معركة كسر العظام في مضيق هرمز
"سياسة الصدمة والترويع" التي حاولت واشنطن فرضها بالضربات الأخيرة لم تحقق أهدافها الاستراتيجية.

صورة تعبيرية للتقرير
العواصم | وكالات الصحافة العالمية
حافة الهاوية بين واشنطن وطهران
دخلت منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط فصلاً جديداً ومثيراً من فصول الصراع الجيوسياسي، حيث تشهد المنطقة حالياً تصعيداً عسكرياً ودبلوماسياً هو الأخطر منذ سنوات.
وجاءت الضربات الجوية الأمريكية الأخيرة في العمق الجنوبي الإيراني لتفجر الموقف ميدانياً، دافعة بالطرفين إلى حافة معركة مباشرة ومفتوحة .
ولم يعد الخلاف مقتصراً على الغرف المغلقة أو طاولات المفاوضات المتعثرة، بل تحول إلى محاولات علنية من القوتين لفرض واقع ميداني وقواعد اشتباك جديدة في واحدة من أكثر الممرات المائية حيوية في العالم؛ مضيق هرمز.
تقرير: غزة تحت وطأة الاستهداف الممنهج
أولاً: معركة الأجواء.. الحرس الثوري يتبنى إسقاط مسيّرات أمريكية ويرفض “التهدئة”
على الصعيد الميداني، لم تفت الساعات الماضية دون تسجيل احتكاك عسكري مباشر يعكس رغبة طهران في إثبات عدم انكسار الردع عقب الضربات الأمريكية التي استهدفت منصات إطلاق وقوارب إيرانية قرب جزيرة لارك.
وفي بيان عسكري عاجل بثه التلفزيون الرسمي الإيراني، أعلن الحرس الثوري الإيراني نجاح وحدات الدفاع الجوي التابعة له في إسقاط طائرات مسيّرة أمريكية متطورة.
ووفقاً للبيان، فإن هذه الطائرات اخترقت الأجواء الإيرانية في المنطقة الجنوبية بهدف تنفيذ مهام تجسسية وتحديد أهداف جديدة.
وجاء في نص البيان المشترك للقوات المسلحة الإيرانية:
“إن الانتهاكات الأمريكية السافرة للأجواء السيادية للجمهورية الإسلامية تعد خرقاً فاضحاً للتفاهمات السابقة ومحاولات تثبيت وقف إطلاق النار.
إننا نؤكد تمسكنا الكامل والقطعي بحق الرد الحاسم والشرعي في الزمان والمكان المناسبين، ولن نقف مكتوفي الأيدي أمام أي مغامرة تهدد سلامة أراضينا”
ويرى مراقبون عسكريون أن مسارعة الحرس الثوري للإعلان عن إسقاط المسيّرات يحمل رسائل سياسية متعددة؛ أولاها للداخل الإيراني لطمأنة الشارع بامتلاك زمام المبادرة الدفاعية،
وثانيتها للإدارة الأمريكية الجديدة بأن القواعد العسكرية والقطع البحرية في الخليج تقع بالكامل تحت مرمى النيران الإيرانية، وأن “سياسة الصدمة والترويع” التي حاولت واشنطن فرضها بالضربات الأخيرة لم تحقق أهدافها الاستراتيجية.
ثانياً: الحزم الأمريكي.. ماركو روبيو يضع خطوط واشنطن الحمراء في هرمز
على الجانب الآخر، بدت الإدارة الأمريكية أكثر تصلباً وحسماً في التعامل مع التهديدات الإيرانية للملاحة البحرية.
وفي تصريحات حازمة نقلتها وكالة رويترز ونقلت صداها مراكز صنع القرار في واشنطن، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن بلاده لن تسمح تحت أي ظرف من الظروف بتحويل مضيق هرمز إلى ورقة ابتزاز سياسي أو عسكري بيد طهران.
وشدد روبيو في حديثه لوسائل الإعلام على أن “مضيق هرمز ممر مائي دولي يحكمه القانون الدولي، ويجب أن يبقى مفتوحاً وحراً أمام حركة الملاحة العالمية بأي شكل من الأشكال”
وأوضح الوزير الأمريكي سياق العمليات الأخيرة قائلاً:
الهجمات الجوية والضربات الدفاعية التي نفذتها القوات الأمريكية في الجنوب الإيراني كانت خطوة استباقية ضرورية لحماية التجارة الدولية، بعد رصد تحركات إيرانية لزرع ألغام بحرية قادرة على شل حركة ناقلات النفط.
هذه النبرة الحادة من روبيو تعكس استراتيجية إدارة ترمب الحالية القائمة على “الضغط الأقصى المصحوب بالقوة العسكرية المباشرة”
مما يقطع الطريق أمام أي مناورات إيرانية تهدف إلى كسب الوقت في المفاوضات الإقليمية دون تقديم تنازلات حقيقية على الأرض.
