معتز منصور يكتب: ماذا يعني أن توقّع السلطة اتفاقًا يشرعن بقاء الاحتلال؟
القوة تفرض أمرًا واقعًا، أما الاتفاق فيمنحه غطاءً سياسيًا. ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحققه أي احتلال ليس البقاء على الأرض، بل نجاحه في تحويل بقائه إلى بند تفاوضي

صورة تعبيرية للمقال
حين تُصبح السيادة مشروطة
ليست كل الاتفاقات التي تُوقَّع في زمن الحروب تُنهي الحروب فعلاً. بعضها لا يفعل أكثر من إعادة تعريفها، أو نقلها من الميدان العسكري إلى المجال السياسي، بحيث يتحول ما عجزت القوة عن فرضه إلى التزامٍ تفرضه التفاهمات.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، لا تكمن خطورة الاتفاق الإطاري الذي وقّعته السلطة اللبنانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل في تفاصيله التقنية، بل في الفلسفة السياسية التي يقوم عليها، وما يحمله من إعادة صياغة لعلاقة الدولة اللبنانية بالاحتلال الإسرائيلي.
طوال عقود، كان الموقف اللبناني الرسمي، على اختلاف الحكومات والعهود، يقوم على قاعدة واضحة، الاحتلال الإسرائيلي لأرضٍ لبنانية هو انتهاك للسيادة، والانسحاب منه حق غير قابل للمساومة أو التعليق على أي شرط.
معتز منصور يكتب: إيران صراع القوة على تعريف الدولة؟
معتز منصور يكتب: من أوقف الحرب؟
أما اليوم، فإن الصورة تبدو مختلفة جذريًا. فإذا كان الانسحاب الإسرائيلي قد أصبح مرتبطًا بتنفيذ شروط أمنية تضعها إسرائيل، وفي مقدمتها نزع سلاح المقاومة، فإننا لا نكون أمام آلية لتنفيذ الانسحاب، بل أمام معادلة جديدة تجعل الاحتلال هو صاحب القرار في تحديد موعد انتهاء احتلاله.
وهنا يكمن التحول الأخطر. فالسيادة لا تُقاس فقط بوجود العلم أو المؤسسات، بل بمن يحدد شروط ممارسة هذه السيادة.
وعندما تصبح الدولة مطالبة أولًا بتلبية المتطلبات الأمنية للعدو كي تستعيد أرضها، فإن الأولوية تنتقل من حماية الحق الوطني إلى إدارة المخاوف الإسرائيلية.
بهذا المعنى، لا يعود الاحتلال مجرد قوة عسكرية موجودة على الأرض، بل يتحول إلى طرف يمتلك حق الفيتو على استعادة الدولة لسيادتها.
هذه ليست مسألة قانونية فحسب، بل تحول استراتيجي في طبيعة الصراع. فكل احتلال في التاريخ سعى إلى الانتقال من القوة المجردة إلى الشرعية السياسية.
القوة تفرض أمرًا واقعًا، أما الاتفاق فيمنحه غطاءً سياسيًا. ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحققه أي احتلال ليس البقاء على الأرض، بل نجاحه في تحويل بقائه إلى بند تفاوضي تقبل به السلطة التي يفترض أنها تمثل الدولة الواقعة تحت الاحتلال.
ولعل تصريحات المسؤولين الإسرائيليين تعكس هذا المعنى بوضوح. فبدل الحديث عن انسحاب وشيك، يجري الحديث عن البقاء في ما يسمى “الحزام الأمني” إلى أن ترى إسرائيل أن الظروف أصبحت مناسبة.
أي إن معيار الانسحاب لم يعد القانون الدولي، ولا القرارات الدولية، ولا حتى انتهاء العمليات العسكرية، بل التقدير الأمني الإسرائيلي وحده. وعندما يُقبل بهذا المنطق، يصبح الاحتلال مؤقتًا وفق تعريف المحتل، لا وفق حق الدولة صاحبة الأرض.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على ربط كل شيء بسلاح المقاومة.
فالقضية ليست تقنية تتعلق بالسلاح نفسه، بل تتعلق بإعادة إنتاج ميزان القوى الذي حكم جنوب لبنان لعقود.
المطلوب، وفق هذه الرؤية، ليس فقط إزالة مصدر التهديد العسكري لإسرائيل، بل نقل مركز القرار الأمني في الجنوب بالكامل إلى منظومة تخضع للرعاية الأمريكية، بحيث يصبح أمن الحدود يُدار وفق الاحتياجات الإسرائيلية قبل أي اعتبار آخر.
في المقابل، تبدو السلطة اللبنانية وكأنها تراهن على أن تقديم هذه الضمانات سيؤدي تلقائيًا إلى استعادة السيادة. غير أن التجربة التاريخية مع إسرائيل لا تدعم مثل هذا الرهان.
فمنذ قيامها، لم تنسحب إسرائيل من أرض احتلتها لأنها حصلت على ضمانات سياسية، بل عندما أصبحت كلفة بقائها أعلى من كلفة انسحابها.
ولذلك، فإن تحويل الانسحاب إلى نتيجة لالتزامات لبنانية، بدل أن يكون تنفيذًا لواجب قانوني على الاحتلال، يمثل انقلابًا في منطق الصراع نفسه.
ولا يتعلق الأمر هنا بالموقف من المقاومة بوصفها فاعلًا سياسيًا أو عسكريًا، بل بطبيعة وظيفة الدولة. فالدولة التي تجعل استعادة أرضها مرهونة بتنفيذ مطالب الاحتلال، تضع نفسها، طوعًا أو اضطرارًا، داخل معادلة أمنية صاغها الخصم. وعندها لا يعود السؤال من يحكم الجنوب، بل من يرسم قواعد الحكم فيه، ومن يمتلك حق تحديد متى تصبح الأرض “مؤهلة” للعودة إلى سيادة أصحابها.
والأخطر من ذلك أن مثل هذه المعادلات تحمل في داخلها بذور انقسام داخلي عميق. فإذا أصبحت مؤسسات الدولة مطالبة بتنفيذ التزامات يرفضها جزء واسع من اللبنانيين، فإن التوتر لن يبقى سياسيًا، بل قد يتحول إلى أزمة وطنية مفتوحة حول هوية الدولة نفسها، ودورها، وحدود علاقتها بالخارج. وهنا يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط استمرار الاحتلال، بل انتقال الصراع من مواجهة مع العدو إلى صراع حول تعريف السيادة داخل لبنان.
قد ينجح أي اتفاق في تجميد جبهة، أو تأجيل مواجهة، أو منح الأطراف فترة لالتقاط الأنفاس. لكنه يفقد قيمته إذا كان ثمنه إعادة تعريف الحق الوطني وفق شروط القوة المحتلة. فالسيادة ليست امتيازًا تمنحه إسرائيل عندما تشعر بالأمان، وليست جائزة تُمنح بعد تنفيذ شروطها الأمنية، بل حق أصيل لا يكتمل إلا بانسحاب غير مشروط من كل شبرٍ من الأراضي اللبنانية المحتلة.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه اللبنانيون اليوم ليس ما إذا كان هذا الاتفاق سيؤدي إلى هدوء مؤقت، بل ما إذا كان يؤسس لمرحلة يصبح فيها بقاء الاحتلال جزءًا من معادلة سياسية مقبولة، بدل أن يبقى فعلًا عدوانيًا يجب أن ينتهي دون قيد أو شرط. عند هذه النقطة، لا يكون الخلاف حول بندٍ تفاوضي، بل حول معنى الدولة نفسها، ومعنى السيادة، ومن يملك حق تقرير مصير الأرض اللبنانية.






