إلى منطق الحوار العام،

صورة تعبيرية للمقال
قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (12-12)
إصلاح الإعلام أم إعادة تدوير الأزمة؟
بعد هذه الجولة الطويلة من القراءة والنقد والتفكيك، لم يعد الهدف هنا أن نكرر ما سبق، ولا أن نعيد محاكمة التقرير بنداً بنداً، فلقد قيل الكثير عن مشكلات التشخيص، وحدود التوصيات، وما سكت عنه التقرير أو لامسه بحذر.
في هذا الجزء الأخير، نحاول أن نلملم الخيوط المتفرقة، وأن نضع أمام القارئ خلاصة ما تكشفه الوثيقة، لا بوصفها نهايةً للنقاش، بل بدايةً لسؤال أهم: إذا كان التقرير قد اعترف بالأزمة، فما الذي يجب أن يحدث بعدها؟
د. أيمن منصور ندا يكتب: حين تتعارك التوصيات
د. أيمن منصور ندا يكتب: الجمهور الذي خرج من القاعة
الخلاصة الأولى
أنَّ أزمة الإعلام المصري ليست أزمة أدوات: ليست في المقام الأول أزمة كاميرات، ولا تطبيقات، ولا منصات، ولا ذكاء اصطناعي، ولا وحدات تدريب، ولا نقصاً في عدد الاجتماعات، ولا غياباً في لجان الخبراء.
إنَّ الأزمة الأصلية هي أزمة علاقة بين الإعلام والسلطة، وبين الإعلام والجمهور، وبين الإعلام والحقيقة.
فإذا ظلت هذه العلاقات الثلاث مختلة، فلن ينقذنا أي تحديث تقني، ولن يصنع لنا الذكاء الاصطناعي إعلاماً ذكياً، ولن تجعلنا المنصات الوطنية أكثر إقناعاً، ولن تعيد صناديق التمويل الثقة التي تبخرت من القلوب والعقول.
الخلاصة الثانية
أنَّ الإعلام لا يُصلح من داخل الغرف المغلقة وحدها:
إصلاح الإعلام، بطبيعته، لا ينجح إلا في الضوء، لذلك فإنَّ أول شرط لأي إصلاح حقيقي هو الخروج من منطق اللجنة إلى منطق الحوار العام، يجب أن يسمع الإصلاح أصوات من غابوا عن اللجان:
الصحفي المستبعد، والمذيع المجمد، والقارئ الذي هجر الصحف، والشاب الذي لا يفتح التلفزيون، وصانع المحتوى الذي نجح خارج المنظومة، والأكاديمي غير المحسوب، والجمهور الذي لم يعد يصدق ما يسمع.
الخلاصة الثالثة
أنَّ الاستقلال لا يُمنح بعبارة في القانون، بل يُحمى بضمانات في الواقع، وكل حديث عن هيئات مستقلة يصبح بلا معنى إذا كانت هذه الهيئات لا تستطيع أن تمارس استقلالها، أو لا تملك شجاعة الدفاع عنه، أو لا تعلن من يعتدي عليه.
إنَّ الاستقلال، كما نفهمه، ليس صفةً شرفيةً، ولا ديكوراً دستورياً، ولا كلمة نكتبها في ديباجة النصوص، الاستقلال يعني أن تكون للمؤسسة قدرة فعلية على القرار.
وأن يكون تدخل السلطة فيها استثناءً معلناً ومقيداً بالقانون، لا قاعدةً غير مكتوبة يعرفها الجميع وينكرها الجميع. ومن هنا، فإنَّ أي خارطة طريق جديدة يجب أن تبدأ بسؤال واضح:
كيف نحمي القرار التحريري من التدخل غير المهني؟
لا كيف نطوّر المنصة التي ستنشر القرار بعد التدخل فيه.
