علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

حسن مدبولي يكتب: مأساة السلطة المنتخبة في العالم الإسلامي؟

ما حجم التوازن بين السلطة التنفيذية وبقية مؤسسات الدولة؟ وهل يمكن أن تؤدي هذه التغييرات في نهاية المطاف إلى نكسة كبرى؟

مشاركة:
حجم الخط:

في العالمين العربي والإسلامي، تبدو الديمقراطية أحيانًا طريقًا ممكنًا إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، لكنها لا تبدو بالضرورة طريقًا آمنًا إلى تولي الحكم أو البقاء فيه.

فقد يصل القائد السياسي إلى قمة السلطة بأصوات الناخبين، ثم يكتشف أن الصندوق الذي حمله إلى تلك القمة ليس الصندوق الوحيد الذي يقرر مصيره، وأن هناك قوى ومؤسسات أخرى قد تكون قادرة على إنهاء تجربته، أو تقليص نفوذه، أو دفعه إلى السجن أو المنفى أو التهميش، أو حتى الموت.

تكشف تجارب متعاقبة، من بنظير بوتو في باكستان إلى محمد مرسي في مصر، ثم عمران خان في باكستان وقيس سعيد في تونس، وأنور إبراهيم في ماليزيا، ورجب طيب أردوغان في تركيا، وتجارب رؤساء الجمهورية في إيران، وصولًا إلى فاطمة الزهراء المنصوري في المغرب، عن صور مختلفة للمشكلة نفسها.

فهذه الشخصيات تختلف في خلفياتها وتوجهاتها وأنظمتها السياسية، لكن تجاربها تطرح سؤالًا واحدًا: ماذا تبقى من شرعية الانتخابات عندما لا تصبح إرادة الناخبين هي القاعدة الحاكمة الوحيدة للصراع على السلطة؟

بدأت تلك المأساة بصورة صارخة مع بنظير بوتو، التي أصبحت عام 1988 أول امرأة تتولى رئاسة حكومة منتخبة في دولة ذات أغلبية مسلمة.

أُقصيت حكومتها الأولى عام 1990، ثم عادت إلى رئاسة الحكومة عام 1993، قبل أن تنتهي ولايتها الثانية عام 1996.

وبعد سنوات من الصراع السياسي، عادت إلى باكستان استعدادًا لخوض الانتخابات مرة أخرى، لكنها اغتيلت في 27 ديسمبر 2007 عقب تجمع انتخابي شعبي.

هكذا تحولت تجربة المرأة التي دخلت الحكم من بوابة الانتخابات إلى واحدة من أكثر القصص مأساوية في تاريخ الديمقراطية الباكستانية.

ثم جاءت التجربة المصرية مع محمد مرسي، أول رئيس مصري يصل إلى الرئاسة عبر انتخابات تعددية تنافسية بعد ثورة يناير، حيث فاز في انتخابات يونيو 2012 بنسبة 51.7%، لكنه لم يكمل عامه الثاني في الحكم، إذ أطيح به في 3 يوليو 2013 بعد احتجاجات جماهيرية واسعة وتدخل القوات المسلحة،وظل محتجزًا حتى وفاته في يونيو 2019.

لا يعني ذلك أن الرئيس المنتخب كان فوق الخطأ أو المساءلة، فقد ارتكب مرسي أخطاء سياسية، وأثارت بعض توجهاته وصداماته مع خصومه جدلًا واسعًا.

لكن المعضلة الديمقراطية بقيت في أن الخلاف على أداء الرئيس المنتخب انتهى بإسقاطه خارج صندوق الانتخابات، بما كشف هشاشة قواعد الانتقال الديمقراطي نفسها.

في باكستان تكررت المأساة مع عمران خان

 وصل إلى رئاسة الحكومة عام 2018 عبر الانتخابات، ثم أُسقطت حكومته في أبريل 2022 بتصويت بحجب الثقة داخل البرلمان.

ومنذ خروجه من السلطة دخل في سلسلة طويلة من القضايا والأحكام والسجن، وأصبح الصراع حوله يتجاوز مجرد التداول البرلماني للسلطة إلى معركة سياسية وقانونية ممتدة.

ولا تعني الديمقراطية بالطبع تحصين الحاكم من المساءلة أو القضاء، لكنها تعني أن تكون قواعد المساءلة مستقرة ومستقلة، وألا يتحول السجن والمحاكمات إلى أدوات في الصراع السياسي أو إلى بديل عن الاحتكام إلى الناخبين.

تقدم تونس، بعد انتخاب قيس سعيد، وجهًا مكملًا لهذه المعضلة.

فقد فاز في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية عام 2019 بنسبة 72.71%، بوصفه مرشحًا مستقلًا مناهضًا للمنظومة القائمة.

لكن في 25 يوليو 2021 أقال رئيس الحكومة، وعلّق عمل البرلمان، ثم حلّه لاحقًا ووسع حكمه بالمراسيم.

في 2022 أُقر دستور جديد عزز صلاحيات الرئاسة وأضعف التوازن مع البرلمان والقضاء، في استفتاء لم تتجاوز المشاركة فيه نحو 31%.

ثم أُعيد انتخابه في أكتوبر 2024 بنسبة 90.69%، مع مشاركة بلغت 28.8%، وكان أحد منافسيه، العياشي زمال، في السجن، فيما مُنع أو أُقصي مرشحون آخرون.

استخدم قيس سعيد أيضًا حضور المرأة في محاولة لإضفاء صورة مختلفة على حكمه، بتعيين السيدة نجلاء بودن كأول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في دولة عربية عام 2021، ثم سارة الزعفراني عام 2025، لتصبح تونس بذلك أول دولة عربية تصل فيها امرأتان متعاقبتان إلى رئاسة الحكومة.

لكن الحالة التونسية لا تشبه عزل رئيس منتخب كما في مصر، بل تكشف الوجه الآخر للمشكلة:

فقد يصل الحاكم إلى السلطة بصندوق الاقتراع، ثم يستخدم شرعيته الانتخابية لإعادة تشكيل الضوابط المؤسسية وإضعاف شروط المنافسة، بحيث تبقى الانتخابات قائمة، فيما تتراجع قدرتها على ضمان تداول السلطة ومحاسبتها.

أنور إبراهيم في ماليزيا، فقد قدم نموذجًا آخر للمأساة

فبعد سنوات طويلة من الصراع السياسي والسجن على خلفية قضايا جنائية واتهامات أثارت جدلًا سياسيًا واسعًا، وصل أخيرًا إلى رئاسة الحكومة في نوفمبر 2022، بعد مسيرة سياسية امتدت قرابة ثلاثة عقود.

كان قد قاد التحالف الذي فاز في انتخابات 2018، قبل أن تنهار الحكومة نتيجة أزمات سياسية عاتية، وهكذا لم يكن الوصول إلى السلطة في ماليزيا نهاية للصراع، بل محطة جديدة في نظام ظل يعاني من تقلب التحالفات وتغير موازين القوى داخل المؤسسات.

السياق الماليزي نفسه، يظل مهاتير محمد حالة شديدة الدلالة

فقد عاد إلى رئاسة الحكومة مرة أخرى عام 2018، بعد أن حكم البلاد لعقود طويلة، ليصبح مثالًا آخر على صعوبة تقبل الزعامات السياسية التاريخية الخروج من دائرة السلطة حتى بعد تغير الأجيال.

في إيران تبدو المشكلة أكثر وضوحًا، لأن الانتخابات نفسها تعمل داخل نظام تتوزع فيه السلطة بين مؤسسات منتخبة وأخرى دينية ودستورية غير منتخبة.

فرئيس الجمهورية يُنتخب، لكن سلطاته تظل مقيدة بصلاحيات المرشد الأعلى ومؤسسات أخرى، على رأسها مجلس صيانة الدستور الذي يملك صلاحيات واسعة في فحص المرشحين.

لذلك لم تستطع التجارب الإصلاحية، مثل تجربة الرئيس الأسبق محمد خاتمي، تجاوز الحدود التي يضعها النظام السياسي نفسه، بينما ظل قادة المعارضة، مثل مير حسين موسوي، تحت الإقامة الجبرية منذ أحداث 2009.

هنا لا تكون المشكلة في إلغاء الانتخابات، وإنما في السؤال الأكثر عمقًا: ما مقدار السلطة الحقيقية التي تمنحها الانتخابات لمن يفوز بها؟

 تركيا، فقد سلكت طريقًا مختلفًا

وصل رجب طيب أردوغان إلى الحكم عبر انتخابات متتالية، وتمكن من البقاء في السلطة من خلال آليات انتخابية متعاقبة، وهو ما يجعله حالة مختلفة عن مرسي وبوتو وخان، وأقرب من هذه الزاوية إلى تجربة قيس سعيد في تونس.

لأن تركيا نفسها شهدت تحولًا جوهريًا في طبيعة النظام السياسي الذي صعد أردوغان من خلاله. ففي استفتاء عام 2017 أُقرت تعديلات دستورية نقلت البلاد من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي التنفيذي، وأصبح أردوغان في 2018 أول رئيس في ظل النظام الجديد بصلاحيات تنفيذية واسعة.

هكذا تقدم التجربة التركية وجهًا آخر للمسألة:

فقد تنجح القيادة السياسية في البقاء عبر الانتخابات، لكن استمرارها قد يتزامن مع إعادة صياغة قواعد النظام السياسي نفسه، بحيث يصبح السؤال ليس فقط:

هل ما زالت الانتخابات موجودة ومؤثرة؟

وإنما أيضًا: ما حجم التوازن بين السلطة التنفيذية وبقية مؤسسات الدولة؟ وهل يمكن أن تؤدي هذه التغييرات في نهاية المطاف إلى نكسة كبرى؟

يأتي المغرب الآن بفصل جديد شديد الدلالة مع فاطمة الزهراء المنصوري

التي أصبحت في 29 سبتمبر 2026 أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية، بعد تصدر حزبها الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات البرلمانية، وثالث امرأة على المستوى العربي بعد نجلاء بودن وسارة الزعفراني التونسيتين.

جاء وصول فاطمة الزهراء إلى سدة الحكم بعد أيام قليلة من إعلان المغرب وإسرائيل الاتفاق على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، في انتقال جديد للعلاقات التي استؤنفت رسميًا عام 2020.

تزداد دلالة المشهد المغربي عندما نتذكر أن استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية عام 2020 جاء في عهد سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة آنذاك ورئيس حزب العدالة والتنمية الإسلامي، بينما كان الحزب قد أعلن قبل ذلك مواقف رافضة للتطبيع.

ثم جاءت خسارة الحزب الكبيرة في انتخابات 2021، لتتبعها تطورات متدرجة في العلاقات المغربية الإسرائيلية، من مكاتب الاتصال إلى التعاون الرسمي، وصولًا إلى قرار رفع التمثيل الدبلوماسي وتبادل السفراء في سبتمبر 2026.

من هنا تأتي رمزية وصول فاطمة الزهراء المنصوري

فهي تبدأ رئاسة الحكومة بعد أن انتقلت العلاقة المغربية الإسرائيلية من مجرد استئناف الاتصالات إلى مرحلة أقرب إلى التطبيع الدبلوماسي الكامل.

في نظام ملكي دستوري يحتفظ فيه الملك بصلاحيات واسعة في الملفات الاستراتيجية، تظل الحكومات المنبثقة عن الانتخابات محدودة القدرة على إعادة رسم الخيارات الكبرى للدولة، حتى وإن جاءت رئيستها من الحزب الذي تصدر الانتخابات.

وهكذا يصبح السؤال أعمق من مجرد وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة:

ما الذي تستطيع السلطة المنتخبة أن تغيره بالفعل، عندما تكون القرارات الاستراتيجية الكبرى قد حُسمت خارج نطاقها؟

إن المأساة الحقيقية للسلطات المنتخبة في جزء كبير من العالمين العربي والإسلامي لا تكمن فقط في صعوبة الوصول إلى السلطة، وإنما أيضًا في عدم القدرة على تحويل الانتخابات إلى قاعدة تحكم الصراع السياسي كله.

فالصندوق قد يمنح الشرعية، لكنه لا يكفي وحده لصناعة ديمقراطية مستقرة. الديمقراطية تبدأ عندما يصبح قبول نتيجة الصندوق قاعدة ملزمة للجميعز

عندما يقبل الحاكم احتمال خسارته كما قبل فوزه، وعندما تكون مؤسسات الدولة أقوى من الأشخاص، وعندما يكون القضاء بعيدًا عن صراع السلطة، وعندما يصبح تغيير الحكومة نتيجة طبيعية لتغير إرادة الناخبين، لا نتيجة انقلاب أو ضغط أو صفقة أو تدخل من مؤسسة أقوى

شارك المقال:

شاركنا برأيك