علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

محمد فؤاد يكتب: الجزيرة.. من الرأي والرأي الآخر إلى الجزيرة الداجنة (1)

وفي يناير 1999 انتقلت الجزيرة إلى البث على مدار الساعة، ثم جاءت تغطيات العراق وأفغانستان والانتفاضة الفلسطينية لتضع اسمها على خريطة الإعلام الدولي.

مشاركة:
حجم الخط:

هل روّضت المصالحةُ الشاشة التي أرعبت الحكام؟

في الأول من نوفمبر 1996، دخلت الجزيرة البيوت العربية كسؤال مؤجل: لماذا يتحدث الحاكم وحده، ويبقى المواطن مستمعاً؟

وبعد ثلاثين عاماً، وفيما تصالحت الدوحة مع عواصم خاصمتها طويلاً، يعود السؤال أكثر إلحاحاً: هل بقيت الجزيرة شاشة كسرت المحظورات، أم أن المتمردة القديمة تعلمت لغة المجاملة، وأصبحت أكثر حرصاً على علاقاتها من حرصها على إثارة الأسئلة؟

إنها حكاية قناة بدأت من رحم صدام إعلامي، واستقطبت صحفيين ظنوا أن أحلامهم انتهت بإغلاق شاشة لندن، فإذا بهم يصنعون من الدوحة ظاهرة إعلامية هزت عروشاً وأقلقت حكومات، قبل أن تجد نفسها بعد ثلاثة عقود أمام اختبار مختلف تماماً.

الرصاصة الأولى لم تُطلق من الدوحة.. بل من لندن!

بدأت الحكاية قبل انطلاق الجزيرة بستة أشهر، ففي عام 1994 أطلقت هيئة الإذاعة البريطانية BBC خدمة تلفزيونية عربية بالشراكة مع «أوربت» الشبكة المدعومة سعودياً، كانت BBC تنتج الأخبار والبرامج، بينما تتولى أوربت التمويل والتوزيع.

لكن الزواج لم يكن سعيداً منذ البداية، فطرف يتمسك باستقلاله التحريري، وطرف يريد مراعاة ما يسميه «الحساسيات المحلية».

وفي أبريل 1996 انفجر الخلاف، وبلغ ذروته بعد بث تقرير من برنامج «بانوراما» عن انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية. أوقفت أوربت بث الخدمة، ثم أنهت BBC إنتاجها.

كانت الضربة قاسية؛ صحفيون محترفون وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل، ومشروع إعلامي بدا واعداً انتهى في لحظة. لكن ما لم يكن متوقعاً أن تكون تلك النهاية هي الولادة الحقيقية لأخطر منافس إعلامي عرفته المنطقة.

قطر تلتقط الناجين.. وتشتري فرصة صناعة النفوذ!

هنا ظهرت الفرصة القطرية،كانت الدوحة تبحث عن حضور إقليمي يتجاوز حجمها الجغرافي، ورأت في القناة أداة نفوذ ناعم تفتح لها نافذة واسعة داخل البيوت العربية.

وتشير وثائق بحثية أميركية إلى أن التمويل التأسيسي بلغ نحو 137 مليون دولار، وهو ما أتاح استيعاب عدد من صحفيي BBC الذين فقدوا وظائفهم.

لكن الجزيرة ورثت من التجربة السابقة درساً بالغ الأهمية: العلاقة بين المال والتحرير ليست تفصيلاً إدارياً، بل معركة استقلال قد تبدأ عند أول خبر لا يعجب الممول.

الإعلامي يسري فودة، الذي عمل في BBC ثم شارك في تأسيس تجربة الجزيرة، عاد لاحقاً إلى هذه الحكاية في شهادته الشهيرة «وداعاً قناة الجزيرة»

وتحدث عن تصور تأسيسي يقوم على منحة أميرية وتمويل من مستثمرين خلال السنوات الأولى، ثم طرح الأسهم في الأسواق، وهي صيغة قال إن الأيام لم تنفذها كما خُطط لها.

ومن هنا يطل السؤال الذي سيظل يلاحق القناة طوال تاريخها: من يمول الشاشة؟ ومن يملك حق الاعتراض على ما تبثه؟
جمال ريان أول وجه.. وجميل عازر يطلق الشعار الذي سيصبح امتحاناً!

في الأول من نوفمبر 1996، انطلقت الجزيرة بست ساعات بث يومياً

كان أحمد الشيخ أول صوت سمعه الجمهور، بعدما طُلب منه أن يستفتح بآية دعاء، ثم ظهر جمال ريان في النشرة الأولى، ليصبح أول وجه ارتبط بذاكرة المشاهدين.

وفي غرفة الأخبار كان سامي حداد يقود فريقاً جاء كثير من أفراده من مدرسة BBC، وقطاع الاخبار في مصر بينما تولى جميل عازر صياغة الشعار الذي سيصبح لاحقاً أحد أشهر الشعارات الإعلامية العربية: الرأي والرأي الآخر.

والحكاية أن عازر لم يخرج بالشعار من فراغ، فقد روى في احتفالية الذكرى العاشرة أن الإدارة طلبت منه اقتراح عبارة للقناة، ففكر في أكثر من صيغة، قبل أن يستقر على هذه الجملة التي رأى فيها خروجاً على المألوف.

لم يكن الشعار مجرد كلمات جميلة على الشاشة، كان إعلاناً بأن الضيف الذي ترفض القنوات الرسمية استضافته سيجد مقعداً، وأن المسؤول لن يكون محصناً من السؤال، وأن المواطن يستطيع الاتصال ومجادلة أصحاب السلطة على الهواء.

كانت تلك ثورة على نشرة تبدأ وتنتهي بالتبجيل، وعلى إعلام اعتاد أن يتحدث باسم الحكام لا باسم الناس.

فيصل القاسم.. الرجل الذي لم يريدوه أولاً ثم أصبح كابوساً للضيوف!

ومن بين الحكايات الأكثر إثارة قصة فيصل القاسم وبرنامجه «الاتجاه المعاكس»

يروي القاسم في شهادته المنشورة بمناسبة الذكرى العاشرة أنه لم يكن ضمن المرشحين المفضلين للانضمام إلى القناة، إلى أن سأل أحد المسؤولين عن «ذلك الرجل من BBC الذي يحرك يديه ويستفز ضيوفه» كان ذلك هو القاسم نفسه!

وبعد انتقاله إلى الدوحة، طُلب منه اقتراح برنامج خلال أسبوعين، اختار مناظرة سياسية حادة، وأصر على اسم «الاتجاه المعاكس» رغم أن الإدارة كانت تفضل اسماً آخر هو «البعد الرابع».

ثم جاءت الحلقة الأولى لتكشف طبيعة المغامرة.

جمع القاسم عبد الباري عطوان وعبد الله بشارة في نقاش حول مجلس التعاون الخليجي، ولم يكن بشارة يعرف مسبقاً أن ضيفه هو عطوان، وحين اكتشف الأمر فوجئ بحدة المواجهة، حتى إنه تساءل عما إذا كان البرنامج يُبث فعلاً من الدوحة!

أما القاسم فيقول إنه خرج من الحلقة متوقعاً أن يُطلب منه جمع أغراضه ومغادرة قطر، لكنه فوجئ بترحيب الإدارة وتشجيعها على الاستمرار.

وفي حلقة أخرى، غادرت الكاتبة صافيناز كاظم الاستوديو بعد اشتداد خلافها مع توجان فيصل حول تعدد الزوجات، وألقت الميكروفون وغادرت رغم أن البرنامج كان يبث مباشرة.

كانت تلك المشاهد تصنع نجومية جديدة للإعلام العربي، وتكشف أن الشاشة لم تعد مجرد ناقل للخبر، بل ساحة مواجهة مفتوحة.

نجوم صنعوا الأسطورة.. ولم يكونوا مجرد مذيعين!

جمال ريان، جميل عازر، سامي حداد، فيصل القاسم، خديجة بن قنة، محمد كريشان، ليلى الشايب، أحمد منصور، ويسري فودة أسماء صنعت شخصية الجزيرة الأولى.

