ترجمات

لماذا تخشى إيران أن يعني اتفاق اليوم مزيدًا من الحرب غدًا؟

إيران، بعد كل شيء، خاضت تجربة مريرة في التعامل مع ترامب، إذ مزق الاتفاق النووي لعام 2015، كما شن ضربات ضد إيران مرتين أثناء سير المفاوضات.

مشاركة:
حجم الخط:

المصدر: فاينينشال تايمز

بقلم: ولي نصر الكاتب الأستاذ في جامعة جونز هوبكنز ومؤلف كتاب «الاستراتيجية الكبرى لإيران»

كان الرئيس دونالد ترامب يأمل أن يضع اتفاق قريب حدًا للحرب مع إيران وأن يعيد فتح مضيق هرمز.

لكن عددًا متزايدًا من السياسيين والمعلقين الأمريكيين نددوا بأي اتفاق يمنح إيران مليارات الدولارات مع إبقائها مسيطرة على المضيق ومحتفظة ببرنامج نووي.

إيران بعد الحرب: تسوية سياسية أم هدنة مؤقتة؟

قمة “غرفة العمليات” بالبيت الأبيض ومستقبل التهدئة مع إيران

وفي المقابل، لا تبدو إيران في عجلة من أمرها للقبول بالعرض.

ويلقي المسؤولون الأمريكيون باللوم على تعنت طهران وعلى الانقسامات داخل قيادتها.

لكن إن كان هناك انقسام في طهران، فهو يتعلق بمدى الحكمة في الثقة بالحكومة الأمريكية.

فإيران، بعد كل شيء، خاضت تجربة مريرة في التعامل مع ترامب، إذ مزق الاتفاق النووي لعام 2015، كما شن ضربات ضد إيران مرتين أثناء سير المفاوضات.

وتتمسك إيران بموقف تفاوضي صارم لأن ما يجري بالنسبة لها معركة وجودية.

وأكثر ما تسعى إليه هو الحصول على ضمانة بألا تعود الحرب من جديد.

ويجب أن تكون هذه الضمانة جزءًا أصيلًا من بنية أي اتفاق.

أما الاتفاق المطروح حاليًا ــ وهو وقف إطلاق نار قصير الأجل يمهد لاتفاق أكبر لاحقًا ــ فلا يوفر مثل هذه الضمانة.

والرأي السائد عبر مختلف ألوان الطيف السياسي في طهران هو أن وعود الدبلوماسية، في ضوء سجل ترامب، قد تزيد في الواقع من خطر الحرب.

فالتنازلات الأمريكية التي تبدو سخية تُفسَّر على أنها أفضل من أن تكون حقيقية.

ويُعتقد أن هدفها هو دفع إيران إلى خفض حذرها بينما تستعد الولايات المتحدة لإكمال المهمة.

كما أن الحديث المتزايد في واشنطن عن هزيمة استراتيجية أمريكية ــ وهو حديث يحظى بمتابعة واسعة في طهران ــ لم يساعد على تبديد هذه المخاوف.

فقد فسر محللون إيرانيون مثل هذه التصريحات على أنها دعوة صريحة إلى المزيد من الحرب.

ومن وجهة نظرهم، لن تقبل الولايات المتحدة بالهزيمة، وكلما سلط الأمريكيون البارزون الضوء على إخفاقات ترامب، ازدادت احتمالات سعي الولايات المتحدة إلى قلب نتائج هذه الحرب عبر خوض حرب أخرى.

وتشتبه طهران في أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى سلام دائم، بل إلى حرية أكبر في إبقاء إيران معزولة وضعيفة، مع كبح أنشطتها النووية والصاروخية عبر «جزّ العشب» بصورة دورية.

وأمام مثل هذا الاحتمال، يصبح الردع هو العامل الأهم.

وتسعى إيران إلى تحقيق الردع على ثلاث جبهات: مضيق هرمز، والملف النووي، وجعل الولايات المتحدة تدفع ثمنًا باهظًا.

ويعتقد الحرس الثوري الإيراني وحلفاؤه أن التكلفة المرتفعة للحرب هي الرادع الحقيقي الوحيد ضد أي هجوم جديد.

فقد كلفت الحرب الولايات المتحدة حتى الآن 29 مليار دولار و13 قتيلًا أمريكيًا.

وكانت كلفتها على الاقتصاد العالمي أكبر من ذلك بكثير.

وقد تجاهل ترامب هذه الخسائر إلى حد بعيد، قائلًا إن «الألم قصير الأمد» مقبول إذا كان سيحرم إيران من امتلاك سلاح نووي.

