علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

من هرمز إلى المكسيك: ترامب يشعل العالم فمن يوقف كرة اللهب ؟

إلى الناخب الأمريكي، أكتب إليكم من مصر، لا بوصفكم خصومًا، ولا لأنني أتمنى لبلادكم الضعف أو التراجع، بل لأنني واحد من أبناء عالم بات يدفع ثمن قرارات تُتخذ في البيت الأبيض.

مشاركة:
حجم الخط:

رسالة مفتوحة إلى الناخب الأمريكي من كاتب مصري عربي مسلم..

إلى الناخب الأمريكي،

أكتب إليكم من مصر، لا بوصفكم خصومًا، ولا لأنني أتمنى لبلادكم الضعف أو التراجع،

بل لأنني واحد من أبناء عالم بات يدفع ثمن قرارات تُتخذ في البيت الأبيض،

بينما تتوزع خسائرها على شعوب لم تشارك في صنعها.

من الشرق الأوسط إلى أفريقيا،

ومن شوارع أوروبا إلى الحدود المكسيكية،

تتشابك أزمات الحرب والطاقة والغذاء والتجارة.

وفي قلب هذا المشهد تقف سياسات الرئيس دونالد ترامب،

بما حملته من تصعيد عسكري وضغوط اقتصادية وتهديدات للحلفاء.

ليست كل كوارث العالم من صنع رجل واحد،

لكن من يملك أكبر أدوات التأثير يتحمل مسؤولية أكبر عن خياراته وعن عواقبها.

لقد وعدكم ترامب بأن يجعل أمريكا أولًا، ويعيد الرخاء، وينهي الحروب.

والآن، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي،

لم يعد السؤال ما إذا كانت شعاراته قوية،

بل ما إذا كانت نتائج سياساته تحقق فعلًا مصالحكم،

أم تنقل المخاطر إلى العالم ثم تعيد بعضها إلى أبواب الولايات المتحدة.

إن صوتكم ليس تفويضًا مفتوحًا،

والولاء الحزبي ليس بديلًا عن المحاسبة.

أولًا: حين تحولت الجمارك إلى سلاح ضد العالم

منذ عودته إلى البيت الأبيض،

جعل ترامب الرسوم الجمركية أداة مركزية في سياسته الاقتصادية.

هدد الشركاء، وفرض تعريفات، وفتح جبهات تجارية متعددة،

وكأن الاقتصاد العالمي ساحة لا بد أن يخرج منها طرف منتصر وآخر مهزوم.

لكن الرسوم لا يدفعها الأجانب وحدهم بالضرورة؛

فقد يتحمل المستورد الأمريكي جانبًا منها،

ثم تنتقل تكلفتها إلى المصانع والمستهلكين.

كما أن عدم استقرار القواعد التجارية يربك الاستثمار وسلاسل الإمداد،

ويشجع الدول على البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على السوق الأمريكية.

من حق أي رئيس حماية الصناعة الوطنية،

لكن حماية الاقتصاد لا تعني تحويل كل شريك إلى خصم،

ولا أن تصبح التهديدات المتكررة بديلًا عن التفاوض المستقر.

والسؤال الذي ينبغي أن تطرحوه على ممثليكم هو:

هل تُقاس السياسة التجارية بعدد الدول التي رضخت للضغط،

أم بما تحققه من وظائف ودخول مستقرة وأسعار معقولة للأسر الأمريكية؟

ثانيًا: من هرمز إلى موائد الجوعى… كلفة الحرب تتجاوز ساحتها

دخلت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران مرحلة خطيرة منذ أواخر فبراير 2026،

وأصبح مضيق هرمز أحد أهم مفاتيح الأزمة العالمية.

فهذا الممر الحيوي ليس مجرد نقطة على الخريطة؛

بل شريان رئيسي لتجارة الطاقة،

وأي اضطراب واسع في الملاحة عبره يهدد إمدادات النفط والغاز

ويرفع تكاليف الشحن والتأمين

وحين ترتفع أسعار الطاقة،

لا تتوقف الآثار عند محطات الوقود.

فالنقل يصبح أكثر كلفة، والإنتاج الزراعي والصناعي يواجه أعباء إضافية، وقد ترتفع تكلفة الأسمدة وتوزيع الغذاء.

وتكون الدول الفقيرة والأسر محدودة الدخل الأكثر عرضة لهذه الصدمات،

لأنها تملك قدرة أقل على امتصاص الزيادات أو تعويض المتضررين.

هنا تقع مسؤولية ترامب السياسية:

لماذا اختارت إدارته المسار العسكري؟ وهل قُدّرت مخاطر اتساع الحرب على الاقتصاد العالمي؟

وهل كانت البدائل الدبلوماسية قد استُنفدت فعلًا؟

لا يعفي ذلك إيران أو أي طرف آخر من مسؤولية قراراته،

لكنه لا يسمح لواشنطن بالتنصل من مسؤولية بدء عملياتها العسكرية

أو من نتائج التصعيد الذي كان يمكن توقعه.