الخلاصة الرابعة
أنَّ الثقة لا تُستعاد بالإقناع، بل بالاستحقاق؛ الحقيقة أن الجمهور فهم أكثر مما ينبغي، وربما لهذا انصرف!
الثقة لا تعود بحملة إعلامية عن أهمية الثقة، ولا بندوة عن المصداقية، ولا ميثاق شرف يعلّق على الحائط.
تعود الثقة حين يرى الجمهور أنَّ الشاشة تقول له ما يعرف أنه صحيح، وليس ما يراد له أن يصدقه، وتعود حين يرى خطأً معلناً وتصحيحاً واضحاً، وتعود حين يرى اختلافاً حقيقياً لا تمثيلية اختلاف، وتعود حين يرى إعلامياً كبيراً يُحاسب كما يُحاسب إعلامي صغير، ومؤسسة مقربة تُسأل كما تُسأل مؤسسة بعيدة.
الخلاصة الخامسة
أنَّ المهنية بلا حرية تتحول إلى تدريب على الأداء الآمن.
إذا عاد الصحفيون والإعلاميون إلى غرف أخبار لا يملكون فيها حق السؤال، ولا حق ترتيب الأولويات، ولا حق اختيار الضيف، ولا حق ملاحقة الحقيقة إلى نهايتها، فكل هذا التدريب يصبح تحسيناً لشكل القيد!
الصحفي المدرب الذي لا يستطيع أن ينشر، مثل جراح ماهر ممنوع من دخول غرفة العمليات! لذلك فإنَّ أي مشروع تدريب لا يسبقه أو يوازيه تحرير نسبي لمساحة العمل المهني، سيكون مشروعاً ناقصاً، وربما عبثياً.
الخلاصة السادسة
أنَّ التمويل لا يجب أن يكون إنقاذاً للفشل، بل عقداً جديداً للأداء؛ والدعم العام، إذا لم يُربط بمعايير شفافة، قد يتحول إلى مكافأة للترهل، وبدل بطالة مؤسسي، وتمويل دائم لمن لم ينجحوا في مخاطبة الجمهور.
أي جنيه عام يذهب إلى مؤسسة إعلامية يجب أن يقابله التزام واضح: شفافية في الإدارة، معايير أداء، استقلال تحريري، نشر حسابات، تقييم جمهور، مساءلة قيادات، وخطة خروج تدريجي من الاعتماد على الدعم.
أما إنقاذ المؤسسات دون تغيير أسباب مرضها، فهو شراء وقت إضافي للفشل.
الخلاصة السابعة
أنَّ مكافحة التضليل لا تنجح إذا كان الناس لا يثقون في حارس الحقيقة؛ ومواجهة التضليل لا تكون بإنشاء جهة رسمية تحتكر تعريف الحقيقة، بل ببناء منظومة تحقق مستقلة، متعددة، شفافة، قابلة للمراجعة.
حين يفقد الجمهور ثقته في الإعلام، يصبح كل نفي رسمي موضع شك، وكل صمت رسمي دليل اتهام، وكل تأخر في المعلومة فرصة للشائعة.
لذلك فإنَّ أقوى سلاح ضد التضليل ليس المنع، بل السرعة والشفافية والمعلومة الكاملة.
الفراغ هو المصنع الأكبر للشائعة، والإعلام الضعيف هو الموزع المجاني لها..
الخلاصة الثامنة
أنَّ الإعلام العام ليس إعلام الحكومة: إعلام الخدمة العامة لا يعني أن يكون الإعلام مملوكاً للدولة لكي يتحدث باسم الحكومة، بل أن يكون مملوكاً للمجتمع لكي يخدم حقه في المعرفة والثقافة والنقاش.
ماسبيرو، أو أي مؤسسة إعلام عام، لا يجب أن يكون نشرة نشاط رسمي طويلة، ولا منصة علاقات عامة، ولا صدى للبيانات، بل يجب أن يكون مساحةً وطنيةً جامعة، ترى الدولة والمجتمع معاً، وتخدم المواطن قبل المسؤول، وتضع الخبر حيث يضعه الحدث لا حيث تضعه البروتوكولات.
وإذا لم نحرر مفهوم الإعلام العام من مفهوم الإعلام الرسمي، فلن نخرج من الدائرة نفسها..
الخلاصة التاسعة أن اختيار القيادات هو أمّ المعارك:
لا توجد مؤسسة تنهض بقيادات ضعيفة، ولا مجال إعلامي يتعافى بأشخاص تم اختيارهم لأنهم آمنون وليس لأنهم أكفاء.
في الإعلام تحديداً، القائد الضعيف لا يكتفي بالفشل، بل يضاعف الفشل لأنه يختار من هم أضعف منه، ويقصي من يخيفونه بكفاءتهم، ويحوّل المؤسسة إلى منطقة آمنة للرداءة!
لذلك فإن أي خارطة طريق جديدة يجب أن تبدأ بتغيير فلسفة الاختيار:
إعلان معايير المناصب القيادية، فتح الترشح، نشر السير الذاتية، تقييم الأداء، تحديد مدد واضحة، ومنع انتقال الفاشل من كرسي إلى كرسي كأن الفشل خبرة تراكمية.
الخلاصة العاشرة
أن الإصلاح الإعلامي لا يبدأ بإضافة كيانات جديدة، بل بمساءلة الكيانات القائمة.
مشكلتنا ليست في نقص اللافتات، بل في ضعف الفعل خلف اللافتات. قبل أن ننشئ وحدة جديدة، يجب أن نسأل:
ماذا فعلت الوحدة القديمة؟
وقبل أن نقترح صندوقاً، نسأل: من أضاع المال السابق؟
وقبل أن نطلق منصة، نسأل: لماذا لم يثق الناس في المنصات الحالية؟
وقبل أن نصوغ ميثاقاً، نسأل: لماذا لم تُطبق المواثيق السابقة؟
إنَّ الإصلاح الحقيقي ليس تراكم مبانٍ مؤسسية، بل إعادة تعريف المسؤولية داخلها.
ومن هذه الخلاصات لا نخرج بخاتمة مريحة
بل بسؤال عملي قاسٍ:
ماذا نفعل إذا كنا جادين فعلاً؟ فالإصلاح لا يحتاج إلى طبقة جديدة من الكلام فوق الكلام، بل إلى تحويل الاعتراف بالأزمة إلى التزامات محددة.
لذلك، فإن خارطة الطريق التالية لا تبدأ من السحابة والمنصة والصندوق، بل من الشروط التي تجعل كل ذلك ذا معنى:
الحرية، والثقة، والمحاسبة، والاستقلال، والجمهور.
وهذه خطوات ضرورية في هذا الاتجاه: –
الخطوة الأولى
هي إعلان مراجعة وطنية مفتوحة لحالة الإعلام، لا تشارك فيها المؤسسات الرسمية وحدها، بل الجمهور والمهنيون المستبعدون والخبراء المستقلون، وصناع المحتوى، والجامعات، والنقابات.
الخطوة الثانية
هي إصدار ضمانات واضحة لاستقلال غرف الأخبار؛ لا إصلاح دون قواعد معلنة تمنع التدخل غير المهني في ترتيب الأخبار، واختيار الضيوف، ومنع الأسماء، وتوحيد الرسائل.
هذه الضمانات يجب أن تكون مكتوبة، قابلة للطعن، ومعلنة للجمهور..
الخطوة الثالثة
هي إعادة بناء الهيئات الإعلامية نفسها على أساس المساءلة؛ يجب أن تقدم الهيئات الثلاث كشف حساب علنياً عن السنوات الماضية:
ماذا فعلت؟ ماذا فشلت في فعله؟
ما الذي منعها؟ وما الذي تحتاجه لتعمل؟
ثم يعاد تشكيل قياداتها أو تقييمها وفق معايير مهنية واضحة.
الخطوة الرابعة
هي تحرير إعلام الخدمة العامة من منطق الإعلام الرسمي، يجب أن يكون لماسبيرو، أو أي مؤسسة عامة، مجلس أمناء حقيقي، وسياسة تحريرية منشورة، ومعايير استضافة واضحة، ومساحات منتظمة للرأي المختلف، ونظام شكاوى وتظلمات، وتقرير سنوي عن الأداء والثقة والجمهور.
الخطوة الخامسة
هي بناء اقتصاد إعلامي شفاف لا يخلط الدعم بالطاعة
أي صندوق أو دعم أو إعفاء يجب أن يكون مرتبطاً بمعايير معلنة:
عدد الجمهور، جودة المحتوى، الالتزام المهني، الشفافية المالية، الاستقلال التحريري، التطوير الرقمي، وتنوع الأصوات.
الخطوة السادسة
هي فتح المجال أمام المنافسة والتعدد، لا بناء منصات مركزية جديدة قد تتحول إلى احتكارات أكثر أناقة.
الخطوة السابعة
هي تحويل حرية المعلومات من شعار إلى بنية عمل يومية؛ قانون تداول المعلومات، مهما كان جيداً، لن يكفي إذا بقيت الثقافة الإدارية كما هي.
الخطوة الثامنة
هي وقف ثقافة التخوين والتشهير باعتبارها سرطاناً مهنياً؛ لا يمكن بناء إعلام محترم بينما تتحول الشاشات إلى ساحات تصفية حسابات، ولا يمكن استعادة الثقة بينما يرى الناس أن القواعد تطبق على الضعفاء وتُنسى عند الأقوياء.
الخطوة التاسعة
هي إعادة الاعتبار للمهنيين الذين تم استبعادهم أو تجميدهم أو دفعهم إلى الهامش؛ لا يمكن لبلد أن يشتكي من ضعف الإعلام بينما يترك بعض أفضل كفاءاته خارج الملعب.
الخطوة العاشرة والأخيرة
هي الاعتراف بأنَّ الإعلام ليس عبئاً على الدولة، بل جهاز إنذار مبكر لها؛ الإعلام الحر قد يزعج السلطة، لكنه ينقذ الدولة، والإعلام المطيع قد يريح المسؤول، لكنه يخدر النظام.
هذه الخريطة، في تقديري، أقرب إلى الإصلاح الحقيقي من خرائط تبدأ بالسحابة والمنصة والصندوق، وتؤجل سؤال الحرية إلى أجل غير مسمى.
وفي الختام نقول:
إنَّ تقرير اللجنة، رغم كل ما قيل فيه، يمكن أن يكون مفيداً إذا تعاملنا معه ليس كخطة نهائية، بل كجرس إنذار.
إنَّ قيمته الحقيقية ليست في أنه قدم الحل، بل في أنه اعترف، ولو جزئياً، بأنَّ هناك أزمة لم يعد ممكناً إنكارها.
لكنَّ الاعتراف نصف الشجاعة، والنصف الآخر هو أن نذهب إلى حيث خاف التقرير أن يذهب، وأن نسمي الأشياء بأسمائها.
أن نقول بوضوح إنَّ الإعلام المصري لن ينهض إلا إذا خرج من منطق الإدارة إلى منطق الحرية، ومن منطق التعليمات إلى منطق المهنية، ومن منطق النجاة الفردية إلى منطق المسؤولية العامة..
والآن لم يعد السؤال: ماذا قال التقرير؟ بل ماذا سنفعل بعد أن كشف، بصمته قبل كلماته، أن الإعلام المصري لا يحتاج إلى رتوش جديدة، بل إلى إعادة تأسيس كاملة لعلاقته بالسلطة، وبالجمهور، وبالحقيقة!