ثالثاً: الجبهة الداخلية الإيرانية.. وعيد المرشد وتطهير “خلايا التجسس”
تزامناً مع هذا الحشد العسكري والتراشق الدبلوماسي، جاء التدخل السياسي الأعلى في طهران ليمنح الصراع بعداً عقائدياً واستراتيجياً أعمق
حيث خرج تصريح حاد عن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، حمل تحذيراً مباشراً ومباشراً للولايات المتحدة.
وأكد المرشد في كلمته أمام قادة عسكريين أنه “لا يوجد ملاذ آمن للقوات أو المصالح الأمريكية في المنطقة إذا ما ارتكبت واشنطن أي حماقة جديدة” معتبراً أن الوجود الأمريكي في حد ذاته هو مصدر عدم الاستقرار الرئيسي.
وفي خطوة متزامنة تعكس رغبة القيادة الإيرانية في ضبط الجبهة الداخلية وتشديد القبضة الأمنية بالتوازي مع التهديدات الخارجية، أفادت وكالة تسنيم الإخبارية (المقربة من الحرس الثوري) بتنفيذ حكم الإعدام بحق شخص أدين بتهمة التجسس عالي المستوى.
وحسب اللائحة الاتهامية الصادرة عن القضاء الإيراني، فإن المدان ثبت تورطه في تقديم معلومات استخباراتية وإحداثيات حساسة لصالح جهاز “الموساد” الإسرائيلي وأجهزة أمنية غربية، شملت تحركات قادة عسكريين ومواقع لمنصات صاروخية جنوبي البلاد.
ويرى محللون أن توقيت الإعلان عن الإعدام يمثل رسالة داخلية شديدة اللهجة لكل من يسعى لتقديم تسهيلات معلوماتية لخصوم طهران في هذه المرحلة الحرجة، مؤكدة أن الدولة في حالة استنفار أمني قصوى لا تسمح بأي اختراق.
رابعاً: أسواق النفط تشعل وتيرة التضخم العالمي
لم تكن الأسواق المالية بمعزل عن هذا التلاطم العسكري؛ بل كانت أسرع المستجيبين لقرع طبول الحرب في الخليج.
وبمجرد تواتر الأنباء عن معارك المسيّرات وتصريحات روبيو النارية، شهدت بورصات الطاقة العالمية قفزات حادة وسريعة في أسعار العقود الآجلة للنفط، مما يهدد بموجة تضخم عالمية جديدة قد تعصف بآمال الاستقرار الاقتصادي.
وانعكست هذه المخاوف الجيوسياسية بشكل مباشر على التداولات الفورية لأسواق الطاقة، حيث قفز سعر خام برنت القياسي بشكل متسارع ليقترب بقوة من حاجز 99 دولاراً للبرميل.
وسط توقعات وتحليلات فنية تشير إلى اتجاهه لتجاوز مستوى الخطر عند 100 دولار خلال الساعات القادمة في حال استمرار التصعيد العسكري.
وبالتزامن مع ذلك، صعد خام غرب تكساس الوسيط (WTI) بشكل حاد ليصل إلى 93 دولاراً للبرميل.
وظل مرشحاً بارزاً لملامسة مستوى الـ 95 دولاراً مع الارتفاع المتزايد في وتيرة الطلب على التحوط من قِبل المستثمرين والشركات العالمية.
وقد دفع هذا الارتفاع السريع شركات التأمين البحري الدولية إلى رفع رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن والناقلات التي تعبر الخليج العربي إلى مستويات قياسية، مما يلقي بأعباء إضافية على تكلفة الشحن والسلع الأساسية عالمياً.
سيناريوهات مفتوحة على حافة الهاوية
يقف مشهد الخليج الآن أمام مفترق طرق خطير؛ فطهران تحاول عبر سلاح المسيّرات وإجراءاتها الأمنية الصارمة تأكيد أنها قادرة على إيذاء المصالح الأمريكية وفرض ثمن باهظ لأي اعتداء، بينما تصر واشنطن بقيادة روبيو على كسر هذه المعادلة وإبقاء الممرات المائية تحت السيطرة الدولية المباشرة بقوة السلاح.
بين اشتعال أسعار النفط واقترابها من حاجز الـ 100 دولار، وتحذيرات المرشد الإيراني، تظل الساعات القادمة حبلى بالاحتمالات.
وتتأرجح السيناريوهات بين نجاح جهود الوساطة الإقليمية (التي تقودها أطراف خليجية ودولية خلف الكواليس) لتبريد الأجواء والعودة إلى مسودة “اتفاق إطار”
وبين تدحرج كرة الثلج نتيجة أي خطأ في الحسابات الميدانية من الطرفين، مما قد يشعل مواجهة عسكرية واسعة النطاق لن تتوقف حدودها عند شواطئ مضيق هرمز.