لكن الحرس الثوري يرى أن تغيير حسابات ترامب عبر إلحاق مزيد من الألم بالولايات المتحدة وبالاقتصاد العالمي هو السبيل الوحيد لضمان استعداد الرئيس الأمريكي لخوض مفاوضات جادة.

ولا يتبنى جميع من في طهران هذا النهج التصعيدي.

فإيران نفسها تدفع ثمنًا باهظًا.

ويتحدث مسؤولون إيرانيون آخرون عن أهمية السيطرة على مضيق هرمز والحفاظ على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب باعتباره عنصر الردع الأساسي

ويعتقد هؤلاء أن أي اتفاق دائم يتضمن تعويضات اقتصادية عن أضرار الحرب وتخفيفًا دائمًا للعقوبات سيعتمد على هاتين القضيتين؛ غير أن الولايات المتحدة تطالب بأن تقدم إيران تنازلات في كلتيهما.

وهذا ما يجعل التوصل إلى اتفاق دائم أمرًا غير مرجح إلى حد بعيد.

وقد توافق طهران على فتح المضيق، لكنها لن تتخلى عن السيطرة عليه.

فقد أصبحت إيران مقتنعة الآن بأن قدرتها على إغلاق هذا الممر البحري الحيوي تمثل عنصر ردع رئيسيًا، خاصة إذا انضم الحوثيون في اليمن إلى إيران في أي صراع مستقبلي، وساهموا كذلك في خنق التجارة عبر البحر الأحمر.

وعلاوة على ذلك، فإن السيطرة على المضيق ستتيح لإيران فرض رسوم على حركة الملاحة التجارية.

وستوفر هذه الإيرادات متنفسًا اقتصاديًا مرحبًا به، كما ستدفع دولًا حول العالم إلى تحدي العقوبات الأمريكية الثانوية من خلال دفع الرسوم لإيران.

وإذا تكرر ذلك على نطاق واسع بما يكفي، فسوف يؤدي إلى إضعاف نظام العقوبات.

لم تعد إيران تنظر إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة باعتباره حلًا لمشكلاتها الاقتصادية والأمنية.

فهي تعتقد أن الولايات المتحدة من غير المرجح أن ترفع العقوبات، وأن ترامب قد يتخلى عن الاتفاق مرة أخرى بعد أن تنفذ إيران التزاماتها.

كما أن الاتفاق النووي، من وجهة نظرها، لن يقلل من احتمالات الحرب.

بل إن الإجماع الآخذ في التبلور في طهران يتمثل في أن الهدف من اتفاق نووي جديد هو منح واشنطن حرية أكبر لعزل إيران ومهاجمتها عسكريًا.

إن منح الولايات المتحدة ما عجزت عن الحصول عليه عبر حربين لن يجعل إيران أكثر أمنًا، بل أكثر هشاشة وعرضة للخطر.

وتروج رواية يتبناها الحرس الثوري مفادها أن الولايات المتحدة لم توافق على وقف إطلاق النار وعلى إجراء محادثات إلا بعد أن فشلت في الاستيلاء على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب تحت غطاء عملية لإنقاذ طيار مفقود.

وكلما أصرت الولايات المتحدة على أن تتخلى إيران عن التخصيب وأن تسلم مخزونها من اليورانيوم، ازداد اقتناع طهران بأن الهدف الأمريكي هو إزالة عناصر الردع الإيرانية عبر الدبلوماسية تمهيدًا للعودة إلى الحرب ضد خصم أضعف.

وقد توافق إيران على تعليق التخصيب لفترة من الزمن، لكن قادتها يؤكدون بإصرار أن أي تنازلات يجب أن تكون قابلة للتراجع عنها.

فباحتفاظها بالسيطرة على مخزونها من اليورانيوم المخصب، حتى وإن جرى تخفيف درجة تخصيبه، ستكون إيران قادرة على استئناف التخصيب، وبالتالي لن تكون سوى على بعد أسابيع من تحقيق قدرة الاختراق النووي.

ويجادل المسؤولون الإيرانيون بأن إدراج هذا الخيار داخل أي اتفاق هو السبيل الوحيد لردع الولايات المتحدة عن العودة إلى الحرب.

وقد تتفق الولايات المتحدة وإيران على إنهاء هذه الجولة من القتال.

وسيكون ذلك خبرًا سارًا للاقتصاد العالمي، لكن ينبغي ألا ننشغل بالمكاسب قصيرة الأجل أو بادعاءات ترامب الحتمية بالنصر وبزوغ عهد جديد في الشرق الأوسط.

أما التوصل إلى اتفاق أكبر وأكثر ديمومة يعالج مستقبل مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني، فسيكون أصعب بكثير.”

شارك المقال: