آراء و تحليلات
علي الأفريقي
علي الأفريقي

كاتب وباحث في الشؤون الإفريقية

هل كانت السودان جزء من مصر؟ (11)

يتولى السودانيون إدارة شؤونهم الداخلية بأنفسهم، فطمانهم بأن قضية وادي النيل قضية واحدة للبلدين، وأن المفاوضات مع بريطانيا ستتناول مسألة السودان فور الانتهاء من ملف الجلاء.

مشاركة:
حجم الخط:

معركة السيادة علي السودان بين مصر وبريطانيا

قبل سفره الي لندن للتفاوض مع “بيفن” وزير خارجية بريطانيا، اجتمع “إسماعيل صدقي باشا”، مع الوفد السوداني والذين أوضحوا له أن مطالبهم هي الجلاء عن وادي النيل ووحدته.

على أن يتولى السودانيون إدارة شؤونهم الداخلية بأنفسهم، فطمانهم بأن قضية وادي النيل قضية واحدة للبلدين، وأن المفاوضات مع بريطانيا ستتناول مسألة السودان فور الانتهاء من ملف الجلاء.

علي الأفريقي يبحث: هل كانت السودان جزءا من مصر؟ (6)

علي الإفريقي يواصل: هل كانت السودان جزءا من مصر؟

هل كانت السودان جزءا من مصر؟ (8)

إسماعيل صدقي في لندن 

ثم سافر “صدقي”، فارسلت الاحزاب السودانية وفودا الي لندن لتكون قريبة من المفاوضات.

في الاجتماع التمهيدي الذي عقد بين الجانبين المصري والبريطاني في 18 أكتوبر1946تحدثا عن موضوع الجلاء (ليس موضوع هذه الحلقات)

الأنجليز يرفضون عودة السيادة المصرية للسودان 

ثم تحدثا عن قضية السودان، وهنا اعلن الانجليز معارضتهم لسيادة مصر على السودان.

مبررين موقفهم بأن قيام “المهدي” بالسيطرة علي السودان سنة ١٨٨٤ وطرد الجيش المصري، أدي الي انتقال حقوق السيادة من مصر إلى “المهدي”

وإن إعادة فتح السودان ما كانت لتحدث لولا اشتراك بريطانيا العظمى بجيشها في الحملة العسكرية وتسليحها للجيش المصري وتحويله إلى قوة استطاعت هزيمة “المهدي”

ولولا ذلك لكانت فرنسا استولت على السودان، وبذلك فبريطانيا لها حق السيادة علي السودان.

صدقي يدعي سيادة مصر على السودان 

فرد “صدقي”: بريطانيا شاركت في فتح السودان لكونه إقليما تابعا لمصر، وسيادة مصر علي السودان حقيقة تاريخية وقانونية وهي لا تعني التسلط والسيطرة او نزعة استعمارية فشعب السودان عزيز علي قلوبنا، وإنما نقصد الحفاظ على ما أوجدته الطبيعة من التعاطف بين الأخ الكبير والأخ الصغير.

فتساءل “بيفن” هل الاعتراف بسيادة مصر على السودان قد يحرم السودانيين مستقبلًا من حق تقرير المصير؟

فأجابه “صدقي”: للشعب السوداني الحق في تقرير مستقبلهم حين يصبحون قادرين علي ادارة شئونهم بانفسهم.

بيفن يطلب ضمانات حق السودانيين في الاستقلال 

فقال “بيفن”: أريد ضمانات اقدمها للرأي العام تؤكد عدم المساس بحق السودانيين في الاستقلال.

فقال “صدقي”: لا يوجد ما يحرم أي شعب من حقه في الاستقلال، فاذا حدث في المستقبل أن فضل السودانيون الاستقلال على الاتحاد مع مصر، ستتخذ مصر القرار الذي يتفق مع الروابط الأخوية التي تربط مصر بالسودان.

اتفاقية بيفن- صدقي

في لندن بتاريخ 25 أكتوبر 1946، توصل “صدقي باشا” و”بيفن” الي اتفاقية مبدئية حول السودان تنص على:

أن السياسة التي يتعهد الطرفان باتباعها في السودان في اطار وحدة مصر والسودان تحت تاج مصر تهدف الي تحقيق رفاهية السودانيين وتنمية مصالحهم وإعدادهم للحكم الذاتي لتمكينهم من اختيار النظام الذي سيكون عليه السودان مستقبلا.

وإلى حين بلوغ هذا الهدف تظل اتفاقية سنة 1899 ومعاهدة سنة 1936 ساريتي المفعول”

اتفاقية أرضت الجميع وأغضبت الجميع 

بهذه الصياغة العجيبة المتناقضة حاولت الاتفاقية ارضاء الجميع؛ ارضاء الاتحاديين بذكر كلمة الوحدة.
وارضاء الانفصاليين بتمكينهم من اختيار مستقبل السودان.
وارضاء المصريين بذكر التاج المصري.