لم تكن المسألة وجوهاً تتناوب على قراءة الأخبار، بل مدارس صحفية وخلفيات ثقافية ولهجات عربية مختلفة اجتمعت في غرفة واحدة،كان هذا التنوع جزءاً من سر نجاح القناة، مثلما كانت جرأتها في استضافة المختلفين جزءاً من جاذبيتها.

وفي يناير 1999 انتقلت الجزيرة إلى البث على مدار الساعة، ثم جاءت تغطيات العراق وأفغانستان والانتفاضة الفلسطينية لتضع اسمها على خريطة الإعلام الدولي.

الجزيرة بعد 30 عاما ماذا حدث ؟ وما الذي تغير؟
الجزيرة بعد 30 عاما ماذا حدث ؟ وما الذي تغير؟

أول شرخ في الأسطورة.. من يراقب الجزيرة نفسها؟

لكن النجاح حمل في داخله تناقضاً لم يكن من السهل تجاهله. فالقناة التي تجرأت على مساءلة العواصم العربية لم تخضع قطر للمستوى نفسه من المساءلة، كما لاحظ باحثون ومراقبون.

وبعد سنوات، كتب يسري فودة عن تحفظاته على أمور تتعلق بالإدارة والمهنة والسياسة، وكشف أنه قدم استقالته مرتين، عامي 2003 و2007، قبل أن يغادر نهائياً عام 2009.

وقال إن الاستقالة الأولى رُفضت بتدخل مباشر من أمير قطر آنذاك، فيما انتهت الثانية إلى فترة ابتعاد مؤقت قبل الرحيل.

لم تكن شهادة فودة حكماً نهائياً على الجزيرة، لكنها فتحت نافذة على سؤال ظل يتضخم مع الزمن: هل تستطيع المؤسسة أن تمارس على نفسها النقد والشفافية اللذين تطالب بهما الآخرين؟

ثلاثون عاماً.. من عداوة الحكام إلى مصالحتهم.. ماذا تغير؟

اليوم، تبدلت خريطة العلاقات الخليجية، ففي عام 2017، كانت المطالبة بإغلاق الجزيرة بنداً صريحاً ضمن قائمة المطالب الثلاثة عشر المقدمة إلى قطر لإنهاء المقاطعة.

وبعد اتفاق العلا في يناير 2021، عادت العلاقات الخليجية، وبدأت صفحة سياسية جديدة بين الدوحة والعواصم التي كانت على خلاف معها.

لكن هنا تحديداً تبدأ القضية التي تستحق أن تكون عنوان هذه السلسلة: هل تصالحت الحكومات مع الجزيرة لأنها أدركت استحالة إلغائها، أم أن الجزيرة نفسها أصبحت أكثر حرصاً على تجنب الصدام معها؟

لا أحد يطالب القناة بأن تعيش في خصومة دائمة مع الحكومات، ولا أن تجعل المعارضة هدفاً في حد ذاتها

المطلوب فقط ألا تتغير معاييرها بتغير العلاقات السياسية، وألا يصبح ما كان يستحق المواجهة بالأمس موضوعاً للصمت اليوم.

فالجزيرة التي ولدت من خلاف على تقرير لم يرد الشريك بثه، تواجه بعد ثلاثين عاماً امتحاناً أشد صعوبة:

هل تستطيع أن تنشر ما لا يرضي الحليف بعد المصالحة؟

وهل يبقى «الرأي والرأي الآخر» قاعدة تحريرية حية، أم يتحول إلى شعار جميل يزين ذاكرة البدايات؟

في الحلقة الثانية، نفتح ملف السفراء الذين سُحبوا من الدوحة، والمكاتب التي أُغلقت، والتهديدات التي طاردت مراسلي الجزيرة، وكيف تحولت شاشة تلفزيونية إلى أزمة دبلوماسية دفعت قطر نفسها أثماناً باهظة بسببها.

شارك المقال:

شاركنا برأيك