وفي غزة، تظل المعاناة الإنسانية تذكيرًا بأن الحروب لا تُقاس فقط بما تعلنه الأطراف من مكاسب،

بل بما تتركه من جوع ودمار ونزوح وفقدان للأمان.

وبحكم نفوذها ودعمها لإسرائيل،

تقع على الولايات المتحدة مسؤولية استخدام هذا النفوذ لحماية المدنيين

وضمان وصول المساعدات والعمل على منع اتساع الكارثة.

ثالثًا: مصر… حين تصل أصداء الأزمات العالمية إلى حياة الناس

أكتب إليكم من بلد يعرف معنى أن تتحول الضغوط الاقتصادية إلى معاناة يومية.

ففي مصر، لم تعد قضية المعيشة مجرد أرقام في تقارير اقتصادية؛

إنها حسابات الأسرة عند شراء الطعام، وتدبير تكاليف النقل والسكن والتعليم والعلاج،

ومحاولة التوفيق بين دخل محدود واحتياجات لا تنتظر.

أظهرت بيانات سبتمبر 2026 استمرار الضغوط السعرية،

رغم تراجع معدل التضخم السنوي في بعض المؤشرات.

وهذا فارق ينبغي فهمه جيدًا: تباطؤ التضخم لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها القديمة،

بل يعني أن وتيرة الزيادة قد تتغير بينما تظل الأسعار المتراكمة عبئًا ثقيلًا على المواطنين.

وتتداخل في الأزمة المصرية عوامل محلية ودولية،

من تكاليف الإنتاج والاستيراد إلى أسعار الطاقة والضغوط على العملة والدين والمالية العامة.

ولا يجوز تحميل ترامب مسؤولية جميع هذه المشكلات،

كما لا يجوز تجاهل أثر الحروب واضطراب الملاحة

وارتفاع تكلفة التجارة العالمية في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد.

حين يرتفع سعر الوقود،

تتأثر تكلفة نقل السلع وتشغيل الأعمال.

وحين ترتفع تكاليف الغذاء والطاقة عالميًا،

تواجه الأسر المصرية وغيرها من أسر الدول النامية ضغوطًا إضافية،

حتى لو لم تكن بلدانها طرفًا في الحرب.

لهذا أقول للناخب الأمريكي:

لا تنظر إلى الحرب باعتبارها مشهدًا بعيدًا على شاشة التلفزيون.

قرارات القوة الكبرى يمكن أن تصل إلى أسرة مصرية تحاول تدبير احتياجاتها،

أو إلى مزارع أفريقي يواجه ارتفاع تكلفة الأسمدة،

أو إلى عامل أوروبي يكتشف أن راتبه لم يعد يكفي ما كان يكفيه قبل أشهر.

هذه هي وحدة العالم الحقيقية؛ ليست وحدة الشعارات، بل وحدة المصالح والأعباء والعواقب.

رابعًا: أوروبا… ماكرون وسانشيز يحذّران من فاتورة الحرب

في فرنسا، أثار ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة غضبًا شعبيًا،

وشهدت بعض الاحتجاجات مواجهات وأعمال شغب

وتخريبًا تطايرت بين العواصم الاوربية.

وتزامنت هذه التوترات مع ضغوط أخرى تتعلق بالأجور والسكن

والخدمات العامة وفرص العمل،

فيما عبّر محتجون في دول أوروبية مختلفة عن استيائهم من تراجع قدرتهم الشرائية.

وفي خضم هذا المشهد،

جاء موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرو

ليكشف حجم القلق من تداعيات الحرب على حياة المواطنين.

فقد دعا إلى عدم الخلط بين المتظاهرين السلميين ومثيري الشغب واللصوص،

وأقر بأن المواطنين محقون في غضبهم من الارتفاع المفرط لأسعار الوقود،

رابطًا هذا الارتفاع بالحرب مع إيران.

لكن الموقف الإسباني أضاف إلى هذه الانتقادات بُعدًا اقتصاديًا أكثر وضوحًا.

فقد أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز

أن الحرب على إيران كلّفت أوروبا أكثر من ( 100 مليار يورو ) من الأعباء الإضافية،

وقارن هذه الكلفة بما ينفقه الاتحاد الأوروبي سنويًا على سياسته الزراعية المشتركة.

لم يكن سانشيز يتحدث عن رقم مجرد،

بل عن أموال كان يمكن توجيهها إلى الزراعة والخدمات العامة ودعم المواطنين،

فإذا بها تُستنزف بفعل أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب.

وحذّر من أن المواطنين العاديين هم من يدفعون الفاتورة،

مؤكدًا أن الذين رفضوا الحرب منذ بدايتها كانوا محقين في موقفهم.

أما جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية»،

فذهب إلى اتهام ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

بالوقوف وراء إغلاق مضيق هرمز،

وتحدث عن ارتفاع هوامش أرباح المصافي أربع مرات.

ينبغي التمييز بين هذه المواقف:

ماكرون ربط الحرب بارتفاع أسعار الوقود،

وسانشيز أبرز فاتورتها الاقتصادية الباهظة على أوروبا،

بينما وجّه ميلونشون اتهامًا سياسيًا أكثر مباشرة إلى ترامب ونتنياهو.

لكنها جميعًا تعكس اعتراضًا متصاعدًا على حرب لم تختر الشعوب الأوروبية خوضها،

ومع ذلك تتحمل جانبًا من تكاليفها.

ولا يمكن اختزال اضطرابات أوروبا كلها في قرارات ترامب؛

فالبطالة وأزمات السكن والخدمات العامة لها أسباب محلية ودولية متعددة.

لكن الحرب واضطراب الطاقة والتهديدات التجارية تضيف أعباء جديدة

إلى مجتمعات تعاني أصلًا من ضغوط معيشية.

حين تتحول أسعار الوقود والغذاء إلى وقود للغضب في الشوارع،

وتُستنزف مئات المليارات من اليوروهات في تداعيات الحرب،

تصبح القضية أكبر من أزمة أسعار؛

إنها فاتورة سياسية واقتصادية يدفعها المواطنون بسبب قرارات لم يشاركوا في صنعها.

خامسًا: الحلفاء ليسوا أوراقًا على طاولة المساومة

لم تقتصر الخلافات على الطاقة والحرب.

فقد أثارت تهديدات ترامب التجارية،

وخلافاته مع حلفائه الأوروبيين بشأن غرينلاند وحلف شمال الأطلسي،

والتقلبات في الموقف من أوكرانيا، أسئلة حول مستقبل الثقة بين واشنطن وشركائها.

لا يُطلب من الولايات المتحدة أن توافق حلفاءها على كل شيء،

ولا أن تتحمل وحدها أعباء الأمن الدولي.

لكن التحالفات تحتاج إلى التزامات يمكن الاعتماد عليها،

وإلى تفاوض لا يحول كل خلاف إلى تهديد جديد.

وعندما تتكرر الرسائل المتناقضة،

يبدأ الحلفاء في البحث عن بدائل دفاعية واقتصادية.

وقد تكسب واشنطن تنازلًا مؤقتًا،

لكنها تخسر جزءًا من الثقة التي بُني عليها نفوذها لعقود.

ومن حق الناخب الأمريكي أن يسأل ممثليه:

هل تعزز هذه السياسة مكانة الولايات المتحدة بين حلفائها،

أم تجعلهم أقل ثقة بها وأكثر ميلًا إلى الاستقلال عنها؟

سادسًا: المكسيك… هل تنتقل المواجهة إلى جوار أمريكا؟

في أمريكا اللاتينية، أثارت تهديدات ترامب باستخدام القوة العسكرية داخل المكسيك

لمواجهة عصابات المخدرات مخاوف من اتساع التدخل الأمريكي إلى أراضي دولة مجاورة.

لا أحد ينكر خطورة تجارة المخدرات أو آثارها المدمرة في المجتمعات الأمريكية والمكسيكية.

لكن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى تعاون استخباراتي وقضائي،

وتجفيف شبكات التمويل والتهريب،

ومعالجة الطلب على المخدرات، إلى جانب حماية الحدود.

ولا تمنح مشروعية الهدف تلقائيًا مشروعية كل وسيلة عسكرية.

إن أي تدخل أحادي قد يضر بالتعاون الأمني والتجاري بين البلدين،

ويخلق توترات جديدة في منطقة ترتبط فيها المصالح اليومية

بملايين الوظائف وحركة السلع والأفراد.

ولا يعني ذلك أن حربًا واسعة أصبحت حتمية،

لكن التهديد باستخدام القوة يرفع مخاطر التصعيد ويطرح سؤالًا جوهريًا:

هل تعالج السياسة الأمريكية أسباب المشكلة، أم تفتح جبهة جديدة قد تزيد تعقيدها؟

من هرمز إلى المكسيك،

لا تتمثل المشكلة في أن أمريكا تمتلك القوة،

بل في كيفية استخدامها، وفي مدى خضوع القرارات المصيرية للتقدير والمراجعة والمساءلة.

إلى الناخب الأمريكي: اختاروا قبل فوات الأوان

أيها الأمريكيون،

إن انتخابات التجديد النصفي فرصة لمحاسبة ممثليكم،

فلا تجعلوا الولاء الحزبي يعميكم عن نتائج السياسات التي أشعلت الحروب،

وأربكت الاقتصاد، وهددت علاقات أمريكا بحلفائها.

اختاروا من يعيد للدبلوماسية مكانتها،

ويوقف التصعيد، ويضع مصالح الشعوب والسلام فوق حسابات القوة والهيمنة.

لا تنتظروا حتى تدفع أمريكا ثمن الحرائق التي أشعلتها سياسات ترامب وحزبه الجمهوري؛

حاسِبوا من أشعلوها قبل أن ترتد نيرانها إلى الداخل الأمريكي،

وقبل أن يجتاح طوفان الغضب ميادين واشنطن ونيويورك!

شارك المقال:

شاركنا برأيك