وارضاء السودانيين بذكر اعدادهم للحكم الذاتي.

الأغرب ان الاتفاقية فعلت العكس فأغضبت الجميع، فالبريطانيون هاجموا وزير خارجيتهم “بيفن” وقالوا انه باع السودان لمصر مقابل الحفاظ علي معاهدة 1936.

غضب سوداني وصدامات بين السودانيين 

والسودانيون هاجموا الاتفاقية، واتهموا بريطانيا بأنها خدمت الأطماع المصرية على حساب السودان، وقال “المهدي” سنعمل للاستقلال وتحرير البلاد.

والمصريون هاجموها لانها تجبرهم علي القبول باستقلال السودان، وقال “النحاس باشا” الاتفاقية ليس بها اي نوع من انواع الوحدة.

تصريحات أغضبت لندن والسودان 

وزادت الازمة تعقيدا تصريحات “صدقي” لدي وصوله الي القاهرة عندما قال: “جئت بسيادة مصر علي السودان، ومن شدة سروري اتصلت بالقصر الملكي لإبلاغه بأن تاج مصر ازدان بدرة جديدة”

بيفن يكذب صدقي 

فسارع “بيفن” بتكذيب تصريحات “صدقي” معلنا انها تصريحات مغرضة ومضللة، هدفها الدعاية لنفسه، فما جرى كان محادثات تمهيدية، دون اتفاق نهائي، ولن يتم المساس بحق السودانيين في الاستقلال وتقرير مستقبلهم.

تطورت الاحداث في السودان عندما نظم الانفصاليون مظاهرات عنيفة واعلنوا الجهاد رفضا للاتفاقية.

قام الاتحاديون بمظاهرات كبيرة مؤيدة لمصر، ثم اصبح الموقف متفجراً بعدما احضر “المهدي” عشرة الاف من مؤيديه من رجال القبائل الاشداء للاعتداء على أنصار الوحدة، فأرسلت بريطانيا تعزيزات عسكرية الي الخرطوم خوفا من حدوث سفك دماء.

إسماعيل صدقي باشا رئيس وزراء مصر 1946
إسماعيل صدقي باشا رئيس وزراء مصر 1946

عودة النقراشي 

أدرك الإنجليز أن “صدقي باشا” لم يوضح للمصريين حقيقة اتفاقية السودان، أو ربما حدثت أخطاء في ترجمتها.

كان “صدقي” قد أعلن، بعد عودته من لندن، نجاح مهمته باستعادة سيادة مصر على السودان واعتراف بريطانيا بالوحدة.

صدام الاتحاديون والانفصاليون في السودان 

هاج الانفصاليون السودانيون واعتدوا على أنصار الوحدة، كما أعلن حزب الأمة تمسكه باستقلال السودان.

بينما تساءل الحزب الجمهوري: “ننادي مصر للمصريين، فلماذا يا شعب مصر لا تقولون السودان للسودانيين؟

توجه زعيم حزب الأمة “المهدي” إلى القاهرة لمقابلة “صدقي باشا” لكن “صدقي” تجاهله ورفض مقابلته.

كما هاجمته الصحف المصرية وطالبت بمحاكمته باعتباره متمردا على التاج المصري.

المهدي في لندن 

فسافر “المهدي” الي لندن برفقة حاكم السودان الانجليزي “هدلستون” للإحتجاج لدى الحكومة البريطانية والمطالبة بإلغاء إتفاقية التي اعترفت بالوحدة.

وهناك هدد “هدلستون” حكومته بأنه لو لم تلغ الاتفاقية فستتعرض السودان لمذابح بين المؤيدين والمعارضين للوحدة.

مفاوضات صدقي بيفن 1946
مفاوضات صدقي بيفن 1946

المهدي أنقذنا السودان من براثن الاستعمار (المصري)  

عند عودتهما قال “المهدي” لمؤيديه: “ألغينا الاتفاقية وأنقذنا بلادنا من براثن الاستعمار (يقصد مصر)”

اما “هدلستون” فقال لهم: “اطمئنوا بريطانيا لن تسلم السودان جسدا وروحا للمصريين”

في مصر، أيضا كان هناك غضب تجاه الاتفاقية؛ فرغم ذكرها لوحدة مصر والسودان، لكن باقي بنودها جردت الوحدة من مضمونها حين منحت السودانيين حق تقرير المصير.

استقالة صدقي وعودة النقراشي 

وهكذا سقطت الاتفاقية، فقدم “صدقي باشا”، استقالته في 8 ديسمبر 1946، وتولي بدلا منه “النقراشي باشا”

فكانت مفارقة تاريخية عجيبة، اذ ان “صدقي” في الاساس كان قد تولي رئاسة الحكومة بعد ان قدم “النقراشي” استقالته لفشله في ملف السودان.

لكن “النقراشي” قرر هذه المرة نقل قضية السودان إلى الساحة الدولية، الي مجلس الأمن

شارك المقال: