محمد الروبي يكتب: من ” القضية 23″ إلى ” الأبد هو الأن “
في عام 2012، أخرج فيلم "الصدمة" (The Attack)، وصوّر أجزاء منه في تل أبيب، مستعينًا بممثلين (إسرائيليين) في خطوة أثارت اعتراضات واسعة بسبب تجاوزها المقاطعة العربية لـ(إسرائيل).
فيلم القضية لزياد درديري يثير أحداف الفتنة الطائفية في لبنان
البعض يمهد الأرض للغزاة
في ظل حملات التبرير لمشاركة فنانين مصريين في احتفالية ” الأبد هو الأن ” رغم ما أقدمت عليه مؤسسة أرت دي ايجيبت، المسئولة عنه، تذكرت فيلم “القضية 23”
تذكرت الفيلم الذي شاهدته منذ سنوات في مهرجان الجونة السينمائي، وكان بالنسبة إليّ القشة التي قصمت ظهر البعير، فحسمت بعد مشاهدته قراري بمقاطعة المهرجان.
لم يكن الأمر حينها متعلقًا بفيلم لم يعجبني، ولا باختلاف في الرؤية الفنية بيني وبين مخرجه.
لقد كان اعتراضي أعمق من ذلك، إذ شعرت أن ما يُعرض على الشاشة لا يمكن فصله عن تاريخ صاحبه ومواقفه، وأن وراء الحكاية الدرامية اختيارات تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا، خصوصًا حين يتعلق الأمر بتاريخ الصراع العربي الصهيوني، وبالطريقة التي تُروى بها مآسي الفلسطينيين واللبنانيين.
الفيلم هو “القضية 23” أخرجه مخرج لبناني اسمه زياد دويري
يتناول فيه وضع الفلسطينيين في لبنان من خلال خلاف بسيط يتطور إلى أن يصل إلى قاعة المحكمة، ومنها إلى الرأي العام، ومنها إلى الأحزاب السياسية، ومنها إلى رئاسة الجمهورية.
وخلال الأحداث التي تبدو بسيطة يعيد الفيلم مناقشة وجود الفلسطينيين في لبنان، ويحملهم مسئولية المجزرة التي حدثت لهم على يد الصهاينة بمباركة وتخطيط ومشاركة حزب الكتائب.
لكن قبل التوغل في الفيلم وترتيب وقائعه، دعونا نتذكر من هو زياد دويري.
في عام 2012، أخرج فيلم “الصدمة” (The Attack)، وصوّر أجزاء منه في تل أبيب، مستعينًا بممثلين (إسرائيليين) في خطوة أثارت اعتراضات واسعة بسبب تجاوزها المقاطعة العربية لـ(إسرائيل).
وفي عام 2013، مُنع عرض الفيلم في لبنان، ثم عاد اسم دويري إلى الواجهة في سبتمبر 2017، حين أُوقف لفترة وجيزة لدى وصوله إلى بيروت واستُدعي للاستجواب على خلفية تصوير فيلمه في (إسرائيل).
وقد دافع عن اختياره، ورفض اعتبار العمل مع (إسرائيليين) مشكلة تستوجب المقاطعة!
لم يرتدع المخرج، بل قام بعمل فيلمه التالي “القضية 23” بمشاركة إنتاجية مع واحد من أشهر الداعمين للصهيونية والحاصل على ما يدعونها جائزة السلام من (إسرائيل)!
عرض الفيلم في مهرجان الجونة وحصل مخرجه على جائزة المهرحان الكبرى.
بل وكرم دويري في احتفالية لا تثير الريبة فقط، بل تؤكد الاعتقاد أن ( الجونة ) ليس مجرد مهرجاناً لعرض الأفلام ، بل ثمة شيء أخطر وأدهى يمهد له هذا المهرجان.
وهنا لابد أن نتذكر اسماء ومواقف المكرمين من أصحاب الشهرة العالمية، كجيرارد ديباريو، وغيره، ممن لم يكتفوا فقط بزيارة دولة الكيان بل وأعلنوا دعمهم الكامل لكل ما تفعل.
والأن دعوني أقترب من الفيلم أولًا، من مشاهده وشخصياته، قبل أن أعود إلى القضية التي دفعتني إلى استعادته الآن.

تبدأ الحكاية بخلاف يبدو تافهًا، مشكلة في تصريف المياه بين طوني، اللبناني المسيحي، وياسر، الفلسطيني الذي يعمل في البناء.
تتصاعد المشادة، ويتبادل الرجلان الإهانات، ثم يعتدي ياسر على طوني، فيكسر أحد أضلاعه.
ومن هذه الواقعة المحدودة تنطلق قضية قضائية تتضخم حتى تصبح شأنًا عامًا، تستدعي الإعلام والأحزاب والانقسامات الطائفية، وتفتح أبواب الذاكرة على حرب أهلية لم تندمل جراحها.
كان يمكن لهذه الحكاية أن تكون مدخلًا بالغ الثراء إلى مساءلة الكراهية المتوارثة، وكيف تتحول كلمة جارحة إلى شرارة تستدعي تاريخًا كاملًا من الدم والخصومات.
لكن الفيلم لا يكتفي بتتبع مشاجرة بين رجلين، إنه يعود بنا إلى الماضي، ويجعل من هذا الماضي جزءًا أساسيًا من المحاكمة.
وهنا تبدأ المشكلة التي تشغلني، كيف يوظف الفيلم التاريخ؟ وما الذي يختار أن يرويه، وما الذي يتركه خارج الصورة؟
ثمة مشهد لا يمكن تجاوزه، حين يقول طوني للفلسطيني إنه يتمنى لو أن أرييل شارون قد أبادهم جميعًا.
ثم تأتي المشاهد التي يستعيد فيها الفيلم طفولة طوني، ويعود إلى مجزرة الدامور عام 1976، نراه يستعيد البلدة وذاكرة الهجوم والفرار، وتظهر صور ولقطات تُستخدم لتثبيت المأساة في وعي المشاهد.؟
هنا لابد أن نتساءل، هل يكفي أن نستعيد جريمة تاريخية حتى نكون قد أنصفنا التاريخ؟
أم أن الإنصاف يبدأ حين نضع الجريمة في سياقها الكامل، ونميز بين المسؤولية الفردية والجماعية، وبين من ارتكبوا القتل ومن وقعوا ضحايا له، وبين الاعتراف بآلام جماعة وتحويل هذه الآلام إلى حكم على جماعة أخرى؟
ولننظر إلى المفارقة التاريخية التي ينبغي ألا تغيب عنا.
ففي سبتمبر 1982، وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا، وسقط مئات من الفلسطينيين واللبنانيين على أيدي ميليشيات لبنانية مسلحة، في ظل الاجتياح (الإسرائيلي) للبنان وحصار القوات (الإسرائيلية) للمنطقة.
ولنسأل كيف يمكن أن تحتل مأساة الدامور هذا الحيز المركزي في تفسير العداء للفلسطينيين، بينما لا تحضر صبرا وشاتيلا، بما حملته من قتل للفلسطينيين واللبنانيين، في قلب المعالجة الدرامية بالقدر نفسه؟
وكيف يمكن أن يتذكر المشاهد جرح طوني بالتفصيل، ثم يغادر الفيلم دون أن يواجه، بالوضوح ذاته، مسؤولية الاحتلال (الإسرائيلي ) والميليشيات التي ارتكبت المذابح بحق الفلسطينيين؟

إن تزييف التاريخ لا يحتاج دائمًا إلى اختراع وقائع لم تحدث.
أحيانًا يكفي أن نختار من الوقائع ما يخدم رؤيتنا، وأن نضعها في مركز الصورة، ونترك سواها في الهامش.
وقد تكون كل لقطة منفردة صحيحة، لكن ترتيب اللقطات، وطريقة ربطها، وما تمنحه من تعاطف أو تحجبه، يمكن أن تنتج رواية منحازة، يختارها زياد دويري بوعي وسبق إصرار وترصد.
وإذا ما وضعنا الأحداث بجوار بعضها بعضا بدءا من فيلمه “الصدمة” إلى فيلمه “القضية 23” ثم حصول الأخير على أفضل فيلم أجنبي في مسابقة الأوسكار، سنعرف على الفور أي هدف يستهدفه هذا المخرج، وأي طريق يسلك لتحقيق هدفه.
وهنا أتذكر أيضاً أن دار عرض مصرية خاصة تدعى (زاوية) أصرت على استضافة الفيلم وعرضه عرضا عاما، متحدية القرار الشعبي بمناهضة التطبيع.
وهو ما جعلني مع آخرين ندعو إلى مقاطعة الفيلم ومقاطعة دار العرض ومالكيها.
وفوجئنا بأن البعض من مثقفينا يشنون حربا على أصحاب هذه الدعوة، متهمين إيانا بأننا (نحجر على الإبداع) وبأننا (ضد حرية التعبير) وضد (حرية الاختيار) و.. و..!!
هنا برأيي تكمن المشكلة الأهم والأخطر، مشكلة (الميوعة) التي بدأت للأسف تنتشر بين بعض مثقفينا فيما يخص التطبيع مع الكيان الصهيوني.

مشكلة التناقض في المواقف الذي يثير العجب، إذ بينما انتفض هؤلاء مع المنتفضين ضد الشركات الداعمة للصهاينة في حربها مع الفلسطينيين في غزة ودعوا مع الداعين إلى مقاطعة المنتجات (الأمريكية) ردا على القرار الأمريكي الوقح بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، نجدهم يبررون لاستضافة فيلم ليس فقط يحمل وجهة نظر صهيونية، لكن مخرجه مطبع إلى درجة التعامل المباشر مع الصهاينة بالسفر والاحتفاء وإشراك ممثلين صهاينة، وأيضا ممول من شركة يملكها صهيوني.
هنا تكمن المشكلة التي أظن أنها يجب أن تعيد قضية مناهضة التطبيع إلى بؤرة الحدث مرة أخرى، وتدعو كل شريف على هذه الأرض أن يعتبرها قضية حياته، خاصة إذا ما تذكرنا أن بعضاً ممن ينتمون إلى عالم الثقافة يسعى سعيا حثيثا نحو تسفيه فكرة المقاومة، وتشويه رموز المقاومة على مدار التاريخ العربي.
ولعلنا لم ننسَ بعد أولئك الذين وصفوا صلاح الدين الأيوبي أنه “أحقر شخصية في التاريخ” وأن “القدس لم تكن يوما مقدسة” وأن أحمد عرابي (كاذب) وأن عصابات الهاجانة الصهيونية لم يكن هدفها إلا تحرير فلسطين من الاحتلال الإنجليزي، و.. و..!!!
ولهذا لا أستطيع أن أفصل “القضية 23” عن الجدل الدائر اليوم حول مشاركة أشخاص مؤيدين للصهيونية في فعاليات ثقافية، ومنها معرض “الأبد هو الآن”
فالأمر خطير، وإن ترك لهؤلاء الساحة سنسمع من يدعو إلى ضرورة زيارة وفود فنية للأرض المحتلة لمشاركة (المعتدلين) من الصهاينة في صنع أعمال إبداعية تدعو للسلام.
فاحذروا.. إن البعض يمهد الأرض للغزاة.. احذرووووووا.
التعليقات مغلقة على هذا المقال.