مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: عقيدة التاجر والجنرال: هندسة الابتزاز العابر للقارات

الكويت الليلة ليست سوى محطة جديدة في قطار “الابتزاز الإستراتيجي” الذي طاف قبلها على كبرى العواصم الخليجية.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تكن برقية وزارة الخارجية الأمريكية التي وافقت فيها — على عجل — على صفقة بيع منظومات قتالية مضادة للطائرات المسيرة لدولة الكويت، مجرد إجراء بيروقراطي أو صفقة تسليح روتينية فرضتها حاجة الميدان.

إنها المظهر المتجدد لعقيدة سياسية واقتصادية أمريكية راسخة، تتجاوز حدود الحزبية في واشنطن لتجد تعبيرها الفج والأكثر وقاحة في حقبة دونالد ترامب.

نحن أمام “هندسة إستراتيجية” ثابتة لا تتغير بتغير الرؤساء، بل تأخذ في كل مرة شكل المكان وطبيعة الحدث.

إنها عقيدة إدارة الأزمات بروح التاجر الذي يرتدي خوذة الجنرال.

حيث تُصنع الأزمة في غرف الاستخبارات.

ويُضخم التهديد في وسائل الإعلام

لتُفتح خزائن المنطقة فوراً لشراء “المصل الواقي” الذي لا تملك براءته سوى المصانع العسكرية في تكساس وأريزونا.

1. سيكولوجيا “العدو المترقب”: تعميم هاجس الذعر الجماعي

تعتمد هذه السياسة الأمريكية في جوهرها على تفكيك شبكات الأمن الإقليمي الذاتي، وإعادة تركيبها فوق قاعدة “الخوف الدائم”.

فالمنظومة الأمريكية تدرك تماماً أن بقاء سطوتها ونفوذها العسكري واقتصاداتها الدفاعية مرهون بوجود “عدو مترقب” على الضفة الأخرى.

لقد نجحت واشنطن طوال أعوام سابقة في توظيف التمدد الإيراني في المنطقة، وتحويله إلى مصدر دائم للمخاوف والهواجس الأمنية لدى كثير من دولها.

من خلال تعميم هاجس الذعر الجماعي، وبث رسائل مشفرة عبر منصات الإعلام المسيس بأن العمامة الإيرانية قادرة على دك العواصم وإحراق ممرات التجارة، تضمن الدولة العميقة في واشنطن حالة من الهلع المستدام، تجعل من الارتماء في الحضن الدفاعي الأمريكي الخيار الوحيد المتاح، والمدفوع الثمن مقدماً.

د. أيمن خالد يكتب: الذكاء الاصطناعي سلاح القوة الأعظم؟

د. أيمن خالد يكتب: ساعة الصفر المؤجلة؟

2. تدوير المأساة الخليجية: من الرياض وأبوظبي إلى الكويت

الكويت الليلة ليست سوى محطة جديدة في قطار “الابتزاز الإستراتيجي” الذي طاف قبلها على كبرى العواصم الخليجية.

فالنغمة ذاتها التي عزفتها واشنطن مع الكويت بعد ليلة الاستنفار في قاعدة “أحمد الجابر”

هي ذاتها الأسطوانة التي تم تدويرها سابقاً مع المملكة العربية السعودية عقب استهداف منشآت أرامكو.

ومع دولة الإمارات العربية المتحدة إبان مناوشات المسيرات الحوثية.

ومع البحرين التي تحولت قاعدة “الجفير” فيها إلى رهينة افتراضية للبروباغندا الإيرانية.

إنها جغرافيا نارية واحدة يُعاد تدوير الأزمات فيها بالدور، فحين تهدأ جبهة، تُشعل واشنطن جبهة أخرى.

لتظل فواتير الحماية والغطاء الجوي تتدفق دون انقطاع، مما يحول مياه الخليج العربي بأكملها إلى “سوق مقاصة مفتوحة” لبيع أسلحة الردع والاعتراض.

3. مسرحية “قشم وسيريك”: دك المنصات وجني الأرباح الفورية

الترابط الزمني والميداني في الحدث الأخير يكشف التكنيك الأمريكي بوضوح سريالي.

ففي الوقت الذي قصفت فيه القاذفات الأمريكية منصات الرادار والتوجيه التابعة للحرس الثوري في جزيرة قشم وسيريك بالمشرط العسكري.

لم تنتظر الخارجية الأمريكية سوى ساعات قليلة لتبث عاجلها الصادم حول “الصفقة المحتملة” للكويت.

واشنطن تقصف بيد، وتفتح دفتر الشيكات باليد الأخرى

الضربات الاستباقية الأمريكية لإيران الليلة لم تكن بهدف إنهاء الخطر الإيراني كلياً — لأن انتهاء التهديد يعني انتهاء مبرر الوجود الأمريكي وصفقات السلاح — بل كانت لـ “ضبط إيقاع” التحرك الإيراني من جهة.

وإثبات حتمية الخطر للكويتيين وجيرانهم من جهة أخرى، لتبدأ فوراً مرحلة جني الأرباح الفورية على وقع صدى صفارات الإنذار الاحترازية.

4. فخ “المواجهة الحالية والمستقبلية”: استدامة الاستنزاف المالي

لقد تعمد بيان البنتاغون والخارجية الأمريكية استخدام صياغة لغوية خبيثة عندما أشار إلى أن صفقة المنصات المضادة للمسيرات ستعزز قدرة الكويت على “مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية”

هذا التوصيف القانوني والسياسي هو فخ لإعلان “حالة استنزاف مالي ممتد”

واشنطن تقول لعواصم المنطقة علناً إن التهديد الحالي (الرشقات الإيرانية) لن ينتهي بانتهاء جولة القصف في قشم، بل هناك “تهديدات مستقبلية” قادمة ستستمر لسنوات.

أمروهو ما يتطلب تحديثاً مستمراً للمنظومات الدفاعية وشراء أجيال جديدة من صواريخ الباتريوت والثاد والذكاء الاصطناعي العسكري.

إنه ربط بنيوي كامل للبنية العسكرية الخليجية بعجلات الاقتصاد الأمريكي المتخم.

5. قراءة في موازين القوة واستمرار معادلة الردع

عندما تنقشع أجواء التصعيد الإعلامي والعسكري، تبرز جملة من الحقائق التي تستحق التوقف عندها بعيداً عن المبالغات المتبادلة.

فالأحداث الأخيرة أظهرت الفارق الكبير في القدرات العسكرية والتقنية بين الولايات المتحدة وإيران.

كما أظهرت في الوقت ذاته أن طهران ما تزال تحتفظ بأدوات ضغط وقدرات ردع تسعى من خلالها إلى تعزيز موقعها التفاوضي والإقليمي.

أما الرشقات الصاروخية التي أُطلقت خلال الساعات الماضية، فقد عكست طبيعة المواجهة المحسوبة التي تحاول فيها الأطراف إرسال رسائل سياسية وعسكرية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

وفي هذا السياق، تبدو واشنطن حريصة على توظيف حالة التوتر لتعزيز حضورها الأمني وعلاقاتها الدفاعية مع حلفائها في المنطقة.

بينما تسعى طهران إلى الحفاظ على أوراقها التفاوضية وإظهار قدرتها على الرد.

وبين هذين المسارين، تبقى دول الخليج مطالبة بإدارة توازناتها الأمنية بعناية في ظل بيئة إقليمية معقدة ومتغيرة.

 

شارك المقال: