مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

من يربح معركة تعريف العدو في الشرق الأوسط، التاريخ أم التحالفات الجديدة؟

استثمرت أنظمة عربية، خليجية خصوصًا، سياسيًا وإعلاميًا لإعادة تعريف مركز الصراع في المنطقة. لم يعد المطلوب أن تكون إسرائيل هي العدو المركزي، بل أن يجري نقل هذه المكانة تدريجيًا إلى إيران

مشاركة:
حجم الخط:

المشكلة في الخطاب الرسمي العربي تجاه إيران لم تعد في قدرته على إنتاج التحريض، بل في فقدانه القدرة على إعادة تشكيل الوعي. فخلال سنوات طويلة، استثمرت أنظمة عربية، خليجية خصوصًا، سياسيًا وإعلاميًا لإعادة تعريف مركز الصراع في المنطقة. لم يعد المطلوب أن تكون إسرائيل هي العدو المركزي، بل أن يجري نقل هذه المكانة تدريجيًا إلى إيران. جرى تقديم “التمدد الإيراني” باعتباره الخطر الوجودي الأول، بينما أُعيد توصيف إسرائيل من عدو تاريخي إلى شريك أمني، ثم إلى حليف فعلي داخل بنية إقليمية جديدة تتشكل تحت الرعاية الأمريكية.

معتز منصور يكتب: ما وراء زوايا المشهد

معتز منصور يكتب: حافة التوازن المتصدع

لكن هذا الاشتغال اصطدم ببنية أعمق بكثير في الوعي العربي، لا يمكن تجاوزها بسهولة، وهي ذاكرة الصراع العربي الصهيوني الممتدة منذ عقود، بكل ما تحمله من حروب واحتلال وتهجير ومواجهات مباشرة. هذه الذاكرة لم تُمحَ من الوعي الشعبي، بل بقيت كامنة كطبقة تفسير أساسية تعيد إنتاج نفسها كلما اشتعلت المنطقة أو تصاعد دور إسرائيل فيها. ولهذا ظل الكيان الإسرائيلي، رغم كل محاولات إعادة التموضع السياسي، حاضرًا باعتباره المركز التاريخي للصراع، حتى في لحظات التهدئة الرسمية أو التطبيع العلني.

لكن الحرب الإقليمية الحالية كشفت حدود محاولات إعادة تشكيل الوعي. فكلما توسعت العلاقات الخليجية الإسرائيلية، وكلما خرج التنسيق الأمني والعسكري إلى العلن، بدأ جزء متزايد من الرأي العام العربي يشعر بأن المسألة لا تتعلق بحماية المنطقة بقدر ما تتعلق بإعادة ترتيبها بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية أولًا.

هذا التحول لا يظهر أساسًا في الخطابات الرسمية، بل في اللغة الشعبية اليومية نفسها. ففي مصر، ومع الإعلان عن وجود قوات عسكرية مصرية داخل الإمارات، ثم تصاعد الحديث عن ترتيبات وانتشار أوسع محتمل داخل الخليج، ظهرت موجة واسعة من المقارنات بين إيران والإمارات. لم يكن النقاش مذهبيًا بقدر ما كان سياسيًا ووظيفيًا بصورة لافتة.

إيران، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من هذا الخطاب الشعبي، لم ترتبط بسد النهضة، بينما ارتبط اسم الإمارات باستثمارات وتحالفات أثارت شكوكًا داخل الوعي المصري. إيران لم تتدخل في ليبيا ضد المجال الحيوي المصري كما يُنظر إلى الدور الإماراتي هناك. إيران لم تتحالف مع إسرائيل، بينما تحولت أبو ظبي إلى واحدة من أكثر العواصم العربية اندماجًا مع تل أبيب أمنيًا واقتصاديًا. كما أن قطاعات شعبية مصرية باتت تنظر إلى الدور الإماراتي في السودان والبحر الأحمر بوصفه أكثر تماسًا مع الأمن القومي المصري من إيران نفسها، خصوصًا مع اتهامات وتقارير تتحدث عن دعم أبو ظبي لقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، بما يهدد استقرار السودان ويضع المجال الحيوي المصري أمام احتمالات تفكك وضغط مباشر على النيل والحدود الجنوبية والعمق الاستراتيجي لمصر.

قد يبدو جزء من هذا الخطاب انفعاليًا أو انتقائيًا في بعض تفاصيله، لكنه يكشف تحولًا أعمق بكثير من مجرد تباين في المواقف. نحن أمام إعادة تعريف تدريجية لمعنى “العدو” داخل الوعي العربي، تتحرك من منطق الانقسام الأيديولوجي أو المذهبي إلى منطق أكثر مباشرة يرتبط بالسلوك السياسي الفعلي: من يتحالف مع إسرائيل؟ من يتموضع داخل المشروع الأمريكي في المنطقة؟ ومن يترك أثرًا مباشرًا على الأمن القومي العربي؟

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية للأنظمة العربية المتحالفة مع واشنطن. لأن هذه الأنظمة افترضت أن السيطرة الإعلامية والسياسية كافية لإعادة هندسة الوعي العربي بالكامل، لكنها تجاهلت أن الذاكرة المرتبطة بالصراع مع إسرائيل ليست ملفًا سياسيًا عابرًا، بل بنية تاريخية ممتدة تشكلت عبر عقود من المواجهة والاحتلال والحروب. ولهذا بقيت إسرائيل، رغم كل التحولات، حاضرة في المخيال العربي باعتبارها المركز الفعلي للصراع، حتى عندما تُعاد صياغة الأولويات رسميًا.

هذه النقطة شديدة الحساسية، لأن الأنظمة تستطيع فرض الوقائع الأمنية، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة تشكيل الذاكرة التاريخية للشعوب. فما تزال إسرائيل بالنسبة إلى قطاعات واسعة من العرب تمثل البنية المركزية للمشروع الأمريكي في المنطقة، بكل ما يرتبط به من حروب وهيمنة وإعادة رسم خرائط. وبالتالي، فإن أي نظام يندمج استراتيجيًا مع إسرائيل لا يُنظر إليه شعبيًا باعتباره “دولة تبحث عن مصالحها” فقط، بل باعتباره جزءًا من المنظومة نفسها التي تتقاطع مع الذاكرة التاريخية للصراع العربي الصهيوني.

ومن هنا يمكن فهم المفارقة التي تبدو صادمة لكثير من النخب الرسمية العربية. فالمسألة ليست أن الجماهير “أصبحت إيرانية”، كما يُروَّج أحيانًا، بل أن قطاعات واسعة منها باتت ترى أن إيران، رغم مشروعها الإقليمي ومصالحها الخاصة، ما تزال في حالة اشتباك مع إسرائيل والولايات المتحدة، بينما انتقلت أنظمة عربية كاملة إلى موقع الشراكة معهما.

هذا الفارق أعاد ترتيب الإدراك الشعبي للصراع، وفتح فجوة متزايدة بين الرواية الرسمية والوعي الشعبي، وهي فجوة تبدو مرشحة للتوسع كلما تعمقت الحرب الإقليمية الجارية وتعقّدت خرائط التحالفات في المنطقة.

شارك المقال: