آراء و تحليلات

د. ايمن خالد : كيف يُصاغ الكذب في ثوب الحقيقة؟

التضليل الإعلامي لم يعد مجرد تلفيق خبر أو تزوير صورة. نحن اليوم أمام نمط مركّب من الأكاذيب يدعى “السردية المفبركة” أي اختلاق قصة محبوكة التفاصيل

مشاركة:
حجم الخط:

من يكتب سرديات الكذب المقنّع؟

التضليل الإعلامي لم يعد مجرد تلفيق خبر أو تزوير صورة. نحن اليوم أمام نمط مركّب من الأكاذيب يدعى “السردية المفبركة” أي اختلاق قصة محبوكة التفاصيل، متكاملة البناء، ذات مصطلحات دقيقة، ومرتبطة بسياقات واقعية، لتبدو وكأنها تقرير موثوق أو تصريح رسمي أو وثيقة استراتيجية.

من يقوم بهذه الصناعة؟
إنهم ليسوا هواة، بل شبكات محترفة تضم:
• خبراء لغويين وإعلاميين سابقين
• ضباط استخبارات أو عاملين في وحدات الحرب النفسية
• مجموعات رقمية تتبع غرف عمليات سياسية أو استخباراتية

وغالبًا ما تتحرك هذه الجهات بتكليف مباشر من:
• أجهزة استخبارات دولية أو إقليمية
• مراكز دراسات “تابعة شكليًا” لقوى سياسية
• أو حتى شركات تسويق سياسي تعمل لصالح جهات في الظل

أشهر الأمثلة تشمل ما كشفته ويكيليكس عن وحدة الاستخبارات البريطانية GCHQ وعملياتها في تضليل الرأي العام في الشرق الأوسط، وكذلك الدور المزدوج لوحدات “ترويج الديمقراطية” في البنتاغون وCIA خلال غزو العراق.

كيف يُصاغ التضليل السردي؟ (الميكانيزم)

  1. صياغة القصة داخل غرفة مظلمة: حيث تُجمع أجزاء من الوقائع الحقيقية، وتُركّب داخل نص يظهر وكأنه رسمي أو مسرّب.
  2. اختيار اللحظة المناسبة: يُنشر التضليل أثناء أزمة سياسية أو بعد تصريح حساس، ليظهر كـ”تسريب موثوق”.
  3. الإيحاء بالمصداقية: من خلال:
    • استخدام لغة دبلوماسية
    • صيغة خطاب رسمي
    • توقيع أو شعار مزور
  4. تسريبه عبر حسابات موالية أو شبكات مظللة: تبدأ الحملة في تيليغرام أو تويتر أو صفحات تتبع دولًا أو جهات استخباراتية.

التأثير على الرأي العام: تضليل مدروس

إلى أي مدى تؤثر هذه السرديات؟
ببساطة، تُشكّل قناعات الشعوب. هذه بعض الأبعاد:
• تزييف الإدراك الجمعي: يصبح الشعب في وادٍ والواقع في وادٍ آخر، نتيجة إغراقه بموجات “حقائق مزيفة”.
• خلق أعداء وهميين: تُستخدم هذه السرديات لتوجيه الكراهية نحو جهة أو زعيم أو طائفة معينة.
• شرعنة الاستبداد أو الاحتلال: كما حصل عند تقديم غزو العراق على أنه “تحرير”.
• تفتيت الهوية الوطنية: عبر تعميق الاصطفاف الطائفي والقومي كما حدث في لبنان والعراق وسوريا.
• إسقاط الشرعية السياسية عن حكومات أو ثورات أو مؤسسات، بإلصاق تهم باطلة بها.

هل يُعاقب القانون الدولي على هذا النوع من التضليل؟

حتى اللحظة، لا توجد اتفاقية دولية مُلزمة تحاسب بشكل مباشر “صانعي التضليل الإعلامي” في حالة السلم، إلا في ثلاث حالات فقط:

  1. إذا تسبب التضليل في إشعال حرب أو صراع أهلي (كما حصل في رواندا)
  2. إذا أدى إلى انتهاك جسيم لحقوق الإنسان أو جرائم إبادة
  3. إذا كان صادرًا عن جهة حكومية وموثقًا كأداة حرب نفسية

•نموذج رواندا 1994: أدينت إذاعة RTLM بالتسبب في التحريض على الإبادة الجماعية، عبر بث سرديات زائفة عن أقلية التوتسي، واعتبر ذلك “جريمة ضد الإنسانية” في محكمة لاهاي.

•نموذج غزو العراق 2003: تبيّن لاحقًا أن ترويج رواية أسلحة الدمار الشامل من قبل الإدارة الأميركية والبريطانية بني على معلومات كاذبة، ومع ذلك لم تُحاسب أي جهة قضائيًا، بل اعتُبرت “أخطاء استخباراتية”.

خلاصة تحليلية
• التضليل عبر السردية المفبركة أخطر من الكذب المباشر، لأنه يُقنّع الأكاذيب بملامح الحقيقة.
• من ينتجه؟ ليس الأفراد، بل أجهزة ومؤسسات تعمل بمنهجية نفسية–إعلامية معقّدة.
• خطورته في قدرته على صناعة قرار شعب بأكمله.
• القانون الدولي ما زال عاجزًا عن مواكبة هذا النوع من الجرائم الناعمة إلا إذا ارتبطت بجرائم حرب أو تطهير عرقي.

هل من حلّ؟

نعم… الوعي النقدي الجمعي الصحافة الاستقصائية التعليم الرقمي المبكر هي أدوات المواجهة.
فمن لم يتعلم كيف يفكك الخطاب، سيقع ضحية لكل سردية مفبركة تُزفّ إليه كأنها وحي الحقيقة.

أخر الكلام

شارك المقال: